fbpx

هنا القصة الثالثة

وائل السواح

مقالات الكاتب

صراع ماركس ولينين في قبو معتم بحلب

يعرض وائل السوّاح في هذه المادة تحوّل الحلقات الماركسية إلى تنظيم رابطة العمل الشيوعي عام 1976 ودور الحرب اللبنانية والتدخل السوري فيها في هذه العملية، كما يسترجع الخلاف بين أنصار النظرية الماركسية والنظرية اللينينية في التنظيم الثوري.

متى تعرّفتُ إلى مظفر النوّاب؟ تفلت هذه الذكرى مني دائماً. أيكون بعد الأمسية النارية التي أحياها في مدرّج جامعة دمشق عام 1974، فألهب بها السوريين كما كان يفعل بقصائده وإلقائه المسرحي الفاتن؟ أيكون عبر محمد عنتبلي، الصديق القديم لمظفر؟ أم أن صديقي الشيوعي العراقي العتيق صالح الكردي هو من عرفني إليه؟ لا أجزم. ولكنني أجزم أن علاقتي به توطّدت مع عودتي من حمص في خريف 1975. ولعلّ سبب ذلك أنني في واحد من لقاءاتنا قلت له إنني أحب شتائمه ولكني مولع أكثر بقصائده الوجدانية ومطالع قصائده أكثر؛ أحب “القدس عروس عروبتكم، فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها؟” ولكنّي أحب أكثر

“ألقيت مفاتيحي في دجلة

أيام الوجد وما عاد هنالك

في الغربة مفتاح يفتحني

هاأندا أتكلم من قفلي

من أقفل بالوجد وضاع على أرصفة الشام سيفهمني”.

وافقني مظفر وقتها، بصمت، ومن دون أن يجيب، ولكنه في مناسبة أخرى، قال لي إن كتابة المقاطع الصارخة من قصائده أيسر بكثير من سكب قلبه في قالب على الورق.

عرّفني مظفر إلى عالم من القلق المرعب الجميل، عبره عرفت أميرة وسوسن شيحا (شقيقتي غياث شيحا الذي كان أعدم قبل أشهر لانتمائه إلى المنظمة الشيوعية العربية)، ومن طريقه عرفت سوسن العابد، الصبية السمراء النحيلة التي تحمل في سواد عينيها عالماً من الأسرار لا قاع له، وعرفني مظفر أيضاً إلى فاطمة اللاذقاني التي ستصبح بعد عامين زوجتي لمدّة عامين، وستعرف أكثر باسم فادية. وانضمّ إلينا جميل حتمل ونجوى بشور، ومحمد عنتبلي، فيما سيشبه أخوية سرّية، مغلّفة بصوفية شعرية وحسّية، ستأخذنا إلى بساتين حسّان عزّت في الغوطة، وإلى الفج العتيق الذي عمره مليون سنة في معلولا، ولكنها أخذتنا أيضاً إلى سراديبَ وكهوفٍ في دواخلنا بدأنا نستكشفها شيئاً فشيئاً، وندهش في كلّ مرّة نكتشف فيها سرّاً جدياً أو رغبة نائمة.

ولكن مظفر عرّفني أيضاً إلى الثورة بمعناها الحقيقي. كان يروي لنا تجربته في العراق واعتقاله وتعذيبه ثم هروبه الأسطوري من السجن، فنفغر أفواهنا، في رهبة وإعجاب وتأمل. وعرّفني مظفر إلى تجربة الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية، الذي انشقّ عن التيار الرئيسي (الانتهازي للحزب) وقاد ثورة في أهوار العراق انتهت بمذبحة كبيرة واعتقال قائد الحزب عزيز الحاج وانهياره التاريخي.

في هذه الأثناء، كانت الأمور تتعقد في سوريا. الحلقات الماركسية التي كانت عقدت اجتماعها الثاني في نهاية 1975، بدأت تنشط بشكل منظم. وصبّت اهتمامها على صياغة استراتيجية العمل المشترك، وكلّف أصلان عبد الكريم وهيثم العودات وأحمد جمول ومحمد المعمار بكتابة الجزء الأكبر من هذه الاستراتيجية، التي صدرت في ما بعد في عشرة كراسات صغيرة حملت العناوين التالية:

  1. ملامح الصراع الطبقي على المستوى العالمي.
  2. الأممية والحركة الشيوعية العالمية
  3. العنف الثوري وأشكال الانتقال إلى الاشتراكية.
  4. الثورة العربية والحزب الشيوعي العربي.
  5. الوحدة العربية والقضية القومية.
  6. القضية الفلسطينية.
  7. البورجوازية الصغيرة والسلطة السورية.
  8. الجبهة والتحالفات.
  9. الطبقة العاملة السورية.
  10. الحركة الشيوعية المحلية.

في سوريا، كنا نتابع انتصارات الحركة الوطنية بحماسة منقطعة النظير. واستعرنا من “عمّان” اسم “هانوي العرب” فأطلقناه على بيروت، وتوّجنا كمال جنبلاط زعيماً للثورة العربية، وعلى رغم خلافنا “الطبقي” مع أبو عمّار، الذي كنا نعتبره ممثلاً للبورجوازية الفلسطينية، إلا أننا قبلنا بقيادته الحرب في لبنان. كانت الحرب بالنسبة إلينا تجسيداً للصراع الطبقي بين معسكر الثورة ومعسكر الثورة المضادة، وسافر بعضنا إلى لبنان للمشاركة في القتال، وقتل عدد منهم.  

كانت الاستراتيجية التي عملت عليها الحلقات الماركسية بين الاجتماع الثاني والثالث تتدرّج من العام إلى الخاص، من لوحة الصراع الطبقي العالمية إلى الحركة الشيوعية السورية والحزب الشيوعي المنشود، مروراً بموضوعات الأممية والوحدة العربية والقضية الفلسطينية وحال الطبقة العاملة والسلطة في سوريا.

لم يكن شباب الحلقات الماركسية يفكرون في الإعلان عن أنفسهم كتنظيم، ولكنّ بينهم من أراد أن يشعر الشارع السياسي السوري بوجود حركة جديدة مختلفة آتية، فأصدروا أولاً بياناً بعنوان “الحرية لجميع المعتقلين السياسيين في سوريا”، كان، ربما، أول بيان يتحدث عن جميع المعتقلين السياسيين بغض الطرف عن اتجاهاتهم السياسية أو الأيديولوجية. نتحدث عن معتقلين مثل عقل قربان، اللغز الذي لا نعرف كيف اعتقل وما الذي حصل معه في السجن تماماً فجعله يفقد عقله، إلى جانب نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وزملائهما من رفاق حافظ الأسد القدامى الذين زجّ بهم في السجن بعد انقلابه في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، ومروان حديد، الإسلامي المتشدد وقائد انتفاضة حماة الإخوانية عام 1964، بعيد استلام حزب البعث مقاليد الأمور في سوريا. صاغ البيان هيثم العودات وعباس عباس، وطبعاه في مدرسة ابتدائية، كانت والدة هيثم معلمة فيها، لأن الحلقات لم تكن لديها طابعة وقتئذ. ونُشِر البيان، الذي انتقد الاعتقال السياسي وأدان التعذيب وطالب بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والضمير والمعتقلين السياسيين، وغفلا عن التوقيع، أولاً لأن الحلقات لم تكن أخذت اسما بعد، وثانياً، لأن البيان كان نوعاً من اختبار الأرض للحركة المقبلة. شارك مناضلون سوريون وفلسطينيون في نشر البيان الذي لقي ترجيباً واسعاً في أوساط أسر المعتقلين وطلاب الجامعات ودوائر سياسية معارضة واسعة. وراح السؤال يدور عمّن كان وراء إصدار البيان.

الخطوة الثانية التي قام بها ناشطو الحلقات الماركسية كانت إصدار نشرة غير دورية باسم “أول أيار”، التي جاءت نقلة من الحقل الدعاوي الذي كان جزء من ناشطي الحلقات يريدون البقاء فيه، إلى التحريض السياسي. ولأول مرّة منذ عقود، بدأ السوري العادي يقرأ عبارات مثل الدكتاتورية والثورة والقمع والاضطهاد، بأسلوب بسيط يستطيع الجميع فهمه ومتابعته.

ولم يكن جميع أعضاء الحلقات موافقين على هذه النقلة، فبالنسبة إليهم، الحلقات لم تكن بديلاً سياسياً، إنما قاطرة لخلق حزب شيوعي سوري بديل، “يقود الطبقة العاملة السورية في نضالها السياسي”، وكان رهان الحلقات وقتها هو أن يكون تيار المكتب السياسي الذي يقوده المناضل العتيق رياض الترك نواة هذا الحزب الثوري الجديد. نتج عن توزيع بيان المعتقلين ونشرة أول أيار أن عدداً من رموز الحلقات انسحبوا منها.

وفي الوقت عينه، كانت الأوضاع في لبنان تطوّر بسرعة.  في 13 أبريل/ نيسان 1975، اندلعت الشرارة الأولى للحرب الأهلية في لبنان، حيث وقعت محاولة لاغتيال رئيس الكتائب اللبنانية بيير الجميل، في كنيسة “سيدة الخلاص” بعين الرمانة شرق بيروت. وردّ الكتائبيون بمهاجمة الحافلة الشهيرة التي كانت تقلّ 27 شاباً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كانوا يمرّون من الحي ذاته، فقتلوهم جميعاً في عملية بربرية. حافلة عين الرمّانة كانت شرارة الحرب الأهلية التي استمرت حتى 1990، وربما لغاية اليوم. وقسّمت الحرب اللبنانيين طائفياً بين مسلمين ومسيحيين، وسياسياً بين “تقدميين” و”انعزاليين”. وكان النصر في الأشهر الأولى من نصيب الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

في سوريا، كنا نتابع انتصارات الحركة الوطنية بحماسة منقطعة النظير. واستعرنا من “عمّان” اسم “هانوي العرب” فأطلقناه على بيروت، وتوّجنا كمال جنبلاط زعيماً للثورة العربية، وعلى رغم خلافنا “الطبقي” مع أبو عمّار، الذي كنا نعتبره ممثلاً للبورجوازية الفلسطينية، إلا أننا قبلنا بقيادته الحرب في لبنان. كانت الحرب بالنسبة إلينا تجسيداً للصراع الطبقي بين معسكر الثورة ومعسكر الثورة المضادة، وسافر بعضنا إلى لبنان للمشاركة في القتال، وقتل عدد منهم.  

النظام “الوطني التقدّمي” في دمشق كان أكثر الأطراف قلقاً من انتصارات التقدميين اللبنانيين، فاستغلّ طلب الرئيس اللبناني الذي انتخب لتوّه، سليمان فرنجية، من سوريا بالتدخل. دخلت القوات السورية لبنان واحتلت طرابلس وسهل البقاع متفوقة بسهولة على قوات الحركة الوطنية اللبنانية والميليشيات الفلسطينية، ثم ارتكبت في 12 أغسطس/ آب 1976 إحدى أبشع المجازر ضدّ الفلسطينيين في مخيّم تل الزعتر، وقتل في المجزرة آلاف الفلسطينيين.

ردّ فعلنا في الحلقات الماركسية كان بدء التحريض ضدّ التدخل السوري في لبنان، وقد أصدرنا بيانين مهمين: الأول كان “على الجميع أن يعرف ماذا حصل ويحصل في لبنان” أما الثاني فحمل عنوان “يا حكّام سوريا ارفعوا أيديكم عن لبنان”.

تطور الأحداث اللبنانية وانتصارات الحركة الوطنية أولاً ثمّ قرار حافظ الأسد التدخل في لبنان لقمع الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، دفعا بنا إلى الإسراع في تحويل الحلقات الماركسية إلى تنظيم سياسي: رابطة العمل الشيوعي.

واجتمع أربعة وعشرون مندوباً عن الحلقات الماركسية في قبو معتم بمدينة حلب في 28 آب 1976، لم يتجاوز معظمهم الثلاثين من العمر. وناقشوا على مدى ثلاثة أيام ضرورة ولادة تنظيم سياسي جديد يكون رافداً للحركة الوطنية اللبنانية وداعماً لها ويعبّر عن صوت السوريين الرافض لموقف حكومتهم.

ودار خلاف بين المجتمعين حول النظام الداخلي للرابطة، بين من يؤيد نظرية لينين في أن الحزب الثوري هو جريدة ودزينة من الثوريين المنضبطين ورأي ماركس في عصبة الشيوعيين التي اعتمدت الديموقراطية وحرية التعبير. وانتصر نظام داخلي أقرب لرؤية ماركس الشاب، لدرجة أن التنظيم لم يعرف منصب الأمين العام أو الأمين الأول أو رئيس الحزب، بل كانت قيادة الرابطة دوماً قيادة جماعية.

لماذا رابطة العمل الشيوعي؟ هذا السؤال طرحه أحمد جمّول في كراسة بالعنوان ذاته، سجّل فيها الأسباب التي دفعتنا إلى الانتقال من الحلقات إلى التنظيم، ومن العمل الدعوي إلى النشاط السياسي. بين هذه الأسباب التطورات اللبنانية والتدخل السوري، ومن بينها انهيار الحوار بين الحلقات الماركسية والحزب الشيوعي المكتب السياسي، وقناعة أعضاء الحلقات أن المكتب السياسي ليس ناضجاً بعد ليكون نواة الحزب الشيوعي الموحّد، بخاصّة أنه كان لا يزال يلتزم بمقرراتمؤتمر الرابع وبمقولة التطور اللارأسمالي.

أما لماذا رابطة وليس حزباً، فالجواب أننا في رابطة العمل لم نعتبر أنفسنا حزباً بديلاً عن القوى الشيوعية القائمة. كنا نعتقد أن في كلّ بلد يجب أن يكون هنالك حزب واحد يمثل الطبقة العاملة الموحّدة، ولذلك، بينما أعلنا عن أنفسنا كتنظيم، فقد كنا لا نزال نعتبر أن هدفنا الرئيس هو توحيد القوى الشيوعية السورية جميعها في حزب شيوعي واحد. وكنا نراهن على الحزب الشيوعي – المكتب السياسي ورابطتنا وقواعد الحزب الشيوعي البكداشي التي لا توافق على الخط المنحرف لزعيمها.

ومع ذلك فقد كان بيننا من لم يرد تحول الحلقات إلى تنظيم والانتقال من العمل التثقيفي الدعاوي إلى النشاط السياسي فآثر الابتعاد ولم يتابع في مسيرة التنظيم الوليد.

بعد الاجتماع الموسّع، جلسنا أحمد جمّول ووفاء تقي الدين وأنا في ملحقهما في حي الروضة. كنت في أوج حماستي وأَلَقِي، أحسب أن الثورة قاب قوسين، وربما أدنى. لم يشاركني أحمد توهّجي. كنا نرشف رشفات خفيفة من العرق الأغبش في مساء أيلولي شفيف.

“ما بك؟” سألت أحمد، مستغرباً صمته وسكونه.

نظر إلي برهة، ثمّ قال: “لست أدري يا صديقي… لست متأكداً من أننا لم نستعجل”.  

بعد عامين، تأكد أحمد أننا استعجلنا، عندما قرر أن ينسحب من التنظيم ويسافر إلى بيروت، حيث بقي حتى الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982، غادر بعدها إلى الجزائر، حيث مات، أغلب الظن مقهوراً ومحروماً من المساءات الأيلولية الحزينة في دمشق.

إقرأ أيضاً