fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم محمد

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

شيعة مصر بين تعسّف السلطة وهواجس الأزهر

لا يعدو البيان العاجل، الذي تقدم به في شهر حزيران/ يونيو الماضي الكاتب الصحافي والبرلماني المصري، مصطفى بكري، إلى وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، متهماً فيه مؤذن مسجد الإمام الحسين، في وسط القاهرة، برفع الأذان الشيعي، سوى كونه حلقة ممتدة من حلقات خنق التنوع الديني وحرية العقيدة.

ولئن اعتبر بكري “مخالفة” الشيخ في مسجد الحسين، بإعلانه أذان الشيعة، بمثابة “اختراق إيراني” للبلاد، بحسب تعبيره، فيكون بذلك، قد أفصح بوضوح عن دوافعه السياسية، التي تقف وراء هجومه الطائفي، وتحريضه العلني ضدهم. فهو يختزل المكون الشيعي، بالدولة الإيرانية، وهو ما يتطابق وموقف السلطة ضد النظام الإيراني، منذ قطع العلاقات الديبلوماسية عام 1980.

وعلى رغم حماية الدستور وإقراره بحرية الاعتقاد، لكن، ثمة وقائع أخرى، تعكس انتهاكات بالغة ومتعمدة، ضد الأقليات الدينية، فيجري التحريض ضدهم. وتتأطر هذه الانتهاكات حين يصف صرح ديني هو الأزهر المذهب السني، بأنه “تدين صحيح ومعتدل”، ما يضع باقي المذاهب والمعتقدات في مرتبة أدنى.

موقف الدولة والإعلام الرسمي، والمحسوبون على النظام، سواء من النخب السياسية أو الثقافية، ينطلق من رؤية وهدف استراتيجيين، فهو يفترض الوحدة الدينية لعموم المسلمين، والتبعية، والخضوع والولاء السياسي لها، ومن ثم، فهو يناصب العداء للشيعة، وكل المختلفين دينياً، مدفوعاً من تلك الأرضية الثابتة والجامدة.

حالياً تعيش مصر حالة الاستقطاب الإقليمي، بين النظم والتحالفات القائمة، والتنافس السياسي بينها، والذي تقف فيه إيران ومحور ما يسمى المقاومة، في مواجهة الرياض وأبو ظبي. وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يبدو أن ثمة إلحاحاً على ضرورة الحديث اعلامياً عن المدّ الديني الشيعي، ومخاطره، وسبل مواجهته، وفرض حظر ضد أي نشاط، يفتح جيوباً لإيران في المنطقة، التي تتمدد عبر ميليشياتها الطائفية، وبخاصة، في ظل الحرب المستعرة، في سوريا واليمن والعراق.

من هنا يبدو استغلال فزاعة “الهلال الشيعي”، مقصوداً، في سياق التطورات الإقليمية، ومآلاتها، التي ترتهن بأجندات طائفية، يتم توظيفها، لحساب الأرباح السياسية والعسكرية، التي يخوضها المعسكران.

وبحسب وثائق ويكيليكس السعودية، التي كشفت عنها منصة “مدى مصر”، ثمة مذكرة تفاهم، تشير إلى وجود تنسيق بين الأزهر والمملكة العربية السعودية، للحديث عن الخوف من “الزحف الشيعي”.

وفي إحدى تلك الوثائق، المرسلة من رئيس المخابرات السعودية، إلى عدد من المسؤولين داخل المملكة، بما في ذلك وزير الخارجية، فقد حذرت من أن “المذهب الشيعي”، وجد مساحة كبيرة للتوسع، بعد ثورة 25 يناير، وأن الحركة الشيعية، انتهزت هذه الفرصة، وضاعفت نشاطها ورفعت سقف مطالبها.

وفي وثيقة أخرى، أرسلها وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل، إلى رئيس الديوان الملكي، زعم فيها أن مصطفى بكري، مالك صحيفة “الأسبوع”، وصاحب أحد البرامج التلفزيونية المصرية، قد التقى السفير السعودي، في القاهرة، وأخبره أن إيران تسعى إلى التواصل مع قنوات إعلامية مصرية بهدف اجتذابها.

وفي المقابل، عبر بكري عن رغبته في تحويل جريدته الأسبوعية، إلى جريدة يومية، وتأسيس حزب سياسي، وإطلاق فضائية تلفزيونية لتكون “صوتاً قوياً ضد الشيعة”، بحسب الوثيقة.

وفي ظل الأجواء المشحونة، والممارسات التعبوية من السلطة وجهازها الإعلامي، الذي ترافق مع الربيع العربي، ومقولة “الخطر الشيعي”، وتمدد نفوذ هذه الجماعة العقائدي والسياسي في مصر، من الصعب رصد أي جهود تنظيمية، تعكس محاولات جدية لفرض “التشيع” في مصر، كحالة تبشيرية.

لطالما تعددت الأرقام والإحصائيات، حول عدد الشيعة في مصر، فهي أصبحت في دائرة التخمينات والتكهنات، كل حسب ميوله وانحيازاته ومرجعياته الخاصة، وبالتالي، تتفاوت النسب والتقديرات من شخص لآخر، ومن جهة لأخرى. فمحمد حسنين هيكل، وفي حوار تليفزيوني له، قبل خمس سنوات، ذكر أن عدد الشيعة في مصر يتراوح بين 18 ألفاً و35 ألف شخص. فيما تقول قيادات شيعية، إن عددهم بالملايين، أما المفكر المصري سعد الدين إبراهيم، فصرح بأنهم خمسة ملايين، في ظل غياب تام للأرقام الرسمية.

من ناحية أخرى، من الصعب رصد ميول عدائية لدى المواطن المصري للشيعة، فقضية التشيع ليست هاجساً لدى العامة من المصريين على نحو ما هي هاجس مواطني دول عربية أخر ى، فالمصريون يقبلون على حضور الموالد، ويطوفون بين مقامات الأولياء، في محافظات وأقاليم مصر، وينخرطون في حلقات الذكر وسماع المداحين، دون وضع اعتبار للمقولات الدينية المتشنجة التي تعتبر هذه الممارسات “شركاً” و”وثنية”.

ويكاد لا يخلو شهر هجري، من وجود مولد، لأحد هؤلاء الذين ارتبط بهم الوعي الشعبي ، منذ دخل الفاطميون لمصر، فتنسب لهم الكرامات والخوارق، بحيث يصل عدد الموالد الى نحو 2850 مولدًا للمسلمين والأقباط، بحسب الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية.

ومع الزخم الهائل، الذي يترافق مع المناسبات والاحتفالات الدينية، في المناطق التي تشهد حضوراً رمزياً لمقامات الأولياء، سواء بالعاصمة المصرية، القاهرة، والدلتا والصعيد؛ كمثل السيد البدوي في طنطا (شمال القاهرة)، والعباس المرسي، في مدينة الإسكندرية، وأبو الحجاج الأقصري (صعيد مصر)، لم تحدث مناوشات واحتكاكات أهلية، ضدّ الممارسات الدينية الشعبوية، التي تبدو مخالفة للمذهب السني السلفي والأصولي والمرجعية الأشعرية، التي تقر بها الدولة.

بيد أن الأمر كله يجري بواسطة بعض التيارات السلفية، وعناصر تنتمي لها، فتتحول إلى هيئات مراقبة، في ظل تراخي الأجهزة الأمنية، فتجعل من تلك الأماكن مربعات أمنية مذهبية لها، تحاول فرض هيمنتها، وتقوم بالاعتداء على الوافدين لهذه الموالد، ومنعهم من تأدية طقوسهم، خاصة، في مسجد الحسين وذكرى عاشوراء، ناهيك عن التكفير، طوال الوقت، عبر قنواتهم التلفزيونية، ومواقع التواصل الاجتماعي.

كانت الانفراجة التي شهدتها مصر، إبان الربيع العربي، ترفع سقف الطموحات، لدى الشيعة في مصر، فشرعوا في تأسيس حزب سياسي لهم، وهو ما أثار جملة من الاعتراضات، في صفوف القوى السياسية.

وتوحدت الآراء المعارضة، بين قطاع من اليساريين؛ ممثلاً في رئيس حزب التجمع السابق، الدكتور رفعت السعيد، الذي وصف الحزب بأنه عودة بالتاريخ إلى الوراء ويهدد أمن مصر القومي، والتيار الديني في مصر، ممثلاً في السلفيين والأزهر، ممن اعتبروا الحزب سينشئ صراعات دينية ومذهبية، وطالبوا بمحاربته.

وفي المقابل، اعتبر الكاتب المصري، فهمي هويدي، المحسوب على التيار الإسلامي، أن الحزب مطعون فيه، قبل إشهاره، وأن هويته الشيعية، تخالف الدستور، لكن، الرأي ذاته، الذي ينطلق منه، وينطبق على الأحزاب ذات المرجعية الدينية السلفية، كحزب النور وغيره أو الحرية والعدالة، لم يكن لها نصيب من اعتراضاته.

رصد تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حوالى 70 واقعة انتهاكات، تعرض لها المسلمون الشيعة، في مصر، خلال الفترة من 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وحتى أيار (مايو) 2016.

تلاحقت التجاوزات والانتهاكات بحق الشيعة، في عهدي محمد مرسي والسيسي، وهما نظاما ما بعد الثورة المصرية. وعلى رغم أن مرسي، كان أول رئيس يزور طهران، بعد قطيعة دامت، لنحو 33 عاماً، إلا أن الانتهاكات تواصلت حتى بلغت صوراً شديدة القتامة والمأسوية.

فقد تم إيقاف مدرس شيعي في 24 كانون الثاني/يناير 2012، بسبب ما تمّ زعمه، عن أنه أعلن عن معتقده الديني الشيعي، فضلاً عن سب الصحابة وأمهات المؤمنين، وبالتالي، تحول إلى المحكمة التأديبية، في محافظة قنا، جنوب مصر، قضت بوقفه عن العمل.

وإبان زيارة المرجع الشيعي اللبناني، علي الكوراني مصر، في أيار (مايو)، من العام ذاته، استنكر الأزهر ووزارة الاوقاف الزيارة، التي استغرقت خمسة أيام. واعتبر الأزهر، في بيان رسمي تلك الزيارة، تهدف إلى “نشر التشيع المزعوم لآل البيت”، بحسب تعبيره، واستخدامه غطاء يحمي الأهداف الطائفية، وأوهامها المذهبية، وتوسعاتها الإقليمية.

ووزعت مجلة الأزهر، الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، في تشرين الأول (أكتوبر)، عام 2013، كتاباً بعنوان: “الخطوط العريضة لدين الشيعة”، ووزع مجاناً، وقام المفكر الإسلامي المعروف، محمد عمارة، صاحب واقعة تكفير نصر حامد أبو زيد، بتقديم الكتاب.

واعتبر عمارة في مقدمة الكتاب أن “الشيعة ليس مذهباً أو طائفة، إنما دين، تحالف أصحابه مع الصليبيين وهولاكو، والإمبريالية الأميركية، والمسيحية الصهيونية، ضد المسلمين”.

وفي ظل هذه البيئة التعبوية، التي تم تجييش كافة عناصرها، بغية شحن المجتمع ضد الشيعة، قام أفراد ينتمون للتيار السلفي، بتنظيم أنفسهم، في ائتلاف علني، باسم “الدفاع عن الصحب والآل”.

ويقوم هذا الائتلاف بالتجمع كالمطاوعة، حول مسجد الحسين، لمنع تجمعات من يشتبه، في كونهم شيعة، ومنعهم من ممارسة طقوسهم، أو التجمع حول ضريح الحسين، ومنع ما يعرف بـ “الحسينيات”، أو الاحتفال بيوم عاشوراء، وغيره. وهو ما تنتج عنه احتكاكات تحدث في محيط المسجد، من دون تحرك من الشرطة وقوى الأمن.

الأمر نفسه يحدث في معرض الكتاب، سنوياً، عندما يجوب هؤلاء المتشددون أجنحة دور نشر، بخاصة، العربية، لرصد ومنع الكتب التي برأيهم تروج للفكر الشيعي. وبرزت وقائع مؤلمة، مثل مقتل الشيخ حسن شحاتة، وثلاثة من تلاميذه، في زاوية أبو مسلم، بضاحية الجيزة، في حزيران (يونيو) 2013 كخاتمة منطقية، لهذا المشهد السوداوي.

هذا فضلاً عن أحكام الحبس، التي طاولت خمسة من الشيعة، في قضايا متفرقة، تراوحت بين ستة أشهر وخمس سنوات.

وفي أيار (مايو) العام الماضي، اتهمِ رجل شيعي جهازَ الأمن الوطني، بالإسكندرية، باحتجازه، قبل سفره إلى العراق وبعده، أثناء زيارات دينية قام بها إلى العتبات المقدسة، وتعرضه للتعذيب وصعقه بالكهرباء.

وفي حديث إلى “درج”، يقول قيادي شيعي في مصر (فضل عدم ذكر اسمه)، إن الانتهاكات ضد الشيعة، مستمرة، منذ عقود، إذ لم تفتر حماسة الدولة، والنظم المتعاقبة على حكمها، على معاداة الشيعة، واعتبارهم عدوها الأول، من دون وجه حق، وذلك منذ كانت الخلافة العثمانية، حاملة لواء السنة في العالم العربي، تحتل مصر، وتفرض مذهبها الرسمي، بشكل قسري، على المواطنين، وتساهم في تغريب الشيعة، ممن سافروا إلى الدولة الصفوية، وعانوا من التهميش بسبب عروبتهم أمام القومية الفارسية، ذات النفوذ، وهو ما أجج الصراعات بين المعسكرين، بسبب التنافس السياسي وجدد الجدل بينهما.

وأضاف: “أتفاجأ بأخبار مثيرة للاستغراب، كمثل القبض قبل عامين، على مدير حضانة للأطفال، إثر اتهامه بنشر التشيع بين الأطفال، في محافظة الشرقية، وقيل إنه يعلم الأطفال “اللطم” بالطريقة التي تتماثل مع الطقوس الشيعية، وتعرض للحبس”.

لكن، أكثر ما يثير الحزن والحسرة، في المفكر الشيعي ذاته، هو التعامل الأمني، مع الملف الشيعي، الذي يؤدي إلى ضيق المساحة التي يمكن التحرك فيها، بهدف تطوير القضية، من الناحية الحقوقية والحصول على مكتسبات مدنية لهم، كمواطنين، ويغلق دائرة العنف والاحتكاكات المستمرة. ويسأل: هل تمكن محاسبة مسؤولين، مثل وكيل وزارة الأوقاف، عندما قام بالتحريض على العنف ضد الشيعة، في أحد البرامج التلفزيونية الشهيرة، وقال: “الشيعة يجب أن يقتلوا هنا وهناك”. وغيره ممن يرفعون شعار: “الشيعة عدو.. فاحذروهم”. وأردف: “من المؤسف، باعتباري مسلماً شيعياً، أن يتم غلق ضريح الحسين، ومنع الزيارات إليه، في ذكرى عاشوراء، وغيرها من المناسبات الدينية، وترك المسلمين الشيعة نهباً، لمجموعة من الشباب، الذين يقومون بالتحريض ضدهم، والاعتداء عليهم، من دون رادع أو حماية من الدولة وجهاز الأمن”.

ويوضح الرجل الستيني، أن تخوين شيعة مصر، بسبب الضرورات السياسية، التي تستغلها الدولة، أمر مسيئ لها، ولن يؤدي إلا إلى الفوضى، واستمرار العنف، مثلما حصل في أعقاب الحرب على الحوثيين في اليمن، والانتهاكات التي ترتكبها قوات التحالف العربي ضد الشعب اليمني هناك، وتصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد الشيعة.

ويختم هذا القيادي الشيعي، بأن تطييف الأحداث السياسية، في صيغ دينية ومذهبية، كما يحدث في اليمن أو سوريا، أو مع الحشد الشعبي في العراق، كلها أمور تنهض على دوافع سياسية محضة، وستصل بالجميع إلى طريق غير مأمون. وأضاف: “لن تؤدي إلى تجانس مجتمعي واستقرار”.

إقرأ أيضاً