fbpx

هنا القصة الثالثة

بشار حيدر - أستاذ فلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت

بشار حيدر - أستاذ فلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت

مقالات الكاتب

عن الموقف الأوروبيّ من الاتّفاق النوويّ مع إيران

CAPX  مترجم عن موقع

قيل الكثير عن قرار الرئيس ترامب الانسحابَ من اتّفاق إيران النوويّ. لكنْ هناك، على أيّ حال، مَلمحٌ غريب لا يُنكَر، وذو مغزى، لردّة الفعل العالميّة عليه، وهو ما لم يسترعِ إلاّ اهتماماً قليلاً نسبيّاً وتأمّلاً أقلّ. والمقصود تلك الاستجابات البالغة الاختلاف بين الاتّحاد الأوروبيّ من جهة، والولايات المتّحدة وإسرائيل والعربيّة السعوديّة من جهة أخرى. ففيما رحّب رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتانياهو والقيادة السعوديّة بقرار ترامب، يحاول الاتّحاد الأوروبيّ بقيادة رئيسة ديبلوماسيّته فيديريكا موغيريني صيانة الاتّفاق مع إيران بأيّة وسيلة ممكنة.

وكائناً ما كان الرأي بهذا الاتّفاق، وبقرار ترامب الانسحاب منه، فالمؤكّد أنّ السؤال يبقى وجيهاً حول السبب الذي جعل الأوروبيّين يعتبرون ذاك القرار كارثيّاً، كما جعل الإسرائيليّين والسعوديّين يهلّلون له بحماسة. فالأوروبيّون وسواهم من المتشوّقين لإنقاذ اتّفاق إيران النوويّ يقولون إنّه أفضل الخيارات المتوفّرة لمنع إيران من امتلاك وتطوير قدرات عسكريّة نوويّة. وهم يخشون أن يتأدّى عن انهيار الاتّفاق اندفاع إيران في مشروع كارثيّ. وهذا الجواب إنّما يبدو ظاهريّاً شديد المنطقيّة. فبالنظر إلى ما هو شائع عن أنّ هدف الاتّفاق منعُ إيران من تطوير أسلحة نوويّة، يغدو من المنطقيّ الاعتقادُ بأنّ انهياره سيضاعف حظوظ احتمال كهذا. لكنْ إذا كانت هذه هي فعلاً مخاوف الأوروبيّين من قرار الانسحاب، فلماذا لا يشاركهم الإسرائيليّون والسعوديّون هذه المخاوف، بل لماذا لا يشعرون بها على نحو أكبر؟ فبعد كلّ حساب، لا شكّ بأنّ البلدين الأخيرين هم المرشّحان لدفع الخسائر الأكبر من جرّاء امتلاك إيران قدرات نوويّة عسكريّة؟ فهما الجاران المباشران والعدوّان الحادّان لإيران، وهما سيكونان أوّل من يرتدّ عليه الأثر السيّء لتلك النتيجة. هناك عدد من التفسيرات الممكنة لهذا الشذوذ.

التفسير الأوّل لتفاوت المواقف المذكور أعلاه حيال الاتّفاق مع إيران أنّ الأوروبيين أكثر تحسّساً من إسرائيل والسعوديّة نفسهما بالحاجات والمصالح الأمنيّة لإسرائيل والسعوديّة وأكثر تكيّفاً منهما مع ضروراتها. وهذا مُستَبعَد جدّاً وإن لم يكن مستحيلاً. فهو يفترض أنّ الإسرائيليّين والسعوديّين يوافقون على تدمير الاتّفاقيّة الوحيدة المتوفّرة التي يمكن أن تمنع إيران من امتلاك قنبلة نوويّة. وتبعاً لهذا التقدير يكون التصرّف الأوروبيّ تصرّفاً أبويّاً بهدف حمايتهم من جنونهم.

إنّ الصورة التي يرسمها تفسير كهذا هي صورة أوروبيّين يحاولون بقوّة أن يمنعوا سعوديّين وإسرائيليّين قليلي التفكير من أن يدمّروا أنفسهم بالقفز من نافذة فتحها لهم ترامب على نحو أحمق.

كذلك قد يكون وراء المعارضة الأوروبيّة القويّة لقرار ترامب الانسحابَ من الاتّفاق، أقلّه جزئيّاً، ذاك الميل الذي يتشارك فيه كثيرون، وهو النظر إلى أعمال وكلمات الرئيس الحاليّ للولايات المتّحدة بوصفها، في الحدّ الأدنى، عديمة الحساسيّة لحاجات السلم والاستقرار العالميّين، ومحكومة بحوافز غير مشرّفة.

والحال أنّ المرء يستطيع أن يتّهم الإسرائيليّين والسعوديّين بالكثير من الأعمال والمواقف التي تستحقّ اللوم عليها. لكنْ يصعب كثيراً اتّهامهم بالجهل أو الخفّة في ما يخصّ الحاجات الأمنيّة لبلديهم أو نظاميهم. وإذا كان لا بدّ من النقد، كان في الوسع اتّهام الإسرائيليّين والسعوديّين بالمبالغة في الاستغراق بهمومهم الأمنيّة على حساب اعتبارات أخرى.

التفسير الآخر هو أنّ الأوروبيّين، وعلى عكس ما يقولونه، ليسوا مهتمّين حقّاً بإمكانيّة حصول إيران على القدرات النوويّة، وأنّهم أشدّ قلقاً حيال عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي ينجم عن انهيار الاتّفاق النوويّ الإيرانيّ، ما دام أنّهم سيكونون الهدف الأوّل لأيّة أزمة لجوء أو نشاط إرهابيّ تتأدّى عن فوضى كهذه.

هذا الخوف من عدم الاستقرار في المنطقة هو تفسير أشدّ مقبوليّة. فوفقاً لهذه النظريّة، ليس ما يحرّك الأوروبيّين فعلاً هو ما يقولون أنّه هدفهم، أي منع إيران من امتلاك قدرات نوويّة. لهذا فهم ليسوا في الموقع الذي يبدّد مخاوف الإسرائيليّين أو السعوديّين أو الولايات المتّحدة من إيران نوويّة في المستقبل.

مع هذا، ليس واضحاً ما الذي يجعل الأوروبيّين يعتقدون أنّ الاتّفاق مع إيران سيساهم في استقرار المنطقة. فالاتّفاق نفسه لا يتعامل مع الصراعات الإقليميّة، كما لا يبذل أيّ جهد في العثور على طريقة لتطبيع أو تنظيم العلاقة بين إيران والبلدان المتنافسة الأخرى في المنطقة. وبالفعل فالإسرائيليّون والسعوديّون يرون أنّ الاتّفاق وما يصاجبه من رفع للعقوبات إنّما يعزّزان الطموحات الإقليميّة لإيران، وهما تصرّفا بموجب ذلك حين أعطيا الأولويّة لمواجهة إيران وحلفائها. وهذا ما أفضى إلى حروب أكثر، وليس أقلّ، إمّا مباشرة أو بالواسطة، بين إيران وأعدائها.

إنّ ما هو مطلوب لاستقرار الشرق الأوسط، في حدود ما يتعلّق بإيران، هو اتّفاق (أو اتّفاقات) بين إيران وأعدائها الإقليميّين. وبالتأكيد ينبغي في اتّفاق كهذا أن يكون مَرعيّاً من القوى الدَوليّة. لكنّ الاتّفاق النوويّ الحاليّ بين إيران وتلك القوى الدَوليّة، والذي يستبعد باقي اللاعبين الإقليميّين، لا يتأدّى عنه أيّ إطلاق للاستقرار المرغوب.

هناك بالتأكيد تفسيرات أخرى محتملة، أقلّ مدعاة للسرور، للحماسة الأوروبيّة للاتّفاق الإيرانيّ، والأبرز بينها هو المنافع الاقتصاديّة التي تعود على بلدانهم، ومن ضمنها شركاتهم، من جرّاء رفع العقوبات عن إيران. لكنْ بغضّ النظر عمّا تلعبه أو لا تلعبه اعتبارات كهذه في الموقف الأوروبيّ الراهن من الاتّفاق، فإنّها كانت وتبقى عديمة القيمة بالقياس إلى علّة وجود الاتّفاق نفسه.

كذلك قد يكون وراء المعارضة الأوروبيّة القويّة لقرار ترامب الانسحابَ من الاتّفاق، أقلّه جزئيّاً، ذاك الميل الذي يتشارك فيه كثيرون، وهو النظر إلى أعمال وكلمات الرئيس الحاليّ للولايات المتّحدة بوصفها، في الحدّ الأدنى، عديمة الحساسيّة لحاجات السلم والاستقرار العالميّين، ومحكومة بحوافز غير مشرّفة. لكنْ بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الرأي بترامب صائباً أم لا، فإنّنا نرتكب حماقة تغليب الحساب الشخصيّ حين نفترض أنّ كلّ ما يفعله ترامب لا بدّ أن يكون خاطئاً.

لقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً