هنا القصة الثالثة

تيم الكردي

مقالات الكاتب

عن عقاب السياسة واغترابها

“وجعة راس” يعدّ هذا التعبير من أكثر العبارات تكراراً لوصف السياسة في الثقافة السوريّة الشفهية، حتى على مستوى الحديث اليوميّ البسيط الذي قد يتطرّق إلى أحد رموز النظام الأمنية أو الاقتصادية، وقد يكون المثل الشعبيّ: “منمشي الحيط الحيط ومنقول يا ربي السترة” أكثر الأمثال تكراراً في الدراما السوريّة على مدى العقود الأخيرة حتى ضمن الأعمال التي تصنّف نفسها في خانة الأعمال الناقدة.
ويجدر بنا القول إن الثورة السورية عام 2011 كانت بمثابة محاولة تحطيم لهذه المشافهة التي أخذت شكلاً دعابياً مع مرور الوقت، ودفعاً لليوميّ إلى ما هو غائب، لتعود هذه الأقاويل والأمثال لتتعزز خلال السنوات الأخيرة. ويمكننا اعتبار أن الثورة السورية كانت بمثابة التجربة الأولى لهدم هذا الصنم الذي بني على مشافهة مستمرة على مدى عقود، كما أنها كانت بمثابة تجربة أوليّة لكثير من الشباب في المجال السياسي الذي لم يتأسس فعلياً في سوريا، وعلى الرغم من دور السياسة الواضح في سياق الحرب السورية وامتدادها، إلا أنه يمكننا أن نعدّ أن هناك حالاً قاسية من الاغتراب حالياً بين الشباب السوريّ والسياسة، وقد تحولت إلى رمز أسطوريّ في أذهانهم كشيء قائم في ذاته.
السياسة العذراء
لم تعرف سوريا منذ بداية حكم البعث أي حياة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث عمل نظام البعث عبر السنين بانتظام على قتل كل محاولة لصعود أي شكل من أشكال الحياة السياسية أو حتى الاجتماعية المدنية الخارجة عن سيطرته وتوجيهه، كما روّج للسياسة بكونها شيئاً قائماً بذاته وغير متصّل بالحياة اليومية والواقعية، ما خلق شعوراً لدى العديد من الشباب بالعجز تماماً عن القدرة على التغيير أو حتى التأثير، بعد أربعين عاماً من السيطرة الكاملة على بنى المجتمع بأكملها والعمل على تغريب السياسة عن الأجيال. وقد تمت عبر سنوات حكم البعث وحتى الآن، تعبئة وتنميط المجتمع والشباب ضمن هيكليات حزبية فارغة لا قيمة لها خارج نطاق السلطة ولم تعمل على خلق أي قيم مشتركة أو هيمنة اجتماعية، وكانت الثورة السورية بمثابة الفرصة الأولى لاقتحام الفضاء السياسي بالنسبة إلى كثر من الشباب الذين شاركوا فيها، وكانت تلك التجربة الاستحضار الأول لصنم السياسة الغائب عن حيواتهم وتجريده من الهالة الأسطورية ليكون واقعاً ملموساً تماماً.
يحدثنا (م.م) وهو شاب في الثلاثينات من العمر وقد اعتقل لمدة ثلاث سنوات عن تجربة التحقيقات والتي استمرت لستة اشهر بسبب مشاركته في المظاهرات ومراسلته بمقاطع فيديو عن الثورة عبر صفحات الإنترنت بأن النظام الأمني، “أحضر ملفات للشباب المعتقلين، ويحاول توكيد أنهم أعضاء في حزب البعث، فقد حاول الأمن تكريس انتمائي إلى حزب البعث، تماشياً مع تهمة التمرد الحزبي أو الخيانة الحزبية، حيث حاول خلق معنى سياسياً لتعسفه الأمني، إلا أن هذه الأسئلة تنتهي سريعاً، وتعود مرحلة التعذيب المفتوح والعقاب إلى مراحلها الأولى، والنظام لا يملك تهماً سياسية فيميل بنا إلى الإرهاب. أنا من جيلٍ حضر اجتماعات حزب البعث كلها، ومجدت وصرخت لأجل حافظ الأسد حتى تغير صوتي، فأنا قد تعلمت الصراخ في باحات المدرسة وعلى مقاعد الصفوف، وحينما صرخنا حرية عوقبنا سريعاً”.
وبالفعل فإن الزخم الجماهيري للثورة في عامها الأول شكّل صدمة للعديد من المراقبين، ليس لغياب أسباب موضوعية لقيامها، بل كون الحياة السياسية في سوريا عانت لعقود طويلة من عجز وقصور شديدين، فكان احتدام الثورة والمظاهرات المعارضة مع المشاركة الأساسية للفئات الشابة فيها، مدخلاً للكثير منهم إلى المجال السياسي الذين اكتشفوه حينها، واكتشفوا معه إمكان توظيفهم سياسياً، وإن كانت المؤسسات المعارضة لم تستطع استثمار هؤلاء الشباب بشكل يخدم القضية فعلاً، فتم خلق العديد من المؤسسات التي لم تقدّم أي تنظيم أو هيكلة للحراك الشعبيّ فعلياً، وقد يكون اندفاع الشباب المعارض في بداية الثورة انفعالياً وعاطفياً كون النظام صعّد من غضب الشارع، إلا أن هذا الانفعال كان بالنتيجة انتقال من الاتجاه السلبي المتمثّل بوصف السياسة بـ”وجعة راس” إلى اليوميّ بأن ترفع للمرة الأولى في الشوارع السورية شعارات تنادي بإسقاط النظام والأسد القائد الأبديّ معاً.
الاكتشاف والعقاب
مع بداية الثورة اكتشف السوريون تعطشهم إلى السياسة الغائبة عن حيواتهم، فسادت في الشهور الأولى نقاشات مستمرة ومفتوحة ظهرت للمرة الأولى وبدا كأن الفضاء السياسي يظهر بعد غياب قسريّ طويل في شوارع السوريين ومنازلهم، وكأن السوريين تعلموا النطق للمرة الأولى بعد سنين طويلة، فظهر مثول ماديّ للسياسة في المظاهرات والمسيرات المؤيدة، إلا أنه بسرعة ما عادت مشافهة من نوع آخر للتمثّل أمام عيون الشباب. فالروايات التي سمعوها عن حملات الاعتقالات والتعذيب التي شملت كل الأحزاب السياسية المعارضة في الثمانينات من شيوعيين وإسلاميين، كانت امتداداً لأيديولوجيا السلطة البعثية الحاكمة، وأراد النظام من حملات الاعتقالات حينها أن تكون درساً دائماً لكل السوريين الشباب. عادت حملات الاعتقال هذه المرة بشكل أوسع وأكثر حدّة، فقام النظام باعتقال العديد من الشباب وتعذيبهم وإذلالهم علناً برمزية شخصية ودينية، وتسريب فيديوهات تظهر ذلك في محاولة أخيرة منه لقمع الأصوات التي تتصاعد تدريجياً في وجهه، فظهر النظام بوجه أكثر عدائية وتشدداً عمّا سبق، بعد أن شعر بتهديد سلطته من قبل شباب لا يملكون إلا أصواتهم للتعبير عن احتجاجهم في وجهه، إلا أن قيادات المعارضة لم تكن في مرحلة لاحقة سوى خيبة إضافية لهؤلاء الشباب، بعد فشلها في تعويضهم أو تحقيق أي انتصارات سياسية لخدمة القضية التي يحملونها. وهنا يبدو ألم التجربة السياسية البكر لأحد الشباب، ففي جلسة طويلة مع أحد الشبان الذي اعتقل في بداية العقد الثاني من عمره، يقول لنا (س.ج): “اعتقلت خلال المظاهرات، وتحت جلسات التعذيب اعترفت بشابين من المشاركين معي بالتظاهر، بدأت فترة سجني في المخابرات الجوية لمدة سنة كاملة في اللاذقية وطرطوس على التوالي، ثمّ في سجن صيدنايا، وما أن خرجت لم استطع التواصل مع أي من مؤسسات المعارضة لدعمي لأخرج من الجامعة، أو لأحصل على منحة للدراسة خارج بلاد الديكتاتور التي أورثتني حكماً قضائياً بتهمة الإرهاب، وحتى أثناء اعتقالي لم يدعم أهلي أبداً من قبل المجتمع أو أي مؤسسة معارضة. كنت أعمل عبر الإنترنت مع بعض مجموعات المعارضة التي اكتفت في جعلي اسماً وصفحة على “فيسبوك”، تطالب بحريتي من نظامٍ لا يهتم أبداً بصفحات المعارضة أو غيرها”.
أما (ن.ج) شاب آخر يحدثنا عن تجربته قائلاً، “كنت طالب حقوق حينها، فقدت قدرتي ورغبتي بالذهاب إلى الجامعة بسبب بعد أن تعرضت للضرب في “جامعة تشرين”، في مجموعة من الطلاب من محافظة درعا، على رغم ذلك لم يهتم بي أحد، وكنت أعمل مع مؤسسات معارضة نشطة على الأرض، فقدت قدرتي على التعليم، عملت في مجال الصحافة ولم أدعم من أي مؤسسة للسفر أو الحصول على منح. وتشبه آليات عمل مؤسسات المعارضة مؤسسات النظام في الفساد والمحسوبية والتخلي عن العاملين والثوريين. ولم تحاول المعارضة مساندة الأعمال والتجارب المدنية والإنسانية العميقة الصلة بالمجتمع وأفراده أبداً”.
هذا الأمر وسع الشرخ بين قيادات المعارضة والشباب الذين نشطوا في الشارع ليشعروا بأنهم قد استُغلوا من دون جدوى، وهذا أكثر العوامل التي نلاحظها من خلال لقاءاتنا مع بعض المعتقلين الذين يخرجون أحياء من السجون، ولا يبحثون إلا عن استمرار حياتهم، رافضين ضمنياً أي عودة للمشاركة في الحياة السياسية وسط خوف مستمر من انتقام النظام مرة أخرى فيما لو استعاد سيطرته تماماً.
الصنم مجدداً عوامل كثيرة أدّت إلى اندثار كل الأحلام التي أمل الشباب السوريّ في جعلها حقيقة واقعة، فعاد الكثير من المعتقلين السياسيين وهم يرفضون أي عودة للمشاركة في المجال السياسي، فبعد تسلّح الثورة والتدخّل العسكريّ الروسيّ الذي أنقذ النظام من احتمال الخسارة وشارك في تدويل الحرب، وصلت الثورة إلى المجال الذي أراد النظام الوصول إليه. وهو ميدان القوة العسكرية كونه يمتلك إمكانات عسكرية ودعماً دولياً كبيراً يفوق ما تملكه المعارضة، كما أنه جيّر واختلق الصراع المسلّح ليستطيع أن يتباهى بخطابه أمام المجتمع الدوليّ بمحاربته للإرهاب، واستغل الحرب ليروّج لخطاب مفاده أنها حرب دولة ضد إرهاب أصوليّ مسلّح، واستطاع أن يتابع ارتكاب المجازر (كان آخرها في الغوطة) دون أي ضغط دوليّ حقيقيّ عليه.
كل هذه العوامل التي أعادت الشعور بالإحباط والعجز عن القدرة على التغيير أو الوقوف في وجه الحرب، لتعود السياسة إلى شكلها الصنميّ الأوليّ وتأخذ شكل المأساة الإنسانية، وفي حوار مع (م) وهو طالب في كلية الاقتصاد شارك في المظاهرات الشعبية في بداية الثورة قال لنا، “منذ بداية الثورة بدأت النزول إلى الشوارع مع أخي، أخي توفي في إحدى المظاهرات، وأنا قضيت 4 سنين في الاعتقال، بصراحة أن اليوم نادم على تلك التجربة. اعتقلت أنا ومات أخي من دون جدوى، لم أعد أؤمن بقدرتنا على التغيير بل أن الحرب السورية موضوع دوليّ كبير دورنا فيه لا يتجاوز الأدوات، حتى المعارضة جزء من لعبة النظام لاستمراره في السلطة، أحاول اليوم أن أبتعد قدر استطاعتي عن متابعة الأخبار، أشعر بلا جدوى كل هذا”.
فليوم أصبح الكثير من السوريين مستعدين لإيقاف الحرب بأي شكل كان بعد مستوى الإجرام الذي ارتكبه النظام أمام العالم أجمع، من دون أي رادع حقيقي، فصرنا اليوم مرة أخرى، أمام وصف السياسة بأنها “وجعة راس”، و”لا تمتلك شيئاً لتقدمه لنا”، ليخرج النظام من كل ذلك بشعور الانتصار بعد أن فقد الكثير من الشباب أمله بالتغيير وعاد إلى خانة المشافهة بعدم جدوى السياسة مجدداً.

إقرأ أيضاً