هنا القصة الثالثة

منى حمدان

مقالات الكاتب

عن فرح التي تختبىء في منزلها

أذهب عادةً إلى المكتبة حاملةً قائمة بالكتب التي أريد شراءها. لكن التجربة هذه المرة كانت مختلفة، فقد كانت صديقة مصرية ترافقني في هذه الرحلة، لاكتشاف الإصدارات الروائية العربية الجديدة. نصحتني بقراءة كتاب “في غرفة العنكبوت” للكاتب المصري محمد عبد النبي، الطبعة الثالثة منه صدرت عام 2017، ورشحت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لعام 2017.
اشتريت الكتاب وبدأت بقرائته، وأنهيته بسرعة قياسية. لم تنبع أهمية الكتاب من عمقه الروائي وأسلوبه، بل من تزامن قرائتي له مع أحداث قضية ما بات يعرف با “الرينبو” في مصر.
أحداث الرواية تشبه كثيراً ما يعيشه أعضاء مجتمع الميم، منذ حفل (مشروع ليلى) في مصر والذي نتج عنه حملة شعواء تستهدف مجتمع المثليين والمثليات والمتحولين جنسيا المعروف بمجتمع الميم.
مشاعر بطل الرواية تشبه مشاعر هؤلاء الذين يعيشون حياةً سريةً خائفين طوال الوقت.
ففي “غرفة العنكبوت” يتم القبض على هاني محفوظ عام 2001، في الليلة نفسها لأحداث (الكوين بوت) في مصر، والسبب الشكّ في أنه مثلي الجنس. هو فعلاً مثلي الجنس، في مجتمع ما زال يعتبر المثلية “شذوذاً” و”فجوراً” يستوجب العقاب أو مرضاً نفسياً في أحيان كثيرة، وانتقاصاً من الرجولة، وتعابير عديدة بالية.
أثناء فترة سجنه، عانى هاني من خرسٍ مفاجىء، وفرض على نفسه نوعاً من العزلة في البداية، خوفاً من الناس، ومن البوليس الذي يلاحق كل من يشك في ميوله الجنسية المغايرة للسائد.
كل ما يحدث في الرواية، المستقاة من أحداث حقيقية، يتكرر هذه الأيام في مصر. ملاحقات وتضييق على حركة كل من ليس “طبيعياً” وهو التعبير الذي يردده شريحة واسعة في الاعلام والمجتمع.
الهروب والاختباء، الذي عاشه (هاني محفوظ) في رواية (عبد النبي) يعيشها مصريون مثليون وعابرون جنسياً من رجال ونساء. جميع من قُبض عليهم، خلال الحملة التي شنتها الحكومة المصرية على مجتمع الميم، تعرضوا لأنواع من الانتهاكات بحسب تقارير دولية، منها تقريران ل”هيومن رايتس ووتش”، و”منظمة العفو الدولية”. وقالت التقارير إن الموقوفين تعرضوا لفحوصات شرجية “ترقى إلى مرتبة التعذيب”.
تذكرتُ صديقتي المصرية، التي كانت في لبنان حين بدأت حملة الاستهداف الأخيرة بحق المثليين. وصديقتي عابرة جنسياً، أي Transwoman، وبالتالي من السهل جداً أن يعي من يتعرف إليها أو يراها أنها كذلك من خلال مظهرها خصوصاً أنها في المرحلة التحضيرية لإجراء عملية تصحيح الجنس.
(فرح) وهو اسم مستعار اخترته لها لأنها ترمز إلى الفرح بالنسبة إليّ. ابتسامتها لا تفارقها رغم كل ما تعانيه من استهداف مباشر ومن خوف ورعب في حياتها في مصر.
طوال الأيام الثلاثة التي قضتها في لبنان، كانت (فرح) تردد أمامي كم تشعر بالقلق الشديد من العودة إلى مصر في هذه الفترة بالتحديد. فخطر القبض عليها في المطار ليس مستبعداً في ظل حكومة تلاحق المثليين وتتصيدهم وتسعى إلى إقرار قانون يجرّم المثلية الجنسية ويعاقب عليها بالحبس مدة تصل إلى 15 عاماً. فقد قدّم أكثر من 60 نائباً من أعضاء البرلمان المصري، مشروع قانون يثبت اعتبار المثلية جريمة ولها عقوبة مشددة. الاقتراح هذا اعتبرته (منظمة العفو الدولية) أنه يميّز على نحو فاضح ضد الأنشطة الجنسية المثلية في البلاد، ويجرّمها صراحةً للمرة الأولى في تاريخ مصر.
فرح عادت الى مصر لكنها تعيش في حال يشبه الاختفاء القسري. فهي بالكاد تخرج من منزلها وتعيش هاجس احتمال أن يذكر اسمها في كواحدة من مجتع الميم وبالتالي تتم ملاحقتها كما حصل لكثيرات غيرها. هي تخاف من النزول إلى الشارع، لأن هيئتها تكشف حقيقة ميولها وقد تتعرض للاعتقال.
تقول فرح: “منذ حصلت واقعة رفع علم (الرينبو)، وأنا أقرأ يومياً وأسمع عن أشخاص يتم القبض عليهم، والغريب أنه تتم محاكمتهم بشكل سريع جداً على خلفية هذا الموضوع، لمجرد أنهم مثليين أو مشتبه أنهم مثليين”. وتضيف: “صحيح أنا عابرة جنسياً أو متحولة جنسياً كما يحبون تسميتي، لكن من سيعرف الفرق؟! من يهتم أصلاً بأن يعرف؟!. كلنا في نظرهم (شواذ)، ولا أعتقد أن أي تقارير طبية في حالتي يمكن أن تمنع القبض علي في مصر، أنا ممكن يتقبض علي بسبب شكلي بس”.
وعن الخوف الذي تعيشه وتشعر به، قالت: “طبعاً أنا خائفة من الخروج من المنزل، تقريباً أنا لا أخرج أبداً”. وتتحدث(فرح) عن حملة تحريض وكراهية مجتمعية شديدة جداً شنها الاعلام المصري على مجتمع الميم. وهنا يبرز وضع العابرات جنسياً تحديداً بصفتهم شريحة قد تكون عرضةً للخطر، خصوصاً من لايزال في مرحلة العلاج الهرموني، وبالتالي لم يكتمل شكلهن الأنثوي بعد كحالة فرح. وتضيف: “لك أن تتخيلي العدائية والكراهية في نظرات الناس وتصرفاتهم معي في الأوقات العادية، فما بالك في هذا الوقت، المجتمع كله مشحون جداً ضد كل من هو مختلف”.
وعن أصدقائها، تقول، “للأسف ليس في إمكاني أن أتواصل مع أي أحد تقريباً، فالاتصال مقطوع مع غالبيتهم، وكثر منهم اختفوا تماماً، ولا أعرف أي شيء عنهم. هناك حالة ذعر عام، وكأننا إرهابيون!”.
وبما أنها هي من نصحني بقراءة “غرفة العنكبوت”، سألتها عن التشابه بين ما يحصل اليوم وما حصل في أحداث الرواية، فأجابت: “عندما قرأت في غرفة العنكبوت للمرة الأولى شعرت بالألم الشديد. وبصراحة لم أصدق أن الوضع كان بهذا بالسوء، لم أتوقع ذلك، ولم أتخيل إطلاقاً أنه سيأتي يوم أكون شاهدة بنفسي على هكذا أحداث وأعاني شخصياً، من ما هو أسوأ من قضية الـ”كوين بوت”.
وتضيف: “على الأقل فإن قضية الكوين بوت، كانت قضية واضحة المعالم لها بداية ونهاية وأبعاد، أما الآن فالوضع أسوأ كثيراً، فأي شخص معرض للاعتقال والمحاكمة في أيام قليلة، والسجن. عدد المقبوض عليهم حتى الآن وصل إلى أكثر من ستين، وهو رقم، أعتقد أنه تجاوز رقم الكوين بوت، ولا زال في زيادة كل يوم، الوضع باختصار مرعب”.
أما العائلة في مصر، فموضوع آخر. إنها “رهان خاسر” كما تسميه فرح. وتقول: “مستحيل أن يفهموا أو يتقبلوا وضعي، لذلك لن أخبرهم بحقيقتي. قد أختفي من حياتهم في يوم ما وأهاجر”. والهجرة أمر شائع في مجتمع الميم عموماً، وبين العابرين/ات جنسياً خصوصاً، الذين يعيشون في الدول العربية. فالمعركة مع الوالدين خاسرة بحسب فرح، لذلك هي لن تخوض هذه الحرب التي سترهقها نفسياً وجسدياً من دون أي نتيجة. “ليس لدي طاقة كافية لخوض معركة خاسرة”.

إقرأ أيضاً