fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

طرد الديبلوماسيين لن يكبح جماح روسيا

في غضون يوم واحد طُلب من أكثر من 100 ديبلوماسي روسي في شمال أميركا وأوروبا مغادرة البلاد في إطار حملة طرد جماعي، شنتها 23 دولة رداً على الاعتداء على الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا هذا الشهر، في مدينة سالزبوري البريطانية باستخدام غاز الأعصاب. جسّد هذا التحرك الديبلوماسي مشهداً مذهلاً للتضامن الدولي مع المملكة المتحدة التي طردت 23 ديبلوماسياً روسياً الأسبوع الماضي، وهو ما وصفه وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بأنه “أكبر طرد جماعي لضباط المخابرات الروسية على الإطلاق”.
واتخذت إدارة ترامب الإجراءات الأوسع نطاقاً في هذه الساحة، إذ على رغم ترددها بدايةً في تحميل موسكو مسؤولية الحادث، إلا أنها أمهلت 60 ديبلوماسياً روسياً أسبوعاً لمغادرة الولايات المتحدة، وهو ما يُعَدّ أكبر عملية طرد ديبلوماسي في التاريخ. كما أعلنت الإدارة الأميركية إغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وقد عزا البيت الأبيض القرار إلى قرب سياتل من كل من شركة طيران “بوينغ” وقواعد الغواصات الأميركية.
ولا يُعد الطردّ الجماعي المنظم للديبلوماسين الروس أمراً هيناً، إذ أظهر درجة عالية من التضامن الغربي الذي لم نشهده، منذ فرض العقوبات على روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014. ومما لا شك فيه أن هذا ما تراه روسيا أيضاً، إذ وصفت التحرك بأنه “بادرة استفزازية للتضامن مع لندن”. وعلى رغم ذلك، فإن عمليات الطرد تتسم برمزية بالغة. ومن الصعب التنبؤ بمدى تأثير الحدث في روسيا من خلال النظر في التاريخ، إذ قد تؤثر تغيرات الأوضاع في القدرة الاستخبارية الروسية، وقد يمر هذا التغيير بلا جدوى. وقد تعهدت روسيا، التي تُؤكد أن لا علاقة لها بتسمم سالزبوري، بالرد على الأعمال الانتقامية العينية وهو ما تجلى في طردها 23 ديبلوماسياً بريطانياً الأسبوع الماضي. وعلى رغم أن موسكو لم تُعلن بعد عن عمليات الانتقام، إلا أن سفارتها في واشنطن قد بدأت عملية تعهيد جماعي، لاختيار القنصلية الأميركية التي يجب إغلاقها رداً على الإجراء الأميركي (حتى كتابة هذه السطور ما زالت القنصلية الأميركية العامة في سان بطرسبرغ على رأس القائمة).
وينطوي إجراء طرد الديبلوماسيين على مفارقة تاريخية. “كان من المنطقي اللجوء إلى إجراءات الطرد الديبلوماسي عام 1971″، هكذا أكد رومان بوريسوفيتش، وهو مصرفي روسي، تحول إلى ناشط في مكافحة الفساد، مشيراً إلى أنه، “على رغم أن مثل هذه التكتيكات كانت شائعة خلال الحرب الباردة، إلا أن تأثيرها أصبح ضئيلاً اليوم في 2018”. وأوضح أن “روسيا لا تحتاج إلى مثل هذ العلاقات الديبلوماسية كي تمارس أجهزة مخابراتها عملها أو حتى يمارس النشطاء الآخرون لديها دورهم. يوجد الآن فيسبوك وغيره… إن مثل هذه الإجراءات لا تفتقر فقط إلى الجدوى، بل أعتقد أنها ضارة بالفعل”.
يُعد بوريسوفيتش واحداً من الأصوات العديدة التي أخبرت المسؤولين البريطانيين في الأسابيع التي أعقبت هجوم سالزبوري، أن طرد ضباط الاستخبارات الروسية لن يكون كافياً. وأنهم إن أرادوا ردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنهم يحتاجون إلى تتبع الأموال وتحديداً أصول رفاقه في بريطانيا، مثل مالك “نادي تشيلسي” لكرة القدم رومان أبراموفيتش أو أكبر مصنعي الألومنيوم أوليغ ديريباسكا.
إن تاريخهما الطويل في إدخال الأصول المشكوك في مصادرها إلى النظام الضريبي البريطاني عبر ثغرات مختلفة موثق جيداً. ويُعتقد أن إحدى الطرائق التي يستخدمونها لذلك هي ما يُعرف بالتأشيرات الذهبية البريطانية وهو برنامج الاستثمار مقابل الإقامة، إذ يُمنح الأفراد الإقامة الدائمة في غضون خمس سنوات إذا استثمروا مليوني جنيه أو أكثر في سندات أو شركات حكومية في المملكة المتحدة. وفي مقابل 10 ملايين جنيه، يُمكنهم الحصول على إقامة دائمة في عامين فقط.
ووفقاً لتقرير صدر في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015 من قبل “منظمة الشفافية الدولية البريطانية”، وهي منظمة غير حكومية لمكافحة الفساد، مُنحَت 60 بالمئة من التأشيرات الذهبية لمواطني الصين وروسيا.
على رغم تصريح حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بأنها تدرس اتخاذ إجراءات انتقامية تتضمن فرض مزيد من الضوابط الأمنية والعقوبات المحددة ضد شركاء بوتين في المملكة المتحدة، إلا أنه لم تُؤخذ بعد أي من هذه الإجراءات. وقال بوريسوفيتش، “إن ذلك يشجع في الواقع نخبة الكرملين الفاسدة ويجعلهم يشعرون وكأنهم يمتلكون بريطانيا حقاً”، مشيراً إلى أن “رغبة المملكة المتحدة في غض الطرف عن غسيل الأموال جعلت من لندن ملاذاً جذاباً خصوصاً لحكومة بوتين الفاسدة”.
يعرف بوريسوفيتش ذلك عن تجربة، ففي فيلم وثائقي صدر عام 2015 بالتعاون مع القناة الرابعة للإذاعة البريطانية، قام بوريسوفيتش بدور شخص اسمه “بوريس” وهو مسؤول حكومي روسي يسعى إلى شراء عقارات في بعض أحياء لندن باستخدام أموال عامة مسروقة. على رغم أنه تفاخر بأن هذه الأموال المستخدمة لشراء هذه العقارات، والتي تراوحت ما بين 3 ملايين إلى 15 مليون جنيه، هي نتاج عمليات غسيل أموال، قائلاً، “إذا تم اكتشاف ثغرة الميزانية، وارتبط اسمي بهذه الثغرة فستكون كارثة”، إلا أن وكلاء العقارات لم يزعجهم ذلك. وأضاف بوريسوفيتش، “من السهل إخفاء ذلك”، وتابع، “يمكنك المجيء إلى لندن مستخدماً غطاء إحدى الشركات الموجودة في جزر كايمان أو جزر فيرجن البريطانية، ولن يسألك أحد من أين تأتي بهذه الأموال”.
إلا أن هذا الوضع قد لا يستمر لفترة طويلة، فوفق ما ذكر موقع Buzzfeed، فإن بعض المشرعين البريطانيين يدرسون كيفية فرض الحكومة البريطانية عقوبات أكثر صرامة للحد من انتشار الأموال غير المشروعة في البلاد، ومنع روسيا من استخدام الخدمات المالية والقانونية في المملكة المتحدة لإخفاء أصول بالمليارات في الخارج. وقد فرضت كل من الولايات المتحدة وأستراليا قيودهما الخاصة على الاستثمار الأجنبي، مشيرة إلى حاجة الأمن القومي إلى ذلك. وعلى رغم هذا الأمر، هناك أسباب قد تدفع المملكة المتحدة إلى تجنب فرض العقوبات. وقال توم كيتشي، مدير الدراسات المالية والأمنية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI، إن “هناك بالتأكيد أدوات يمكن أن تختار المملكة المتحدة استخدامها، ولكن يجب أن تكون مستعدة للتخلي عن الاستثمار وجعله أقل جاذبية للأموال المشروعة للاستثمار”. وأضاف: “اختارت المملكة المتحدة عدم فعل ذلك على مر التاريخ”.
في حين أن الإجراء الدولي ضد روسيا سيصب في مصلحة المملكة المتحدة في الوقت الحالي، إلا أنه ليس حلاً بعيد المدى. لأنه تمكن إعادة نشر جواسيس جدد، واستبدال طاقم السفارة كذلك. ولكن لإعطاء هذا الانتقام تأثيراً حقيقياً، تحتاج المملكة المتحدة إلى أعمال انتقامية لها تكلفة حقيقية.

*ياسمين سرحان
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Atlantic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً