fbpx

هنا القصة الثالثة

وائل السواح

مقالات الكاتب

شاي أسود غامق مع قليل من السكّر

يتحدّث وائل السواح في إطار سرده تاريخ اليسار الجديد في سوريا عن أوّل حملة يقوم بها النظام ضدّ رابطة العمل الشيوعي، مارّاً ببعض من عرفهم ولعبوا دوراً في تلك المرحلة.

عرّفني أحمد جمّول إلى عزت المحمود ليكون أول مسؤول لي في الرابطة: ماردٌ مديد، طيّب القلب كعذراء، قوي كحصان وفقير كفراشة الربيع. في غرفته في حيّ الزهراء في حمص، لم يكن ثمّة الكثير: فراش وبساط و”طرّاحة” ومدفأة، ما كان يزيلها صيفاً أو شتاءً. كان فيها أيضاً طاولة وكرسي للكتابة، وعدّة المتّة: موقد غاز صغير، إبريق ألمنيوم، علبة المتّة، كأسان صغيرتان، ومصّاصة. لم أكن أدمنت المتّة بعد، ولكنّني فعلت ذلك بعد سنوات، في السجن. جاءتنا في زيارة عابرة في سجن تدمر علبة متّة “بيبوري”، فانقلب المهجع عيداً. استبشرت وجوه الرفاق، وبدأ العمل بنشاط لإعداد إبريق ماء ساخن. رفيقنا عبد الرحمن الخطيب، أستاذ الفلسفة من ريف جبلة، كان مسؤول حلقة المتّة.

اجتمع الرفاق حوله، وكنت بين من تحلّق. وكان عبد الرحمن يصبّ الماء فوق عيدان المتّة، ثم يقدّمها بالدور إلى الشبيبة. عيناه تشعّان فرحاً، وعيون المتحلّقين تتراوح بين الترقّب والنشوة والحسرة. وصلتني حصّتي المعمّرة. لم يكن لدينا مصّاصة للمتّة، فأفرغ عبد الرحمن قلم بيك من خرطوشة الحبر، ثم ثقبه من أسفله أكثر من مرّة بإبرة محمّاة، فحوّله إلى مصّاصة. أخذت الكأس. كانت حارّة، ولسعتني حرارة السائل والطعم المرّ واللاذع للمتّة. بدأت أرشف رشفات صغيرة متباعدة، وعيون الأصدقاء ترقبني بامتعاض وتعجّل. عبد الرحمن لم يطق صبراً أخيراً. قال لي: “رفيق وائل إذا ما حبّيتها ما تجبر حالك”. كان في صوته تشجيع لي لأترك ما تبقّى في الكأس. شعرت بالفرج، وأعطيته الكأس وفيها نصفها تقريباً، فملأها وحوّلها للرفيق التالي. ثمّ دارت الكأس مرّات عدّة، وهي تقفز فوقي في كلّ مرّة تصل إلي. بعدها حاولت مراراً أن أتذوّقها، وفي كلّ مرّة كانت مرارتها تخفّ وطعمها يصبح أقلّ قساوة. ولكن كان عليّ أن أنتظر أبو عزيز، هيثم يوسف، الشاب الوسيم القادم من قرية التلعة قرب صافيتا، لكي يجعلني أحبّ المتّة، ثم أدمنها.

إقرأ أيضاً: اليسار السوري: قيادة ثورية ولكن من دون نساء

دمشق في السبعينيات

“قال لي أحدهم إن للحزب الشيوعي الفرنسي نصيباً من أسهم شركة جيتان. وهكذا تم التحوّل من الناعورة السورية إلى الجيتان الفرنسي”

بيد أنّ عزّت المحمود كان يقدّم الشاي أيضاً. شاي أسود غامق مع قليل من السكر، يقدّمه عزت في كأس مغسولة بالماء ولكن من دون صابون على الأرجح. على أن أكثر ما سحرني بعزت أثناء مجالستي إياه كان سيجارة الناعورة: سيجارة غليظة محشوة بالتبغ الأسود الرخيص. خجلت من أن أخرج علبة “الروثمانز” من جيبي وقبلت منه سيجارة رحت أسعل بعدها دقائق، وهو يقهقه بمرح طفولي. على أنني لم أرمِ السيجارة بعيداً وأصررتُ على إكمالها. سيجارة الناعورة صارت رمزاً للنضال ضد الإمبريالية والعدو الطبقي. كان عزّت يمج نفساً عميقاً من سيجارته بمهارة وحرفية ثم ينفثه في الهواء فتعبق الغرفة المغلقة برائحة قوية فيها رجولة وتمرّد وعنفوان. وبين نفس وآخر كان عزّت يتحدّث عن علاقته بمحمود درويش وميشيل فوكو وروجيه غارودي. كان الخطّ الفاصل بين الحقيقة والخيال عند عزّت رفيعاً جداً، لدرجة تصعب معها رؤيته أحياناً. باتت سجائر الناعورة دخاني الرسمي، وكنت غالباً ما أضع العلبة، وسعرها 55 قرشاً، على الطاولة في مقصف الجامعة أو الكافتيريا أو المقهى، كإثبات على روح النضال المتأصّلة لديّ. في بيروت، خلال إقامتي هناك صيف 1979، لم أكن أستطيع الحصول على الناعورة، ولكنني انتبهت إلى أن مناضلي الحركة الوطنية اللبنانية هناك يدخّنون “الجيتان”. وقال لي أحدهم إن للحزب الشيوعي الفرنسي نصيباً من أسهم شركة جيتان. وهكذا تم التحوّل من الناعورة السورية إلى الجيتان الفرنسي، وحققت بذلك تكاملاً أممياً أصيلاً.

في دمشق، ضمّتني أول خليّة انتظمت فيها إلى شاب فلسطيني هادئ ورقيق، علي الكردي، وفتى حييّ بشاربين أسودين كثيفين وعينين ناعستين جميلتين، هو نصّار يحيى. تعرّفت على علي باسم رياض، ولفتني أنه من المثقفين القليلين الذين لم يحبّوا استعراض ثقافتهم. يتحدّث بهدوء وتواضع أصيل، وحين يشتدّ النقاش بين نصّار وبيني، كان غالباً ما يحلّ الإشكال بنكتة أو ابتسامة. سيُعتقل علي الكردي مرّات ثلاثاً: في صيف 1979، حيث أطلق سراحه بعد نحو 8 أشهر، وفي صيف 1982 لتسعة أعوام، ثم في 1995، ولكن هذه المرّة لشهر واحد. باستثناء السياسة، جمعت بيننا صداقة شفّافة وأصدقاء مشتركون هم جميل حتمل ويوسف عبدلكي وإبراهيم صموئيل. هادئ، إذاً، ورقيق، ولكنّك لا تريد فعلاً أن تُغضِب أبو العلا، فهو إن فعلتَ تحوّل إلى عاصفة من الانفعال وتوهّج وجهه الأسمر الشاحب الجميل بحمرة الغضب القانية.

نصّار يحيى أيضاً كان هادئاً، يصغرني بعام وبعض العام، جاء للتو من مدينة السلمية، ليدرس التاريخ أو الفلسفة في جامعة دمشق. اسمه الحركي كان “وليم”، ولكنْ لن يطول المقام به قبل أن يعرّف عن اسمه الحقيقي واسم أخيه “عقاب يحيى” أحد قادة البعثيين الديمقراطيين. ذكر اسمه بشيء من الخيلاء، فذكرت اسم أخي أيضاً: فراس السوّاح، الذي كان نجمه قد بدأ يستطع بعد نشر كتابه “مغامرة العقل الأولى”. علي لم يكن معنا عندما تبادلنا أسماءنا كهدايا، ونحن لم نعرف اسمه إلا عندما اعتقل. منذ عرفته، كان نصّار واقعياً في السياسة، وحين اندلعت في 1979 معركة طبيعة الثورة القادمة، وقف مع الفئة الأكثر عقلانية.

إقرأ أيضاً: اليسار السوري بين العفيف الأخضر وجورج طرابيشي

كارل ماركس

لعبت موضوعة “طبيعة الثورة القادمة في سوريا” دوراً كبيراً في بلورة آراء الرابطيّين. سؤال طبيعة الثورة كان طرحه كارل ماركس وفريديريك إنغلز منذ البيان الشيوعي. ورأى المؤسّسان أن على الطبقة العاملة أن تنجز مهام الثورة الديمقراطية التي فشلت البورجوازية في بعض البلدان أن تقوم بها ثم تكلمها بالثورة الاشتراكية. هذا الموقف تبنّاه لينين عام 1905 في كتابه “خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية”، قبل أن تغيّره نشوة الانتصار في 1917 فينقلب على نفسه في كراسته التي كتبها خلال أيام في المنفى “موضوعات نيسان”. في رابطة العمل الشيوعي، تبنّينا مقولة إن الثورة الآتية في سوريا ذات طبيعة ديموقراطية، وهذا يفرض علينا التحالف مع أطياف من البورجوازية الوطنية. على أنني لا أدري كيف أفقت ذات يوم فوجدت القيادة وقد غيّرت رأيها، وأقرّت بأن الثورة القادمة هي ثورة اشتراكية، بمعنى أنها ثورة البروليتاريا السورية لتحقيق الاشتراكية. لم يعنِ الكثير لرفاقنا أن البروليتاريا في سوريا ضعيفة وهشّة ومستلبة، وهي منقسمة بين البعث الحاكم والإسلاميين، ولم يعنِ الكثير لهم أن شركاءهم الفلاحين لا يريدون سوفخوزات اشتراكية، بل يريدون الانتقال إلى المدينة والالتحاق بوظيفة في الجيش أو الأمن أو الإذاعة والتلفزيون. نصّار وأنا (ومعنا عليّ) كنّا من بين القلّة التي رأت في ذلك التحوّل مغامرة وقفزة في الهواء.

في السجن، قرأ نصّار كثيراً، التهم الكتب، وانعزل عن معظم الرفاق، وينحو على رأس ثلّة صغيرة من الشباب منحى فلسفياً رواقياً، ولكن بمضمون وجودي، وربما فوكوي. غدا هايدغر ونيتشه وهابرماس وفوكو، بل وجاك دريدا (الذي لم أستطع أن أفهم نصّاً واحداً له) مرشديه الروحيين بدلاً من ماركس وهيغل وأوغست كونت. ولكنّه قبل ذلك، لعب دور المحرّك الأساسي في عمليّة أول انشقاق يتعرّض له حزب العمل الشيوعي داخل السجن، وسيقيّض لي أن ألعب معه هذا الدور، ولكنّ لذلك كلّه حديثاً آخر.

تَرَكَنا علي بعد فترة، وجاءنا شاب صموت من بسنادا قرب اللاذقية، يحسن الاستماع، ولكن الحديث كان يبدو وكأنه عقوبة بالنسبة إليه. احتجت لفترة لكي أحبّ حليم روميّة كما أحببنا عليّ، ولكنني سرعان ما فتنت به وبإحساسه وكرمه ونبله. اجتمعنا أيضاً في سجن تدمر وصيدنايا، وبقي على صفاته تلك، إذ لم يكن يتدخل إلا قليلاً في الصراعات الداخلية ومشكلات المهجع والانقسامات السياسية والعراك بالكلمات واليدين.

في خليتنا، قرأنا الخطّ الاستراتيجي وكتب لينين الأساسية وكرّاسة ماركس الجميلة عن “الصراعات الطبقية في فرنسا 1848-1950″، ثم “18 بروميير لويس بونابرت” الذي لم أفهم عنوانه إلا بعد سنوات، عندما قرأته بالإنكليزية. ولكنني مذ قرأته أول مرّة فتنتني العبارة الشهيرة التي يفتتح ماركس كتابه بها، وهي العبارة التي علّمتني أكثر من عشرات الكتب: “في موضع معيّن من أحد مؤلّفاته يبدي هيغل ملاحظة تقول إن الأحداث الكبرى في هذا العالم، والشخصيات التاريخية قد تتكرّر، إذا صحّ التعبير، مرّتين. لكن هيغل نسي أن يضيف أنها إذا كانت تجيء في المرّة الأولى تراجيدية، فإنها في المرّة الثانية تكون هزلية ليس إلا”. ثمّ يقارن بين غوسيدير محل دانتون، ولوي بلان محل روبسبيير، وجبليو 1848 محل جبليي 1793، قبل أن يقارن بين ابن الأخ (لويس بونابرت) باعتباره النسخة الهزلية لعمّه نابليون الأول”. وفتنت بأسلوب ماركس في الحديث عن حدث جلل كمجيء شخص تنقصه الموهبة والمقدرة بانقلاب إلى السلطة في فرنسا مستغلاً ضعف الأحزاب جميعها، بأسلوب فيه من الهزل والسخرية ما لا يشبه من كان كتب “العائلة المقدسة” ومن كتب لاحقاً “رأس المال”، بخاصّة أنه كان يعاني في ذلك الحين بالذات من أقصى درجات البؤس والحزن لموت طفلته فرانشيسكا واضطرار زوجته إلى الاستدانة ثمناً لتابوتها.

“عام 1976، كان حافظ الأسد ينعم برخاء الحكم، بعد حرب تشرين وتسوية أموره مع الغرب وهزيمته لخصومه في الداخل والخارج”

ولكن الحياة لم تسر دائماً بيسر وهدوء: قراءةٌ ومناقشةٌ ودروسٌ وعشقٌ نهاراً، وعرقٌ وكآبةٌ لطيفةٌ شفيفةٌ ليلاً. كنت لا أزال أسكن البيت الذي كان أحمد جمّول يسكنه قبل الزواج. في غرفة أحمد، حلّ صديقي الشيوعي العراقي صالح الكردي. صالح وأخي سحبان، وتوفيق الأسدي، القاص المتميّز الذي كان متألقاً وانطفأ من دون أي سبب واضح، والناقد المدرسي الرزين حتى عندما يسكر، نبيل الحفّار، والفنان البدوي الصاخب الذي تتحوّل الألوان الفاجرة بين يديه إلى عجينة من النار واللوعة والعشق والشقاق، جليدان الجاسم، وأنا كنّا ثلّة من الأصدقاء الذين يريدون أن يلووا عنق اللوحة والقصة والسياسة والتاريخ. كنت أصغرهم، وكنت أجلس معهم مشدوهاً بحواراتهم والعبارات العالية التي يستخدمونها، وأتساءل إذا ما كان سيمرّ يوم أتمكّن فيه من استخدام لغتهم وتعابيرهم وذرابة لسانهم. بدأت صداقتنا في المنتدى الاجتماعي الذي كان تأسّس على يد مجموعة من طلاب جامعة دمشق الذين تراوحت أعمارهم بين 20 و25 سنة. كنا نلتقي لحضور أمسية شعرية أو معرض فني أو فيلم سينمائي. وحين لا نكون في المنتدى، نلتقي في “الإيتوال” أو في “بار فريدي”. وحين نُبتلى بنقص في الأموال، ننكفئ إلى بيوتنا. كنّا صالح الكردي وأنا نشتري بطحة عرق “كبريت” وليمونة، نتقاسمهما، ونتقاسم معهما أسرارنا وحكاياتنا، وننام غالباً على الطوى، أو نأكل كعكاً مع الشاي قبيل النوم بقليل. من صالح، تعرّفت إلى ثورة الأهوار في العراق واعتقال عزيز الحاج، زعيم الحزب الشيوعي – القيادة المركزية وانهياره تحت التعذيب. شعرت بالقرف من هذا الرجل إلى أن تجاورنا في صفحات الرأي في جريدة “الحياة” بعد ثلاثين سنة، فتعرّفت فيه إلى إنسان مرهف وكاتب عميق.

عام 1976، كان حافظ الأسد ينعم برخاء الحكم، بعد حرب تشرين وتسوية أموره مع الغرب وهزيمته لخصومه في الداخل والخارج، وبخاصة بعد أن اعتقل خصمه اللدود صلاح جديد وحبسه مع ثلّة من رفاقه في غرف ضيقة متهالكة في سجن المزّة وقتل خصمه الآخر محمد عمران في 1972 بمدينة طرابلس، لبنان. بعد انقلابه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، زار مدناً سورية كثيرة وبنى شعبية لا بأس بها على حساب التزمّت والتقشّف وضيق الأفق لحكومة البعث السابقة التي انقلب عليها.

حافظ الأسد والى جانبة صلاح جديد

لم تكن تلك السنوات من دون منغصّات بالطبع، ولكنها منغصّات محتملة، لم تهدّد وجود الأسد في السلطة. هذه المنغصّات أتت من اليمين أساساً ومن اليسار قليلاً. عندما قامت الحركة التصحيحية عام 1970 انقسمت جماعة الإخوان المسلمين إلى ثلاث فئات: جماعة دمشق التي كانت تدين للزعيم التاريخي للجماعة ومراقبها العام عصام العطّار (وهو كما يعرف كثرٌ شقيق نجاح العطّار الصديقة الصدوقة لآل الأسد ونائب رئيس الجمهورية)؛ بالمقابل رفضت جماعة حلب ذلك وانتخبت الشيخ المتزمّت عبد الفتّاح أبو غدّة مراقباً عاماً للتنظيم؛ ولم يرضَ الشاب العصابي أيّاً من الرجلين زعيماً، فأسّس جماعة متشدّدة اعتمدت العمل المسلّح وسيلة للتغيير. ولم تنفع وساطة مكتب الإرشاد العام للتنظيم العالمي في إجراء انتخابات جديدة جاءت بالشيخ عدنان سعد الدين مراقباً عاماً للجماعة عام 1975، فجماعة العطّار لم تعترف بالوضع الجديد واستمرّت بالعمل كتنظيم مستقل تحت اسم “الطلائع الإسلامية”، بينما شكّلت كتلة مروان حديد “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين”. وكانت جماعة مروان حديد هي من قاد تحرّك 1973، أثناء أحداث الدستور التي دفعت حافظ الأسد إلى التراجع سريعاً عن دستور علماني، بدأ تحرّك حديد، فأضاف أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع وأن دين رئيس الدولة الإسلام.

التنغيص الثاني جاء من قبل جماعة صلاح جديد الذي كان يرزح في زنزانته في سجن المزّة. فقد بدأ التيّار اليساري في حزب البعث إعادة تشكيل أنفسهم وانتخاب أمين قطري جديد. رد فعل الأسد كان سريعاً، إذ اعتقل معظم أعضاء التنظيم الجديد، وزجّ بهم بضع سنوات في السجن، وأضعف إلى حدّ كبير أي خطر مباشر يمكن أن يسببوه، وبخاصة ضمن المؤسسة العسكرية التي كانت الجماعة لا تزال تحتفظ ببعض الصلات القوية معها.

وجاء دخول قوات الأسد لبنان وضربها الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية، ما سبّب للأسد تنغيصاً ثالثاً جاء هذه المرّة من جماعة أبو نضال الفلسطينية التي قامت بعملية في قلب دمشق، واحتجزت 90 رهينة في فندق سميراميس على يد أربعة مسلّحين، أخرجوا نزلاء الفندق من غرفهم، وجمعوهم في بهوه. وكانت النتيجة مقتل واحد من المسلّحين مع أربع من الرهائن. وكانت تلك أوّل ضربة تلقّاها الأسد في قلب دمشق.

بدأت يد الأسد تشتدّ في قبضتها على الأمن، وبدأت مساحة الراحة التي شعر بها السوريّون خلال سنوات قليلة تتقلّص بدورها. وأخذت الأجهزة الأمنية تستشعر خطراً قادماً من جهة أخرى هذه المرّة. مجموعة الشباب الماركسي المتحمّس الذي شكّل للتو تنظيماً يدعو إلى إسقاط السلطة، من خلال انتفاضة شعبية-عسكرية مشتركة: رابطة العمل الشيوعي. في مساء 24 آذار/ مارس 1977، كنت أجلس في غرفتي التي انتقلت إليها أخيراً في بيت عائلة دمشقية في منطقة الزبلاطاني بدمشق، أقرأ في رواية الأشجار واغتيال مرزوق لعبد الرحمن منيف وأرشف من كأس الشاي بجانبي، حين – وأذكر ذلك كما لو أنه حدث الليلة الفائتة، طرقت صاحبة البيت باب غرفتي، ومدّت رأسها تقول: “ثمّة صديق لك عند الباب”. صديق؟ كنت قد انتقلت إلى هذا البيت للتو فأي صديق يمكن أن يكون؟ قمت إلى الباب. كان أحمد جمّول.

“أدخل. ما الذي جاء بك؟”

“اعتقل أمجد ونجود وخلود وجورج وحوالى عشرين رفيقاً آخرين.”

“تشرب شايا؟”

“فيني نام عندك؟”

“يا الله! طبعاً تستطيع، فأنت الأخ والصديق والرفيق. وغداً سيكون يوم آخر”.

إقرأ أيضاً: حكاية بلا بداية: انزياح اليسار السوري

إقرأ أيضاً