fbpx

هنا القصة الثالثة

عبد الرشيد الفقيه - باحث حقوقي يمني

مقالات الكاتب

طرقات وحواجز ومعابر: كيف قطّعت الحرب أوصال اليمن

منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، انقلبت حياة اليمنيين رأساً على عقب؛ نيران الحرب وصلت إلى مختلف تفاصيل حياتهم، وخلّفت عشرات آلاف الضحايا المباشرين وغير المباشرين. ولعل إحدى أبرز الويلات غير المرئية للحرب، تتمثل في تلك المشقة البالغة التي فرضتها على حرية التنقل. وبدلاً من الطرقات والمنافذ الطبيعية التي ألفها السكان قبل هذه الحرب، صار عليهم أن يسلكوا طرقاً بديلة مكتظة بالحواجز الأمنية والعسكرية.

قطعت أطراف الحرب أوصال البلاد، ووجد اليمنيون أنفسهم عالقين بين كانتونات مصطنعة ومتعسفة، ينطوي التنقل بينها على إجراءات ومخاطر تهدد حياتهم وتعطل مصالحهم المتشابكة وتفاقم معاناتهم.

في 9 أغسطس/ آب 2016، أعلن التحالف العربي الذي تقوده السعودية إغلاق مطار صنعاء الدولي- المطار الأكبر في البلاد. وبعد يومين على الهجوم الصاروخي الذي أطلقته جماعة أنصار الله (الحوثيون) واعترضته السعودية بالقرب من مطار الملك خالد الدولي في الرياض، مساء السبت 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قرر التحالف في 6 تشرين الثاني، “إغلاق المنافذ اليمنية الجوية والبحرية والبرية كافة بشكلٍ موقت”. شمل هذا الإجراء مطاري عدن وسيئون، اللذين كانا مفتوحين أمام الرحلات التجارية، وبعد ضغوط واسعة، أعاد التحالف فتحهما.

قبل هذه الحرب، كان في اليمن ستة مطارات رئيسية موزعة على أنحاء البلاد لخدمة حركة النقل الجوي من وإلى اليمن، عبر شركات نقل متعددة. أما الآن، فلم يبق أمام اليمنيين سوى مطاري عدن وسيئون، جنوب البلاد، وشركة نقل وحيدة لا تمتلك أكثر من ثلاث طائرات. يتزاحم آلاف اليمنيين على رحلات الطائرات الثلاث، ذهاباً وإياباً، ويضطرون إلى انتظار مواعيدها المتباعدة، على رغم الكُلفة الباهظة.

وإذ عطّلت الحرب طرقاً ومنافذ اعتيادية كثيرة، يسلك المواطنون طرقاً بديلة، طويلة وعرة وغير معبدة في أجزاء واسعة منها. إلى ذلك، تفتقر هذه الطرق للخدمات، وتنطوي على مخاطر متعددة، وعلى امتدادها أُنشئت العشرات من حواجز التفتيش من قبل مختلف الأطراف. ومع إشكالات ارتفاع سعر الوقود بصورة مستمرة وانعدامه أحياناً، تتضاعف تكاليف السفر والنقل الداخلي، لتشكل أعباءً إضافية على السكان.

على سبيل المثال، يحتاج المريض، المضطر إلى تلقي العلاج خارج البلاد بسبب انهيار الخدمة الطبية داخلها، إلى ما يقارب 24 ساعة لكي يصل من صنعاء إلى مدينة سيئون، جنوب شرقي اليمن، من أجل السفر عبر مطار سيئون. يمر هذا الطريق بخطوط تماس بين مناطق سيطرة طرفي الحرب، مثل منطقة قانية بين محافظتي البيضاء ومأرب، التي تشهد اشتباكات متقطعة. كما يستغرق الوصول من صنعاء إلى عدن 10 ساعات على أقل تقدير. وفي كلتا الحالتين، يخضع المسافرون للتفتيش في عشرات النقاط الأمنية والعسكرية، التي تتفحص الجوازات والتذاكر، وتستجوبهم بشأن أسباب السفر ووجهته، وقد يقرر أحد أفراد نقطة ما، وفق مزاجه، منع بعض المسافرين من مواصلة رحلاتهم وإعادتهم من حيث أتوا .

يظل المضطرون إلى التنقل عبر هذه الطرقات والمعابر، رهن أمزجة أفراد بإمكانهم تعسف أي مسافر، وفحص هويته الشخصية؛ لهجته، لقبه، جذره العائلي، لون بشرته، مكان ميلاده، مكان إقامته، مجال عمله، آراءه، ملفات هاتفه، لبسه، وإجراءات أخرى لا يمكن تخيّلها. ولا يوجد لدى مختلف الأطراف في جميع المناطق، أي آلية للتظلم ورفع الشكاوى. فأفراد هذه الحواجز والنقاط، لديهم سلطة مطلقة للحكم على الناس وتنفيذ أحكامهم النهائية.

ترتفع وتيرة التعسفات أو تنخفض بحسب الوضع الأمني والعسكري العام في اليمن، أو الخاص في مناطق بعينها. فكلما كان هناك تصعيد واشتباكات مسلحة، ارتفع مستوى التعسفات وشدة الإجراءات، والعكس.

تعرض عشرات المسافرين للإيقاف عند هذه الحواجز لساعات، بمن فيهم مرضى وكبار سن، أطفال، نساء إضافةً إلى ذوي حاجات خاصة. تعرض عشرات للاعتقال والإخفاء القسري في رداع، مأرب والضالع، ومنهم من لا يزال رهن الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي منذ أشهر. وهناك عشرات من المسافرين طاولتهم اعتداءات وإهانات مختلفة من قبل مسلحي هذه الحواجز والنقاط.

من طرقات الحرب التي يسلكها اليمنيون مجبرين، باعتبارها خطوط نقل طويلة، طريق صنعاء- ذمار- رداع- البيضاء- مأرب- سيئون، وطريق صنعاء- ذمار- دمت- الضالع- لحج- عدن. وإلى ذلك، هناك الطرقات الداخلية في نطاق المحافظة الواحدة، مثل الطريق بين وسط مدينة تعز وضواحيها ومحيطها الريفي، طريق صالة الذي يمر بنقاط تماس واشتباكات، وطريق هيجة العبد، وطريق وادي غراب- الستين. وعلى سبيل المثال، كان بإمكان السكان قبل الحرب الوصول خلال عشر دقائق من الحوبان- الضاحية الشرقية لمدينة تعز، إلى وسط المدينة. لكنهم بعد الحرب أصبحوا في حاجة إلى خمس ساعات وأكثر لبلوغ المكان ذاته عبر الطرق البديلة. هذا فقط، نموذج للكثير من الطرق البديلة التي فرضتها أطراف الحرب على السكان العالقين تحت رحمتها.

أبرز الحواجز والمنافذ التي نكّلت باليمنيين منذ بداية الحرب، نقطة أبو هاشم عند مدخل مدينة رداع، نقطة باب الفلج عند مدخل مدينة مأرب، نقطة الجبلين في الضالع، ونقطة وادي الضباب قرب المدخل الغربي لمدينة تعز. وسابقاً، كانت نقطة الدحّي غرب مدينة تعز، ونقطة عين عند مدخل مدينة صعدة، ضمن النقاط الأمنية والعسكرية ذات الإجراءات شديدة التدقيق والتعسف، وهي نقاط وحواجز اختبرت جميع أطراف الحرب في تعاملها مع عموم اليمنيين وحياتهم ومعاناتهم.

في بعض النقاط والحواجز الأمنية المنتشرة بين الضالع وعدن، يتعرض مسافرون للتعسف بغرض دفع رشاوى مالية مقابل السماح لهم بالمرور. كما تتعرض الفتيات لمضايقات بسبب العادات الاجتماعية وعدم وجود “محرم شرعي” معهن، ويتعرض التجار المستوردون للنهب أثناء نقل بضائعهم بين المناطق والمدن، ومن ذلك تكرار دفع الرسوم الجمركية لدى الأطراف المختلفين. ويترتب على الدفع المزدوج للرسوم الجمركية ومبالغ الجباية، ارتفاع أسعار السلع التجارية، لتصل إلى المستهلك وقد تجاوزت قدرته الشرائية، وتجاوزت سعرها الطبيعي بأضعاف.

وإضافة إلى حرمان المرضى من العلاج الذي يحتاجونه في الخارج نتيجة انهيار الخدمة الطبية، وحرمان الطلاب، والتجار، والمغتربين، والهاربين من نيران الحرب، من حق حرية التنقل، المكفول في مواثيق الأمم المتحدة، وتعريضهم لمخاطر ومعاناة لا ضرورة لها، فقد أعاقت القيود المفروضة من قبل أطراف الحرب، وصول المساعدات الطبية والإغاثية والمواد الأساسية والوقود، إلى ملايين السكان في مناطق كثيرة.

إن هذه النقاط والحواجز الأمنية والعسكرية التي تعتسف عشرات الآلاف من السكان على طول الطرقات والمنافذ، وتعيق وصول المساعدات الإنسانية الإغاثية والطبية والمواد الأساسية إليهم، وتصطنع العراقيل أمام حقهم في التنقل، تكشف جانباً من حقيقة هذه الحرب العبثية. كما تكشف عن مسؤولية أطرافها حيال مفاقمة المأساة الإنسانية في اليمن، وخلق الشروخ وتكريسها وتعميقها من دون مبالاة بآثار ذلك على حاضر عموم اليمنيين ومستقبلهم.

 

إقرأ أيضاً