هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني

مقالات الكاتب

“شيء ما” يعود الى الظهور

يطعن شيء ما، طعنات خفيفة لكن موجعة، الاستقرار العربي كلما بدا أن هذا الأخير آخذ في نشر سلطته واستعادة مكانته القديمة. شيء يظهر من الهوامش المُهمَلة في تفكير السلطات واهتماماتها ليقول إن الأمور لا يمكن أن تسير على النحو الذي سارت عليه بين موجة الاستقلالات التي شهدتها المنطقة بعد الحرب العالمية وبين اندلاع الثورات العربية في 2011.

هذه الثورات التي أُغرقت بالدم والنار أو وئدت بالجزمة العسكرية لأسباب طال شرحها وما زالت تستحق التشريح والتأمل، حوصرت بالتأويل التآمري والتفسير “الجهازي” وأُغفل عن عمد حملها لمضمون اجتماعي وسياسي عميقين، ما فتئا يظهران على شكل احتجاج هنا وحراك هناك وتظاهرات شعبية هنالك تُجمع كلها على أن التغيير الذي قُمع طويلاً والحاجة الملحة اليه تنبعان من هذه الأرض ومن أزماتها حتى لو تداخلت مع التحولات العالمية العميقة، وأن “شيئا ما” لن يترك الانظمة العربية قبل أن يفرض تكيفاً يحمل نوعا من العدل الى الشعوب حتى لو يصل الى مستوى التغيير الكبير الذي أمِل به شباب الساحات قبل سنوات.

في العراق، تأتي مشكلة جفاف نهر دجلة في الوقت الذي تراوح فيه مسألة تأليف الحكومة الجديدة مكانها. الثانية تحتل الشاشات والتقارير الإعلامية فيما تبوح الأولى بالحجم الذي بلغته أزمة الدولة العراقية التي باتت عاجزة عن تحصيل حقوقها المنصوص عليها في القوانين الدولية من تركيا العازمة ولو بالقوة على ملء خزانات سد أليسو على دجلة، وإيران التي تمنع تدفق مياه عدد من الانهار الى العراق ومنها نهر الزاب الصغير، بحجة اولوية معالجة ازمتها المائية، ولو على حساب العراق والعراقيين.

لا انفصال بين القضيتين، نزعم. بل ارتباط وثيق بين حالة الدمار التي وصل العراق اليها وأطاحت بأسس الدولة وبقدرتها على توفير الأساسيات للشعب العراقي مقابل فساد خرافي وخضوع للسياسات الخارجية وسوء إدارة عن سابق تصور وتصميم لامكانات العراق التي كان يضرب بها المثل. التظاهرات التي شهدها العراق في 2013 -2015 لم تجد ترجمة لها الا في المسارب الطائفية: القتال “داعش” عند السنّة و”الحشد الشعبي” عند الشيعة على نحو كرر الحرب الاهلية للعامين 2006 و2007 لكن هذه المرة مع هزيمة ميدانية واضحة للسنّة بعد انتفاء وظيفتهم الاقليمية بسبب توحش “داعش” الى حدود لم يعد ممكنا التغاضي عنها حتى من قبل من علّق عليها أملاً في مواجهة التمدد الإيراني.

وسيكون انحسار دجلة الى مجموعة من البقع المائية الصغيرة مجرد مزحة إذا مضت إثيوبيا في تهديداتها بوقف تدفق النيل لفترات طويلة في انتظار امتلاء الخزان الضخم الذي يقع وراء سد النهضة. تقول الازمة هذه ايضا والفشل المتكرر في التوصل الى تسوية لها العديد من الأمور عن السياسات المصرية الداخلية والخارجية التي يُطمس الحديث عنها في خضم صخب مكافحة الارهاب و”صندوق تحيا مصر” و”العاصمة الادارية الجديد” وما شاكل.

تظاهرات الأردن تكاد تقول الأمر ذاته ولكن في سياق مختلف. الزيادات الضريبية التي فرضتها حكومة هاني الملقي استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي، جاءت لتكشف هشاشة الاقتصاد الأردني برمته ولتعلن وصوله، أو اقترابه، من نهاية الطريق القديم الذي لم يُقم للانتاج الحقيقي أهمية كبيرة واستنزف المكانة الاستراتيجية والسياسية للبلاد عن طريق المعونات الدولية والعربية. شح موارد هذا الأسلوب الريعي من التمويل، وضع الاردن امام أزمته الحالية التي يرجع عمرها الى عقود مديدة ولم تعد قادرة على توفير الحياة التي اعتادت عليها بلاد تزداد فيها نسب المواطنين الشباب.

بل أن “مسيرات العودة” التي شهدها قطاع غزة في أيار (مايو) الماضي تشير في جانب منها الى الفشل المدوي للسلطتين الفلسطينيتين في رام الله وغزة في صوغ سياسة اقتصادية –اجتماعية في منأى عن الاعتماد على اموال الدول المانحة والمساعدات الاجنبية والعربية. بالاضافة طبعا الى ان الاحتلال الجاثم على النفوس والأرض لا يترك فرصة ليحيل فيها واقع العيش في المناطق الفلسطينية جحيما الا ويستغلها.

البيئة والاقتصاد والاجتماع وصعود القوى الاقليمية المنافسة، تتآمر كلها على “الاستقرار” العربي الذي قام بنى شرعيته من خلال النفي وليس الايجاب: نفي إمكان التقدم وإمكان العدالة وإمكان البناء الذاتي من دون استبداد أو استتباع.

“شيء ما” سيظل يقلق العرب، الحكام والشعوب، لفترة طويلة مقبلة.

 

إقرأ أيضاً