هنا القصة الثالثة

بيسان الشيخ

مقالات الكاتب

عن انتخابات المرّات الأول… وصوتي الذي لن يصل

إنها المرة الأولى التي يشارك فيها المغتربون اللبنانيون في الانتخابات التشريعية بالاقتراع في سفاراتهم وقنصلياتهم عبر دول العالم, وهو ما أضافته وزارة الخارجية والمغتربين على رصيد انجازاتها المتدهور منذ فترة غير وجيزة.

وبصفتي الجديدة كمغتربة، وصلني قبل بضعة أشهر ايميل من القنصلية اللبنانية في اسطنبول لتسجيل بياناتي ضمن سجلات الاقتراع، وفوجئت بسلاسة الآلية وتقنيتها العالية. ورحت افكر لو انها نفسها تطبق في لبنان، لكانت وفّرت الكثير من الاخطاء والتجاوزات التي تحدث في الأسماء أو الرشاوى أو استصدار بطاقات الاقتراع أو غير ذلك. لم أكن قد حسمت أمري بالمشاركة في الانتخابات بعد، لكني قلت أحفظ حقي فيما لو غيرت رأيي لاحقاً.

فهذه هي المرة الأولى أيضاً التي يُقرّ فيها قانون انتخابات يقوم على النسبية ويفترض أن يتيح المجال لوصول تكتلات وأحزاب وحتى مرشحين أفراداً “مستقلين”، بعيداً عن المحادل الكبرى والأحزاب التقليدية، وذلك بعد جمود وتعطيل وتمديد للمجلس النيابي دام 8 سنوات!

وعليه, شاهدنا فعلاً وجوهاً وشخصيات و”دماً جديداً” من الناشطين المدنيين والمشتغلين بالشأن العام، ما كانت غالبيتها لتحظى بفرصة الترشح اصلاً لولا فسحة الأمل تلك، تماماً كما شاهدنا بخيبة كبيرة ترشح محادل وأحزاب سلطة وأبناء وبنات السياسيين يرسمون مستقبلهم ومستقبلنا في جلابيب الآباء.

وصحيح أن الفترة الفاصلة بين إعلان الترشيحات وانطلاق الحملات الانتخابية ومتابعة الخبراء على الشاشات، كشفت الكثير مما يخيب الظن سواء لجهة القانون المعقد نفسه والذي من المرجح أن يعيد تدوير الطبقة الحاكمة نفسها، أو لوائح المرشحين وخارطة تحالفاتهم وطموح بعضهم بارتقاء صوره أعمدة الكهرباء في بلدته قبل أي شيء آخر، صحيح وصحيح وصحيح…

لكن ذلك كله لم يمنعني من كسر حصاري، واتخاذ قرار التصويت هذه المرة.

بطبيعة الحال، كنت في السابق عازفة عن المشاركة في أي انتخابات. فالمرّة الوحيدة التي شاركت فيها هي أيضا المرّة الأولى التي نلت فيها حق الاقتراع أي بعد بلوغي العمر القانوني وهو 21 عاماً. كانت مشاركتي أقرب إلى الاحتفاء بهذه الصلاحية المستجدة، أكثر منه شعور بالمشاركة السياسية الفعلية أو القدرة على الاختيار. تماماً كالحصول على إذن القيادة قبل امتلاك السيارة نفسها، أو حضور أفلام يسجل عليها 18+ وتشاهدها العائلة كلها يوم عطلة. المهم أنني أمضيت السنوات اللاحقة على المرة الاولى واليتيمة تلك، وأنا أكتفي بتغطية الانتخابات في عملي. طلابية، ونقابية وبلدية وتشريعية… اكتشفت خلالها قرىً ونواحٍ لم أكن لأزورها في لبنان، لولا قلم انتخابي رمي فيها رمياً. حتى أنني شاركت في تغطية الرئاسيات الاميركية في 2004 و2009، وهناك كانت الصدمة!

اطلعت عن كثب على كيفية خوض حملات انتخابية، وتشكيل مجموعات ضغط مطلبية، وكيف للقطاعات المجتمعية من تجمعات مهنية ونساء وشباب وطلاب ومتقاعدين و”قدامى المحاربين” وغيرهم… وزن وثقل وقيمة. وكيف يقوم المرشحون بمخاطبتهم بصفتهم تلك فيصوغون برامجهم آخذين في الاعتبار أمزجتهم قبل أصواتهم. هكذا وجدت مثلاً قضايا كالاجهاض والتجنيد (لحرب العراق آنذاك) والتعليم والضمان الاجتماعي مكانها البديهي في قائمة الأولويات. وصرت كلما أمعنت في متابعة الانتخابات مهنياً، زاد نفوري الشخصي منها وعزوفي عن المشاركة فيها كمواطنة.

حتى بصيص الأمل الساذج ربما بما يسمى “مجتمع مدني”، خاض غمار الانتخابات الحالية في لبنان والذي لم أنتظر منه شخصياً أكثر من تسجيل حضور مختلف وخطاب حقوقي معقول نسبياً، ضاع بدوره مع سقوط الكثير من الاقنعة. وبشيء من الحكمة، كان يجب لتقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير (https://www.hrw.org/ar/news/2018/04/26/317256) ان يكون كفيلاً بدفعي الى التراجع عن قراري ذاك.

لكن لا. على رغم كل شيء، قررتُ التصويت واخترت لائحتي بالفعل.

بمحض الصدفة اكتشفت أن في منطقتي المنسية، لائحة نسائية مستقلة أعلنت ترشيحها. ولكوني لست من المنحازات تلقائياً للمرأة لمجرد إنها بنت جنسي، بحثت في سير المرشحات، وخطابهن، ومساراتهن التعليمية والمهنية وصعقني أن وسائل الاعلام في لبنان لم تلتفت اليهن ولم تحظ واحدة منهن بتغطية إعلامية تليق بشجاعة ما اقدمت عليه في منطقة مهملة وهامشية. وعليه، اتخذت قراري بالخروج عن المقاطعة والتوجه الى القنصلية اللبنانية في اسطنبول، للادلاء بصوتي كناخبة مغتربة للمرة الاولى.

وإذ علمت أن تصويت المغتربين مقسم على أسبوعين بين “بلدان عربية” و”بلدان غربية” لم أعرف أين أضع تركيا. فبحثت في موقع القنصلية ولم أجد شيئاً عن الموضوع. اتصلت فإذا الخبر المؤسف يصلني بأن العدد المسجل لللبنانيين في تركيا لا يستوفي الحد الادنى لفتح قلم اقتراع!

سألت لماذا لم يتم تبليغنا كما جرى حين تبلغنا بإمكانية التسجيل، لكي نتدبر أمرنا في حال رغبنا في السفر الى لبنان، أليس هذا حقنا؟ فإذا بجواب الموظفة يعلمني بأنه كان علي أن أتابع المسألة بنفسي، وأن أتصل مسبقاً للتأكد من امكانية التصويت في قنصليتي. تيقنت سريعاً أن سوء تفاهم كبيراً قد حصل.

سوء تفاهم لا يرتبط فقط بأن وزارة الخارجية اللبنانية أطلقت مشروعاً لم تستكمله حتى النهاية، ولا هو متعلق باتصال مسبق للتأكد من حسن أداء الدوائر الرسمية، ولا بانتخاب لائحة أعلم مسبقاً إنها لن تفوز لا بل قد تصعق مرشحاتها أصلاً بفرز صوت يحمل اسمائهن من صناديق اسطنبول… وهو إذ ذاك سوء تفاهم يتجاوز أيضاً الاطاحة بـ “مرة أولى” لم أختبرها.

لا، إنه من ذلك النوع الذي يجعلني أعتقد أنني أستطيع أن أسأل موظفة رسمية، عن حقي بالمعرفة والتبليغ… وأن أتوقع جواباً.

 

إقرأ أيضاً