fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج

daraj sal

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

عن صديقة الفلسطينيين الإسرائيلية فيلتسيا لانغر

في نهاية السبعينات من القرن الماضي، إلتقيت في برلين الغربية الكاتبة و المحامية الإسرائيلية والناشطة الشيوعية فيلتسيا لانغر. كانت لانغر في تلك الفترة تفكر في الهجرة النهائية من إسرائيل رفضاً لسياسات الدولة العنصرية.تحقق هذا القرار عام  1990. وبذلك سارت لانغر على خطى يساريين يهود تركوا إسرائيل وعاشوا في مختلف الدول الأوروبية، مثل موشيه ماخوفر الأكاديمي في جامعات لندن والعضو القيادي في منظمة*ماتزبن* اليسارية التي تلاشت في نهايات القرن الماضي، ونيرا ديفيز وطوني كليف منظّر حزب العمال الإشتراكي التروتسكي، الذي كان ربما أول اليساريين اليهود الذين غادروا دولة الإحتلال العنصرية إلى لندن حيث عاش ومات هناك.  عرفتُ فيلتسيا لانغر من خلال كتابها “بأم عيني” ،الذي سردت فيه عذابات الفلسطينيين في سجون الإحتلال من خلال شخصية الأسير الفلسطيني نبيل القبلاني عضو جبهة النضال الشعبي الفلسطيني .

إلتقيتها في برلين في ندوة تحدثت فيها عن موضوع حياتها الأثير، القمع الإسرائيلي للفسطينيين وحكايات السجون والسجناء الفلسطينيين. طلبت منها إجراء مقابلة  صحفية لنشرها في الصحافة الفلسطينية في بيروت آنذاك. عرضتُ المقابلة على مجلة “نضال الشعب”، الصادرة عن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.أذكر أن نقاشاً حاداً جرى مع المسؤولين  حول نقطتين لا تتعلقان بمحتوى المقابلة ولا بالأفكار الإنسانية التي قدمتها لانغر. وحينها لم تكن مفردة “تطبيع” شعبية ومتداولة بعد في الأوساط الفسطينية والعربية كما هي اليوم.أول النقطتين اللتين أثيرتا معي هي كيف أسمح لنفسي بالتحدث مع إسرائيلية، وثانيهما كيف لمجلة فلسطينية تصدر عن فصيل فلسطيني أن تنشر مقابلة مع إسرائيلية.بعد نقاش طويل حسم الأمين العام للجبهة  سمير غوشة الأمر ونشرت المقابلة.

اقرأ أيضاً: “مطر حمص” الصورة في خدمة الديكتاتور

رحلت فيليتسيا لانغر في يوم الخميس 21 حزيران\ يونيو الحالي عن 88 عاماً قضت منها ما يقارب الثلاثة عقود الأخيرة في ألمانيا، مهاجرة من دولة الإحتلال الذي رفضته وتعاطفت مع ضحاياه من الفلسطينيين. سوف يفتقد الفلسطينيون اليوم نموذجاً إنسانياً لم يقدم تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كثيرين مثله، أو ربما لم يسلط الضوء على مثل هذه الحالات في المجتمع الإسرائيلي، فلم يستطع الفلسطينيون إلتقاط تلك الحالات أو النماذج من اليهود الإسرائيليين الذين قادتهم ظروف المحرقة اليهودية في أوروبا إلى فلسطين، يبحثون عن ملاذ لهم، حتى ولم يكونوا مؤمنين بالفكرة الصهيونية التي سعت بنجاح إلى تأسيس دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، أو لم يكونوا مؤمنين بالرواية الدينية حول أرض الميعاد.وربما اليوم ونحن نرثي فيلتسيا لانغر، فإن رحيلها يطرح علينا نحن الفلسطينيين أسئلة حول الحاضر والمستقبل بكل تفاصيل القدر الذي ساقنا الى صراع قد يكون الأكثر تعقيداً في الصراعات الإنسانية في العصر الحديث، بما يحمله من تشابك الروايات والأقدار الدامية لكلا الشعبين المتصارعين.ونحن نشهد اليوم إنهيار الخطاب الفلسطيني الرسمي الوطني والإسلامي وهشاشته في التصدي للخطاب الصهيوني العنصري وتفككه، وتضعضع طموحاته لبناء مستقبل عادل للشعب الفلسطيني، تذكرنا فيلتسيا لانغر وغيرها من اليهود الذين رفضوا الخطاب الصهيوني وقاوموه بالفكر والعمل ودافعوا عن الضحايا الجدد ما بعد الحرب العالمية الثانية، بأهمية وجودهم الى جانب الحق والعدل والمساوة بعيداً عن الإيدولوجيا. لم يكن خيار فيلتسيا لانغر بالهجرة من إسرائيل وليد إلتزامها بالحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي يقف اليوم إلى جانب الطغاة العرب، بقدر ما كان منطلقاً من روحها الإنسانية الشفافة المافوق الشيوعية وما فوق الايدولوجيا المتحجرة.

هذا رثاء لإنسانة بحق ويهودية بحق وأممية بحق فتحت عيوننا منذ الستينيات على رؤية أخرى للصراع، مع عدو عنصري إستعماري لكن عيوننا لم تر المشهد كاملاً.

اقرأ أيضاً: فلسطينيو لبنان والانتخابات اللبنانية

 

إقرأ أيضاً