fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

عشرون عاماً من الفياغرا

أثناء تطوير علاج للذبحة الصدريّة في شركة Pfizer، عام 1989، لاحظ فريق الأطباء الذي كان يَختبر مركب Sildenafil، أن له أثراً جانبياً مميزاً، إذ كانت أعضاء الرجال المشاركين في التجربة الدوائيّة، تنتصب تلقائياً، من دون أي تحفيز جنسي صريح، حينها، وبسبب هذه المصادفة الطبيّة، بدأ عهد جديد من تاريخ الذكورة.

وبعد عشر سنوات من الاختبارات الطبيّة، صادقت الإدارة الأميركية للغذاء والأدوية عام 1998 على الفياغرا، كدواء لاختلال الانتصاب، لتصبح الحبة الزرقاء، رَمزاً للرجل “الفحل”، ذاك الذي لا يَكلّ ولا يَملّ.

استهدفت الفياغرا، أشد مخاوف الرجل حميميّة وسريّة، وهي فاعليّة ذَكره ووظيفته “الطبيعيّة”، إذ حررته من سطوة زمن الانتصاب الموقت، وقلق مُداراته، وتمرينات الحفاظ عليه، إذ جعلته يستدعيه في الوقت الذي يريد، حبة صغيرة عبر الفم، تكفي لليل طويل من النشاط الجنسي. تحول القضيب البورنوغرافي إلى حقيقة، فالفياغرا كانت عتبة الذكور، نحو عوالم الفانتازم الإباحي، ليغدو كل رجل بانتصابه الاصطناعيّ، قادراً على اقتحام قبيلة من نساء.

هذا العام، تصادف الذكرى العشرين لاختراع الحبة الزرقاء، واللغة الاحتفائيّة- الذكوريّة السابقة، تسخر من سياسات بناء الذكورة ثقافياً، والتي شكلت الفياغرا نقلة نوعيّة فيها، فالخطاب الثقافيّ المرتبط بها، ذو وجهين، الأول، غني بالصفات التي سبق ذِكرها، ويحتفل بالفياغرا، كوسيلة لتحسين الأداء، وإطالة الجماع، بوصفها حلوى المتعة اللامتناهيّة، وستغير حياة الرجل للأبد.

خلف هذا الكرنفال الساخر، هناك وجه ثان، فالفياغرا نهايةً، دواء لعلاج ضعف الانتصاب، واختلاله، وهذا ما تبنته الشركة المنتجة في بدايات الألفيّة الثانيّة، إذ لا يروّج لها رسمياً بوصفها “ترياقاً للمتعة”، أو “منشطاً جنسياً”، بل كعقار علاجيّ، لكن بسبب ماكينة الرأسمال الطبيّ، تحولت إلى منتج تجاريّ، وأخذ خطاب العنانة الطبيّ، شكلاً استهلاكياً، إذ لا توجّه الإعلانات للرجال فقط، بل للنساء أيضاً، كي ينصحن رجالهم بها، كما في عام 2014، حيث استهدف اعلان الفياغرا النساء للمرة الأولى في تاريخ الشركة المنتجة.

الحقيقة الطبيّة والأوهام الفائقة

بسبب البورنوغرافيا، وثنائيّة مرض- دواء التي قدمتها ظاهرة الفياغرا، تحول ضعف الانتصاب، إلى ما يشبه الوهم المرضيّ لدى الكثيرين، إذ لا انتصاب طبيعي بعد الآن، و “الممتع”، هو ذاك الذي نراه على الشاشة، يدوم لساعات من دون لين، فالمرجعيّة عن “الانتصاب” الصحيّ، لم تعد واضحة. إثر ذلك، نجد نفسنا أمام نموذجين من المستهلكين، الرجل المصاب حقاً بمتلازمة طبيّة تعيق انتصابه، ويرى في الفياغرا ترياقاً، وآخر يرى فيها عتبة نحو الفحولة، ومن دونها، قد يتحول لنكتة أو أضحوكة، إن لم ينتصب، وفشل بتأدية دوره كذكر، محكوم عليه بأن يمارس فحولته.

لكن لا يُنفى، أن حبة الفياغرا فتحت الباب أمام الرجل، ليتصارح مع جسده، وأن يخرج للعلن، ويقضي على الأوهام المتعلقة بوظيفته الذكوريّة، مع ذلك، ما زالت الثقافة الشعبيّة، والرسميّة أحياناً، ترى في الفياغرا “عيباً” و “انتقاصاً”، سواء كان استخدامها لسبب طبي أو لا، كون الرجل ضمن المتخيّل الذكوريّ، قادراً دوماً على الانتصاب، و هذا ما نقرأه في تعليق جان دوتورد الروائي الفرنسي، وعضو الأكاديمية الفرنسيّة، الذي قال حينما دخلت الفياغرا إلى فرنسا لأول مرّة: “في قديم الزمان، كانت سمعة الرجل الفرنسي، تؤكد أنه ليس في حاجة إلى هذه الأشياء، كنا دوماً جاهزين حينما تستدعي الضرورة، وفي أي لحظة ممكنة، إن وصول هذه الحبة، يشكل ضربة قوية لفرنسا”، فالفياغرا تراهن على العجرفة الذكورية، إذ تسائلها وتفكك الأوهام المحيطة بها، في الوقت ذاتها، هي تغذيها، كونها تقدم بديلاً فائقاً، لا يشابه “الصحي”.

القضيب المثالي

ساهمت الفياغرا في التكوين الثقافي لأجيال الألفيّة، ففي كل مكان، من البريد الالكتروني إلى الإعلانات الطرقيّة، يتعرض الفرد لرسائل تحثّ الذكر على تحسين أدائه، فالجسد الذكوري المنتصب، هو الأمثل والأكثر إمتاعاً للأنثى. هو جسد فائق الواقعيّة، واستهلاكيّ بحت، وكأي نموذج إعلانيّ، هو يدفع بالواقعي، لمماثلة ذلك الاصطناعي simulacre، الذي لا مرجعية له سوى الشاشة، ما جعل متلازمة ضعف الانتصاب، تتحول إلى قلق من سوء الأداء، ومحرضاً على الاستهلاك، وزيادة ضغط الدم في القضيب، ليشابه تلك الصور الاصطناعيّة، التي تستهدف الجسد، بوصفه آلة غير متجانسة، وكل عضو فيها آلة أيضاً، وإن “فشل” وظيفيّاً، فلا بد من تحسينه، وتطويره.

هذه المقاربة الرأسمالية للأجساد، حولت القضيب الذكري إلى مساحة لمراكمة الربح، وجعلت “الرغبة” موضوعاً اقتصادياً، إثر انزياحها نحو النسق المروج له دعائياً، بوصفه الأكثر فاعليّة، وخصوصاً أن الفياغرا، تعتبر من الأدوية القليلة، التي تستهدف إعلاناتها المستهلك مباشرة، وتحتاج في الوقت ذاته إلى وصفة طبيّة، فرأس المال، يروّج للداء والدواء في الوقت ذاته، للـ”فشل” ولأقصى الفاعلية، فالفياغرا هي المثال الأمثل على التأثير الجسدي للاستهلاك، إذ يتحول الشخص إثرها، لموضوعة “طبية”، في حاجة إلى العلاج، كي يمتد فانتازم الجماع ساعات.

رسخّت الفياغرا مفهوم الأنوثة الثقافيّة، وأنّ كل ما لا ينتصب، مؤنث. وهذا ما نراه واضحاً في الصناعة البورنوغرافية، فالرجل، هو ذاك الذي يشتدّ قضيبه، والقادر على “تأنيث” أي جسد يقترب منه. نرى في الكثير من الإنتاجات الموجهة إلى الرجال، أن لَيّن القضيب أو ضعيف الانتصاب، هو ذاك الذي سيؤنث، إذ نراه إما مراقباً للعملية الجنسيّة المثاليّة، أو عرضة هو نفسه لها..

إقرأ أيضاً