هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Economist

مقالات الكاتب

عندما لا يعني الموت نهاية المطاف

 

نشهد تناقضاً متنامياً في الطريقة التي تُحدِد بها دول كثيرة معنى الموت

 

أُعلِن عن وفاة شالوم أوانونو في سبتمبر/ أيلول. وكان هذا الكندي البالغ من العمر 25 عاماً يعاني من نوبة ربو شديدةٍ لدرجة اضطرت أسرته إلى نقله إلى مستشفى في أونتاريو حيث وُضِع له جهاز التنفس الاصطناعي. وبعد إجراء الفحوصات، توصل الأطباء إلى نتيجةٍ تفيد بأن دماغه افتقر إلى بعض الوظائف، مثل الوعي وردود الفعل التنفسية، فأصدروا شهادة وفاة، استعداداً لنزع المعدات الطبية.

لكن اعترضت أسرة السيد أوانونو وقالت إنهم وابنهم أيضاً، باعتبارهم يهوداً أرثوذكساً، يعتقدون أن الحياة تنتهي فقط عندما يتوقف التنفس ونبض القلب. واستطاعوا الحصول على أمرٍ من المحكمة يفرض إبقاءه متصلاً بآليات التنفس الاصطناعية؛ وفي شهر مارس/آذار، بعد خمسة أشهر من ذلك، توقف قلبه عن العمل من تلقاء نفسه. يقول ماكس أوانونو، والد شالوم “بالنسبة إلينا، من غير المعقول  أن نقول إن شالوم لم يكن على قيد الحياة طوال تلك الفترة”.

كان من الممكن أن يُعلن عن وفاة أوانونو بالطريقة ذاتها في جميع البلدان الغنية تقريباً، حيث يتم التعامل مع حالات فقدان جميع وظائف الدماغ التي لا يمكن تداركها على أنها حالة موت. وتطالب مختلف الولايات الأميركية في العادة بتقديم الدليل على أن الدماغ قد توقف بأكمله عن العمل، من قبيل عدم تدفق الدم داخل الجمجمة، لكن من دون أن يكون لها بروتوكولاً وطنياً يحدد المسألة. في بريطانيا يتطلب فقط موت جِذع الدماغ، الذي يمتد بين النخاع الشوكي إلى بقية الدماغ، وينظم ردود الفعل اللا شرطية، والوظائف مثل التنفس. (يقول المدافعون عن استخدام موت جِذع الدماغ، إنه مؤشرٌ على موت الدماغ بالكامل، وإن اختلف معهم آخرون).

عملياً، نادراً ما تثار مسألة متى يمكن الإعلان عن وفاة شخصٍ ما، لأنه عادة ما يتوقف نشاط القلب والرئتين في الوقت ذاته تقريباً مع توقف نشاط الدماغ. ويعتبر فقدان نبض القلب وتوقف التنفس عموماً بمثابة علامة بيولوجية للموت الدماغي، وليس بديلاً عنها، لكن تحديد متى وقعت الوفاة قد يكون مهماً لجملة أسباب أخرى، منها: متى يمكن اعتبار المرء أرملاً؟ متى على الشركة دفع التأمين على الحياة؟ بل وحتى متى يجب أن يؤدي رئيسٌ جديدٌ اليمين الدستورية؟ وكما تقول لايني روس، طبيبة وأخصائية في أخلاقيات الطب الحيوي في جامعة شيكاغو: “لا يمكن أن نعتبر أحداً ميتاً من طرف بعض الأشخاص وعلى قيد الحياة من قبل آخرين”.

تطرح حالات مثل قضية السيد أوانونو تحدياً للإجماع الحاصل حول معنى أن يكون المرء ميتاً. ستقرر محكمةٌ في أونتاريو ما إذا كان سيتم إلغاء شهادة الوفاة الأصلية وإصدار شهادة أخرى توضح أنه توفي هذا العام. يقول ريهيتو كيمورا، المحامي الياباني وأخصائي أخلاقيات الطب الحيوي: “الموت هو حكم قيمي يستند إلى اعتبارات ثقافية وفلسفية ودينية واجتماعية أخرى”. وهذا ما يجعله موضوعاً عرضة للتغيير.

لطالما اعتبر الناس أن معنى الموت وتحديد حالته أمراً جد بسيطٍ، وكان توقف نبض قلب الإنسان وتنفسه يشكلان العلامة المعيارية لتحديد حالة الوفاة، لكن هذا المنظور قد تغير في خمسينات وستينات القرن الماضي، في ظل التقدم في الطب الحديث، إذ استطاعت آنداك الآلات، للمرة الأولى، مواصلة ضخ الدم عبر شرايين وأوردة الشخص، وتهوية رئتيه، بعد وقت طويل من فقدان القدرة على القيام بذلك بأنفسهم، مما أطال عملية الموت، ومن ثم لم يكن من الضروري أن تتوقف جميع الأجهزة عن العمل في الوقت ذاته.

عام 1968، أوصت لجنةٌ في كلية الطب بجامعة هارفارد بأن يكون موت الدماغ هو التعريف المعياري، ووضعت معايير لتقييمه. وعام 1981، استندت أميركا إلى هذا التقرير لسن قانون موحد لتحديد الوفاة، الذي يقترح على مختلف الولايات الأميركية استخدام الموت الدماغي كتعريفٍ للوفاة، وأنه يمكن تحديده إما بتوقف نبض القلب أو التنفس، أو بتلفٍ دائمٍ في الدماغ بأكمله. وحذتْ معظم الدول الغربية حذوها.

أولوية العقل على المادة

هناك ثلاثة أسباب وراء تركيز صانعي السياسة ومعظم الأطباء، على الدماغ. أولاً، اعتبار أن الفلسفة الغربية تفرق بين العقل والجسد. فبينما يُنظر إلى القلب في الثقافات الأخرى على أنه العضو المركزي، فإن المجتمعات الغربية تؤكد أهمية العقل، الممَثل عضوياً بالدماغ. يجادل علماء الأخلاقيات البيولوجية بأن استخدام الموت الدماغي باعتباره التعريف القياسي، يقدّر قيمة ما هو فريد لدى البشر.

الاعتبار الثاني هو تكلفة الحفاظ على شخص حياً بواسطة آليات دعم الحياة. لا ترغب مصالح الخدمات الصحية الممتدة إنفاق الأموال على ما يعتبره البعض أنه مجرد “تهوية جثامين”. وقد اعترف المستشفى الذي عالج السيد أوانونو بأنه أنفق 500 ألف دولار كندي (400 ألف دولار أميركي) على علاجه خلال فترة استصدار الأمر القضائي.

السبب الأخير هو تسهيل عملية زرع الأعضاء. في بريطانيا، توفي 1332 شخصاً عام 2016 بسبب عدم وجود متبرع بالأعضاء؛ وفي أميركا، العدد يتجاوز 7000 (تقيس البلدان الرقم بطرق مختلفة). يمكن استخدام المزيد من الأعضاء من متبرعٍ ميتٍ وفقاً لمعيار الموت الدماغي أكثر من معيار توقف عمل القلب- الجهاز التنفسي.

من المعترف به صراحةً في بعض البلدان، أن النقص في الأعضاء يشكل أحد الاعتبارات في استخدام تعريف الموت الدماغي. ومثل هذا الموقف يثير المخاوف من تحديد وفاة الناس دماغياً، إذ يمكن استخدام الكلى، أو الكبد، أو القلب في عملية زرع لشخص آخر. وهو ما يفسر أيضاً سبب استمرار اليابان في الاعتماد على الموت القلبي التنفسي، كما يقول كيمورا. في حالة مشهورة عام 1968، أجرى طبيبٌ في سابورو، في أقصى شمال جزيرة هوكايدو، إحدى أولى عمليات نقل القلب في العالم، وتم الإشادة بها،  إلى أن طرح البعض تساؤلات عما إذا كان المتبرع قد أعلِن عن وفاته قبل الأوان.

وفي مواجهة النقص الحاد في الأعضاء، حاولت اليابان عام 1997 إيجاد حل وسط من خلال إصدار قانونٍ يسمح للأشخاص الذين يرغبون بالتبرع بأعضائهم، الإعلان عن وفاتهم بمجرد توقف وظائف أدمغتهم. كما ينص قانون زرع الأعضاء في الهند لعام 1994 على أنه يمكن تحديد الوفاة، بمقياس موت جذع الدماغ، غير أن هذا التعريف تسبب في ارتباكٍ حول كيفية تحديد وفاة غير المانحين، كما يشير سونيل شروف من مؤسسة “موهان”، وهي منظمة غير حكومية تعمل على تشجيع التبرع بالأعضاء. وتشير قوانين أخرى ذات صلة بالموت، إلى الوفاة باعتبارها نهاية كل دليل على الحياة، وليس من الواضح ما إذا كان ذلك يعني جذع الدماغ أو شيء أوسع.

يقول الدكتور روس إن “المشكلة في استخدام الموت الكامل للدماغ لتعريف الوفاة هو أنه بات واضحاً بشكل متزايد، أن العديد من الأشخاص الذين أعلنوا أمواتاً، على هذا الأساس، لم يظهروا علامات على التوقف الدائم لوظائف مختلف جوانب الدماغ. قد تستمر غدة المهاد في إفراز الهرمونات، على سبيل المثال. يشكل ذلك إحدى الحجج التي قُدمت في قضية جاهي ماكماث، وهي مراهقة أميركية تفيض حيوية، إلى أن أُجريت لها عملية جراحية بسيطة لم يُكتب لها النجاح. وتشكك عائلتها في تقييم المستشفى، الذي أُجري عام 2013، إذ اعتبرتها ميتة دماغياً، وأشارت الأسرة إلى أنها كانت حائض، ما يدل على أنها كانت لا تزال تخضع لتحكم عصبي.

ويدعم منتقدو الوضع الراهن مبدأ استخدام معيار الموت الدماغي، لكنهم قلقون في شأن كيفية تطبيقه، ويشيرون إلى أن هذا التعريف يترك للأطباء حيزاً واسعاً للتأويل، في حين، يرد المدافعون عن استخدام معايير الموت الدماغي إلى أن هذه المشكلات يمكن حلها في العادة، ويمكن الدول أن تحدد بوضوح الموت في القانون، بما يتماشى مع قدرة الطب على تشخيصه، وبالتالي فإن هناك مجالاً أقل للتوظيف والتفسيرات المريبة أو خشية ترك الأمور مفتوحة للأحكام الشخصية للأطباء.

غير أن التحديات الأساسية التي تواجه هذا التعريف تدور حول ما إذا كان يجب اعتبار الدماغ العنصر الرئيسي للموت، وفي كثير من الأحيان يعتمد ذلك على الاعتقاد الديني. وعكس ما كان معمولاً به في الماضي عند اليهود، عندما كان الحاخام هو من يعلن الوفاة، مستخدماً ريشة أو مرآة للكشف عن آخر نفس يخرج من جسم المتوفى، يتقبل معظم اليهود اليوم الموت الدماغي، لكن الطوائف الأرثوذكسية تعتبر الأمر خطأ، ويشاركهم في ذلك بعض المسلمين بمعتقدات مماثلة. وثمة حالة أخرى في كندا تقوم جزئياً على المعتقدات المسيحية لتاكيشا ماكيتي، التي أعلِنت وفاتها العام الماضي بعد جرعة زائدة من المخدرات. وتقول عائلتها إنها تعتقد أن روحها لا تزال موجودة ما دام قلبها ينبض وما دمت تتنفس، حتى ولو كان ذلك من خلال المعدات الطبية فقط.

يقول هيو شير، محامي أسرتي كل من السيد أوانوانو والسيدة ماكيتي، إن تعريف كندا القانوني للموت ينتهك ضمانها الدستوري لحرية المعتقد. (يقول معارضوه، إن الأشخاص الأحياء فقط هم من يملكون ذلك الحق). وقد لقيت الفكرة بعض الدعم. تحظر ولاية نيو جرسي الأميركية على الطبيب الإعلان عن وفاة شخصٍ بسبب تلف في الدماغ غير قابلٍ للشفاء، إذا كان لدى الطبيب سبب يدعو للاعتقاد بأنه سيخالف قناعات المريض الدينية. عام 2008، أدخلت إسرائيل معيار الموت الدماغي، لكنها لا تزال تتيح قدراً من مرونة الاختيار للمرضى، بين هذا التعريف واستخدام مقياس توقف نبض القلب والتنفس.

الرغبات الأخيرة

ما تزال بلدان نامية كثيرة تستخدم تعريف توقف نبض القلب والتنفس. عادة ما تدفع الأديان الأفريقية التقليدية الناس نحو الرغبة في إطالة الحياة بأي ثمن، يقول رابي إيليمونا إيكور، وهو طبيبٌ بجامعة إيبادان في نيجيريا. ويعتقد كثر من الأفارقة أنهم سيصبحون أسلافاً في عالم الأرواح فقط في حالة عدم تقصير مدة حياتهم.

ومع ذلك، فإن الاعتراضات على الموت الدماغي ليست ذات بعد ديني فقط. وتفضل بعض المناطق في العالم تعريف الموت بتوقف نبض القلب والتنفس، لأنهم ببساطة يفتقرون إلى المعدات الطبية لإبقاء الشخص الذي يتوفى دماغياً يتنفس، مثلما تقول الطبيبة الكينية دافني نغونجيري.

تبدي اليابان تردداً في نظرها إلى الموتى دماغياً كأشخاص غادروا دنيانا جزئياً، بسبب ما يتبنونه من فكرة مختلفة حول ما الذي يجعل شخصاً ما إنساناً. وتولي اليابان الجسم كله مكانة بارزة، وليس العقل فحسب، كما هو الحال في الغرب. “إذا شرحنا للأسر عندنا مفهوم الموت في البلدان الغربية، يصعب عليهم قبوله” تقول ميسا غانزي من شبكة زرع الأعضاء في اليابان.

تظهر معظم استطلاعات الرأي أن الناس لا يفهمون معنى الموت الدماغي، ولكن عندما يفهمونه،  تشير النتائج إلى أنه حتى في اليابان تؤيد الأغلبية فكرة استخدامه كمعيار، في حين تقول كلير وايت كرافيت، وهي عالمة نفسية في جامعة كاليفورنيا ستايت، نورثريدج، في لوس أنجلوس، أنه حتى لو قبلها الناس على المستوى المعنوي أو الفكري، لكنهم يعربون عن مشاعر مختلفة عندما يتعلق الأمر بشخصٍ حقيقي.

من الصعب على الناس أن يتقبلوا أن أحدهم قد توفي عندما ينظرون إلى أحد أقاربهم الذي ما زال دافئاً متورد الخدين. يقول السيد أوانيونو على سبيل المثال، إن ابنه بدا “وكأنه نائمٌ”. وتعتقد وايت-كرافيت أيضاً أن معظم الاستطلاعات تسأل عن العقل والجسم فقط، وبالتالي لا تأخذ في الاعتبار مكوناً ثالثاً، تمكن تسميته قوة الحياة أو جوهر الإنسان، الذي يعتقد بوجوده كثيرون من الناس، أياً كان البلد الذي ينحدرون منه، ولا يرتبط بالضرورة بالدماغ، ومثل هذه الاعتراضات لا تؤخذ في الاعتبار، باستثناء ولاية نيويورك، التي تنصح لأطباء بإظهار “تفهم معقول” ليس فقط للاحتجاجات ذات البعد الديني ضد معيار الموت الدماغي، ولكن مراعاة الاحتجاجات الأخلاقية أيضاً.

وتتمحور التحديات التي تواجه الوضع الراهن في موضوع موحد: حرمان الناس من قول كلمتهم في شأن موضوع أساسي مثل زوال الإنسان من دنيا البشر. تتعارض التعريفات الشاملة من أي نوعٍ كانت مع التوجه العالمي نحو المزيد من الاحترام لحق الناس في تحديد نهايتهم، وفق ما يقوله روب جونكيير من الاتحاد العالمي لجمعيات الحق في الحياة، وهي شبكة تغطي 26 دولة. قليلون من الناس يعترضون، على الفكرة القائلة بأنه لكي يعمل المجتمع بشكل جيد، فلا بد من تعريف الموت بوضوح. لكن هناك دعوات متزايدة موجهة للبلدان لكي تسمح للناس بحقهم في التخلي عن تعريفهم الوطني- بشكلٍ محدود- من خلال الإفصاح عن رغباته الأخيرة.

بالنسبة إلى الدكتور روس، وروبرت فيتش، الأستاذ بجامعة جورج تاون، إن هذه الخيارات يجب أن تشمل ليس الموت بتوقف نبض القلب والتنفس فقط، بل أيضاً اعتماد تعريف أكثر ليبرالية للموت الدماغي على أساس فقدان الوعي بشكل لا رجعة فيه. إذا افترضنا أنه من الممكن طبياً تحديد ذلك، فإنهم يؤكدون أن هذا الذي يجعلنا بشراً وهو ما تحاول تعريفات الموت الدماغي الحالية قياسه بصعوبةٍ.

إن تمكين الناس من ممارسة سلطتهم التقديرية في تعريف الموت ستكون له تداعيات عملية. لكن لا شيء يبدو مستعصياً على الحل. وبإمكان أقساط التأمين، على سبيل المثال، أن تأخذ في الحسبان الرسوم الطبية لتغطية تكاليف المعدات والأدوية بالنسبة إلى شخص يفضل الوفاة بمقياس وقف نبض القلب والتنفس. وقد أثارت الأمثلة المحدودة المذكورة في اليابان وإسرائيل وأجزاء من أميركا بعض المشكلات. وعادة ما تفلح المجتمعات في الاهتداء إلى سبلٍ للتعامل مع أمور صعبة مشابهة، حتى عندما يكون الرهان أقل حيويةً.

 

 

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Economist لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

 

 

 

إقرأ أيضاً