هنا القصة الثالثة

ياسين طه

مقالات الكاتب

طالباني يشارك في حملات الانتخابات العراقية وبارزاني يغيب عنها

أكثر من ثلاثة ملايين ناخب في كردستان يحق لهم انتخاب 46 نائباً في الإقليم من بين حوإلى 500 مرشح يتنافسون على الفوز بثقة الناخبين الكرد لتمثيلهم في بغداد في 12 مايو/ أيار المقبل، وسط إجماع على تراجع في عدد المقاعد الكردية على مستوى العراق قياساً بآخر انتخابات أجريت في 2014.

الاستحقاق الانتخابي حل على الأكراد وعلى العراق عموماً في وقت حرج، إذ ما زال البلد يعاني من تداعيات حرب مكلفة ضد “داعش” لم تضع أوزارها بشكل نهائي حتى الآن، أما في كردستان فما زال الأكراد يعيشون في هول صدمة تداعيات استفتاء الاستقلال (سبتمبر/ أيلول 2017)، والتي تمثلت بردود وصفت بـ “القاسية” من الحكومة العراقية ودول الجوار، ساندها تغاضي المجتمع الدولي وبخاصة واشنطن التي راهن عليها الأكراد كثيراً لمواجهة مخاطر الصدام.

وبعد مضي 6 أشهر على الدعوة إلى الاستقلال وتوديع حكم العراق، اضطرت الأحزاب الكردية الرئيسية إلى تغيير مسار خطابها السياسي وتوجيه البوصلة إلى دعوات المشاركة بقوة في حكم بغداد وعدم ترك الساحة فارغة في عاصمة العراق. ترافق ذلك مع حملة لتبادل الاتهامات بين الأحزاب المتنافسة المدافعة عن الاستفتاء والمعترضة عليه، أشعلت شرارتها مطالبة رئيس قائمة حركة التغيير والرئيس السابق لبرلمان كردستان يوسف محمد، لمحاكمة “الاستفتائيين”، بسبب ما ترتب عليه من خسارات، فتحت الباب أمام سيل من الردود والتصريحات التي اتسمت بالحدة مدفوعاً بحمى الانتخابات.

وعلى رغم الهوة والاختلاف بين الأطراف الكردية الـبالغة عددها 25 كياناً، إلا أن الحملات الانتخابية اشتركت في ترويج كل قائمة لـ “الفريق القوي” الذي سيمثل الشعب الكردي في البرلمان الاتحادي وكذلك الدعاية لسفارة وعودة قوية إلى بغداد، على عكس شعارات “وداعاً يا عراق” التي كانت تملأ الساحات أثناء إقامة تجمعات دعم الاستفتاء وسط أكراد المهجر وفي الإقليم على حد سواء.

الحملات الانتخابية الكردية تشهد سخونة غير مسبوقة إلكترونياً وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون، لكن على الصعيد الجماهيري تدور مخاوف وهواجس من احتمالات العزوف الجماهيري عن العملية، إذ رجحت استطلاعات مشاركة 58 في المئة فقط من الناخبين الأكراد في الانتخابات، في حين حلت محافظتا أربيل ودهوك في ذيل لائحة استلام بطاقات الناخبين بنسبة لم تتجاوز 50 في المئة. هذا التراجع عزاه مراقبون إلى حال الملل السائد وسط الناخبين الكرد بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراكم المشكلات الناجمة عن سوء الإدارة من قبل الأحزاب الحاكمة خلال السنوات الماضية، وهو ما تحاول أن تتداركه القوى الوليدة والجديدة عبر إطلاق برامج وشعارات انتخابية تتضمن التشديد على إصلاح ما أُفسد خلال العقود الماضية بسبب الفساد والترهل والمحسوبية المغطاة برداء الدفاع عن القومية الكردية.

القوى الكردية المتنافسة تركز حملاتها بشكل مكثف على محافظة السليمانية (18 مقعداً) التي تعد ملتقى للخصوم، إذ تتقابل في هذه المحافظة القوى التقليدية المتمثلة بحزبي بارزاني وطالباني والاسلاميين وكذلك القوى الوليدة التي ظهرت أخيراً، كحراك “الجيل الجديد” وقائمة القيادي برهم صالح الذي انشق عن حزب طالباني. وفي أربيل العاصمة تحاول الأحزاب الكردية مجتمعة الوقوف بوجه نفوذ حزب بارزاني المسيطر على مفاصل الامور فيها، فيما ينعدم التنافس إلى حد ما في محافظة دهوك المحاذية لتركيا والمصنفة كخزانة لأصوات حزب بارزاني منذ تسعينات القرن الماضي.

الاتحاد الوطني الذي يعاني من الانشقاقات ومحاصرة قوائم منافسة لمعقله في السليمانية في ظل غياب زعامة قوية للحزب، لجأ إلى رفع صور زعيمه الراحل جلال طالباني بكثافة وإطلاق اسم “مام جلال” على قائمته الانتخابية في الأوساط الشعبية لتعويض الفراغ الذي يعانيه. في المقابل، يراهن حزب بارزاني على الولاءات الثابتة لحزبه، إضافة إلى شعبية نيجيرفان بارزاني (ابن شقيق مسعود بارزاني)، والذي يرأس حكومة الإقليم، وسط غياب شبه تام لزعيم الحزب الحاكم مسعود بارزاني عن المشهد الانتخابي. هذا الغياب اعتبر استشعاراً للحرج أو تجنباً مقصوداً لاستحقاق عراقي بعد قيادته مساعي خروج الأكراد منه.

ويقاطع حزب بارزاني انتخابات كركوك، المتنازع عليها بين الأكراد والحكومة المركزية والعائدة لسلطة بغداد في أكتوبر/ تشرين الثاني 2017، فيما يشكو حزب طالباني من قبضة العسكر والعقلية الامنية التي تدير المدينة. ويسعى هذا الحزب جاهداً إلى الصمود أمام احتمال خسارة نفوذه بسبب فقدان الأكراد السيطرة على المدينة، فيما تسعى قائمة المعارضة الكردية “الوطن” وحراك الجيل الجديد، الحلول محل الحزبين الرئيسيين المتهمين بالتسبب بخسارة المدينة.

استطلاعات الرأي ومؤشرات التصويت، تشير إلى خسارة حزب بارزاني ما لا يقل عن 5 مقاعد مع الحفاظ على معظم قوته وسط البنية العشائرية في شمال الإقليم، وسط ترجيحات بتراجع حزب طالباني بنسبة 50 في المئة أو أكثر وهو ما أقر به قياديون في الحزب عبر الحديث عن استعدادهم لتبادل السلطة بعد 12 من أيار، فيما قدر رئيس ديوان رئاسة الإقليم حجم الخسارة الكردية بـ10 مقاعد على مستوى العراق، بسبب تداعيات الاستفتاء وفقدان السلطة على المناطق المتنازع عليها، بسبب غياب الاستراتيجية وسوء التقدير في قرار إشراك مدينة كركوك الحساسة والاستراتيجية في لعبة الاستفتاء حتى أكل الربح المفترض أصول الرأسمال الكردي فيها.

إقرأ أيضاً