هنا القصة الثالثة

ماهر الجنيدي

مقالات الكاتب

عن تلفزيون كل السوريين “إلا القتلة”

بغضّ النظر عما قاله مديرها التنفيذي في مقابلة صحفية، من كون “المموّلين هم مستثمرون سوريون وعرب”، انطلقت حديثاً قناة تلفزيونية جديدة، سورية التركيز، ترفع شعاراً ابتدعته القريحة الثورية للسوريين مع بدء ثورتهم، وهو “حرية للأبد”، وإن كان المدير التنفيذي ذاته ابتكر شعاراً خلال مقابلته ذاتها، أبرزته الصحيفة كعنوان صارخ للمقابلة، يقول: “لكل السوريين إلا القتلة”(). إذن، فستكون القناة التلفزيونية الفضائية السورية الجديدة، والتي تسمى “تلفزيون سوريا”، التي تبثّ من تركيا، إضافة أخرى إلى المشهد الإعلامي المرئي السوري المعارض، الذي تقتصر فضائيّاته على قناة تبثّ انطلاقاً من دبي، الإمارات العربية المتحدة؛ بعد أن توقفت أو باءت بالفشل ثلاث تجارب أخرى على الأقل، حملت إحداها اسم «سوريا الشعب»، والأخرى «سورية الغد»، والثالثة «18 آذار».بيد أنّ الشخصية الإشكالية التي اختارها أصحاب القناة لتكون بمثابة الرجل التنفيذي الأول فيها، والوجه الأبرز لها، أثارت حفيظة قطّاع واسع من الرأي العام المهتمّ، يندرج في صنفين أساسيين: أولهما هو جمهور السوريين من أنصار الثورة، والثاني هو جمهور الإعلاميين والمتخصصين السوريين المعارضين.وفيما يبدو واضحاً أن القناة السورية الجديدة تتلقّى تمويلها من مؤسسة/ دولة خليجية، على نقيض ما صرّح به مديرها التنفيذي، ما يعدّ فشلاً مبكّراً في شفافية هذه القناة، فإن إشكالية شخصيته تكمن أساساً في أنه كان ولفترة طويلة وجهاً إعلامياً في إعلام النظام، من تلك الوجوه التي كانت تنفذ مهمات تتجاوز في طبيعتها مجرّد الانحياز في نقل الأخبار الميدانية وصياغة الريبورتاجات الصحافية، والاصطفاف إلى جانب “القتلة” في آرائها ومواقفها، لتصل إلى المساهمة في ترتيب مسرح الأخبار والريبورتاجات على نحو قيل إنّه يفتك في تضليله بأولى أبجديات المدونات المهنيّة والمعايير المسلكية.وكما حدثت جلبة مع انطلاقة الفضائيات السابقة، سواء المتعثرة منها أو غير المتعثّرة، طرحت تساؤلات عن الشخصيات الإعلامية والتنفيذية العاملة فيها، وتناولت كفاءات من يفترض أن يكونوا أبرز نجومها وألمع أسماءها، أو تكلّمت عن ممارساتٍ جائرة مارسها صاحب هذه القناة أو تلك بحقّ صحافيين عاملين لديه جرّاء عدم اتفاقهم معه بآرائه؛ فقد حدثت جلبة أكثر اتساعاً هذه المرة، تناولت بالإضافة إلى الكفاءة والتوجّهات، عمق صدقيّة مديرها التنفيذي الذي وقف بصراحة ضدّ الشعب السوري، وتحديداً حين كان هذا الشعب ينادي في مظاهراته “حريّة للأبد”، شعار القناة الجديدة.وتعالت بهذه المناسبة أصواتٌ تطالب بفضح هؤلاء الذين “يكوّعون” في مواقفهم تبعاً لموارد رزقهم، وينعطفون أو يتقافزون وفق مصالحهم، ويحاولون في الوقت نفسه أن يتصدّروا المشهد الإعلامي الثوري المعارض، بما لا يليق بثورة عظيمة كثورة السوريين، ولا بدماء زكية كدماء الشهداء، ولا بشعار “حرية للأبد” وما يستحقه من نزاهة ومصداقية القائمين عليه؛ ووصلت ردود الفعل الغاضبة إلى حدّ اعتبار تعيين هذا المدير التنفيذي بمثابة فتنة مغرضة تستهدف الإساءة للسوريين.لن أتناول هنا نقاش هذه الجلبة، ولا الاعتراضات، ولا الحيثيات التي ساقها المتحفظون على هذه المنابر الإعلامية، بشقّيهم: جمهور السوريين من أنصار الثورة، وجمهور الإعلاميين والمتخصصين السوريين المعارضين، فهذا كله يندرج تحت إطار حرية التعبير وحرية والاختلاف وحرية تشكيل وجهة النظر، ومن الطبيعي أن يشعر السوريون بالغيرة على الثورة ورموزها.بيد أن المدهش، بل المستغرب حقاً، هو الردود التي تصدر عن إعلاميي هذه المنابر وموظفيها، والتي يذودون بها عن أرباب عملهم بطريقة أكثر هجومية، يسمّيها البعض تشبيحية، تشبه إلى حدّ بعيد- وللغرابة- منطق بشار الجعفري في ردوده على الاتهامات باستخدامات الكيماوي، فيتجنّب النقاش أو الحوار أو تفنيد الآراء، ويبادر إلى هجوم معاكس، يكيل من خلاله اتهاماته لمحاوريه بالتطرف، والرجعية، والتواطؤ مع الإرهاب.
فحين بادر أحدهم إلى تسريح صحافييه تسريحاً تعسفياً، جنّد بعض موظفيه أنفسهم، وبعضهم مذيعون ووجوه إعلامية، للتشبيح على أي صحافي أو إعلامي آخر تعاطف مع المسرّحين. وحين تركت إحداهن العمل في قناتها، وكشفت عن خروقات، تطوّعت صحافية مرموقة (ومحبوبة) أخرى إلى التساؤل عن أخلاقية هذا الكشف، ومغازيه بعد ترك الأولى عملها. وحين انتقد الكثيرون مؤخراً تعيين المدير التنفيذي الإشكالي على رأس القناة الجديدة، صمت المعني، وتبرّع آخرون من موظفي القناة إلى الضرب تحت الحزام في ردودهم، غير عابئين إلا بالذود عن حياض قناتهم، بعيداً عن المهنيّة والتروي.وإذ يبدو في جميع الأحوال أنّ من المبكّر تقييم تجربة هذا المنبر الجديد، وأنّ من الطبيعي أيضاً أن يعضّ البعض على وظيفته الجديدة أو القديمة بالنواجذ، في زمن سوريّ رديء يجعل الحصول على وظيفة ما، ناهيك عن وظيفة لائقة، حلماً دونه الكثير من الجهد والعرق، والكفاءة والمؤهلات، والحظ، فإن من اللائق أن يحافظ الحوار السوري السوري على مستوى عال من المسؤولية، وأن يبتعد عن الانزلاق إلى حضيض المهاترات، والاصطفاف إلى جانب هذا الممول ضد ذاك، أو التخندق إلى جانب ذاك ضدّ هذا، أو الاستقواء ضد السوريين الآخرين بعلاقات ودول مضيفة.بهذا المعنى، يمكن لشعار “السوريون أولاً” أن يكون ذا جدوى!ماهر الجنيدي – إعلامي وباحث سوري

 

إقرأ أيضاً