هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

سوريا: لماذا لا تبدو قصص “المؤامرات الغربية لتغيير النظام” منطقية؟

في هذه المقالة يفند الصحافي والكاتب البريطاني المعروف براين ويتاكر الادعاءات التي يروَّج لها خصوصاً في الغرب بأن قوى غربية تدير الحرب في سوريا من أجل تغيير النظام وبالتالي التشكيك في كل الجرائم التي يرتكبها النظام السوري…

هناك ادعاء مستشر بكثافة على الإنترنت، يرى أن القوى الغربية تدير الحرب في سوريا لأجل تغيير النظام. أما بالنسبة إلى العديد من المدافعين عن نظام الأسد، فإن هذه حقيقة ثابتة. على حد تعبير أحدهم، قال بيرس روبنسون الذي يكتب في موقع Open Democracy website، أن وجود “نيات وأفعال غربية” طويلة الأمد تسعى إلى تحقيق تغيير النظام في سوريا، “ليس موضع شك”.

ومن المسلم به بالتأكيد، أن هناك دعوات من القادة الغربيين، من بينهم باراك أوباما، تحث الأسد على التنحي- لكنها جاءت رداً على الفظائع التي حدثت بعد أن بدأ الصراع. لكن ما يزعمه المدافعون عن النظام هو أمرٌ مختلف يتمثل في أن الغرب كان يتآمر خلال سنوات للإطاحة بالنظام. ووفقاً لروبنسون فإن تلك الاستراتيجية “كانت قيد التنفيذ منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول”.

وقد ساعد التكرار المستمر لهذه الفكرة على موقع “تويتر” إلى جانب المواقع “المعارضة للإمبريالية” والمواقع المُختلفة المروجة لنظرية المؤامرة، على منحها صدقية شعبية على رغم أن السجل التاريخي لا يدعمها.

وإن لم تكن تتابع الأحداث المتعلقة بسوريا وعلاقاتها الدولية قبل الحرب، فمن السهل أن تخدعك فكرة تغيير النظام. يجعل المدافعون عن الأسد الأمر يبدو معقولاً من خلال مقارنته بما حدث في العراق، حيث كانت الإطاحة بصدام حسين واحداً من أهداف السياسة الأميركية الرسمية لأكثر من أربع سنوات قبل الغزو عام 2003. وتعهد قانون تحرير العراقIraq Liberation Act، الذي أقره الكونغرس عام 1998 (في ظل إدارة كلينتون)، بدعم “الجهود الرامية إلى إزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق، وتعزيز قيام حكومة ديموقراطية لتحل محل هذا النظام”.

وبالحديث عن العراق، يعيد ذلك إلى الأذهان الفشل الذريع في مسالة أسلحة الدمار الشامل لدى صدام التي لم تكن موجودة أصلاً. ونعرف جميعاً أن الحكومات الغربية كذبت بشأنها واستخدمتها ذريعة للغزو. ويقول المدافعون عن الأسد إن الأمر نفسه يحدث مع سوريا. ويزعمون أن القوى الغربية مُتلهفة للإطاحة بالنظام، وقد لفقت الهجمات الكيماوية لتبرير ذلك.

حتى الآن، يبدو الأمر مقنعاً إلى حد ما- إلى أن تتذكر أن هناك بالفعل الكثير من الهجمات الكيماوية التي حدثت في سوريا، وأن القوى الغربية لم ترد على أي منها بالطريقة التي تنبأ بها المدافعون عن الأسد.

عندما أدت الهجمات الكيماوية باستخدام السارين في الغوطة إلى مقتل مئات الأشخاص عام 2013، رفض البرلمان البريطاني اتخاذ أي إجراءات عسكرية. وعلى رغم أن أوباما فكر في الأمر أيضاً، إلا أنه تراجع بعد أن وافقت سوريا على الانضمام إلى اتفاقية الأسلحة الكيماويةChemical Weapons Convention.

وأصدر دونالد ترامب خليفة أوباما الأكثر عدوانية أوامره بضربات صاروخية رداً على هجوم السارين في خان شيخون العام الماضي والهجوم الكيماوي الأخير الذي أفادت التقارير بحدوثه في دوما. في كلتا الحالتين كانت الضربات محدودة النطاق ولم تشكل تهديداً خطيراً على النظام. بغض النظر عن خطبه الرنانة، لم يبد ترامب أي رغبة حقيقية في الانخراط مباشرة في الصراع الأوسع نطاقاً.

وداع طويل؟

لكن ماذا عن الادعاء بأن الغرب كان يتبع استراتيجية تغيير النظام في سوريا منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول – وبعبارة أخرى، لما يقرب من العقد قبل أن يبدأ الصراع؟

باستثناء فترة قصيرة بين عامي 2005 و2006، لم تكن سوريا مصدر قلق أو اهتمام كبير بين الحكومات الغربية أو محللي السياسات الخارجية. وفي هذا الصدد، كان الأمر مختلفاً تماماً عن العراق الذي كان محوراً ثابتاً، وقضية تخضع لنقاشات كثيرة بين غزو الكويت عام 1990 والحرب التي وقعت عام 2003.

إلا أن ذلك لا يعني أن العلاقات بين القوى الغربية وسوريا كانت جيدة. بل كانت عسيرة في الكثير من الأحيان، لكنها مرت بمراحل صعود وهبوط. كان النهج العام الذي اتبعته القوى الغربية هو استخدام مزيج من الضغوط والإغراءات على أمل بأن تغير سوريا طرقها. وقد تعاونت سوريا في بعض المجالات، ولم تفعل في المجالات الأخرى، وبدا أن الصورة العامة على كلا الجانبين، تُمثل محاولة للتعايش الحذر.

على الصعيد الداخلي، وفي ظل الحكم الوحشي بقيادة حافظ الأسد وحزب البعث، أصبحت سوريا واحدة من أكثر الأنظمة قمعية في المنطقة، بينما على الصعيد الدولي، اعتبرت نفسها جزءاً من محور “مقاومة” إسرائيل والنفوذ السياسي الغربي في الشرق الأوسط.

لم تكن المظالمالسورية ضد إسرائيل بلا مبرر، لأن إسرائيل لا تزال تحتل جزءاً من هضبة الجولان- الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. صارت سوريا بدورها مقراً “للمكاتب السياسية” لمختلف الجماعات الفلسطينية، بما في ذلك حماس، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين (PIJ)، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (PLFP) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة (PFLP) -GC). وقد أشار تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2005، إلى أن “الدعم الحكومي السوري للجماعات يختلف بحسب مصالحها الوطنية والضغوط الدولية”.

كما كان تطوير الأسلحة الكيماوية في سوريا مرتبطاً في البداية على الأقل بنزاعاتها مع إسرائيل، كرد فعل على الترسانة النووية الإسرائيلية. لأن الأسلحة الكيماوية أرخص بالنظر إلى تكاليف الإنتاج، ولذلك وصفت أحياناً بأنها “أسلحة الفقراء النووية”.

عقد صداقة مع بشار

عندما ورث بشار الأسد الرئاسة عن والده عام 2000، كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه تطور يبعث على الأمل. فقد كان لا يزال صغيراً نسبياً، يبلغ من العمر آنذاك 34 عاماً، ويبدو وكأنه شخصية معاصرة. وشغل منصب رئيس “الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية”، من بين أمور أخرى، وقدم بعض المبادرات الرامية إلى مكافحة الفساد، وللمرة الأولى منذ نحو أربعين عاماً، سمح بنشر صحيفة مستقلة (على رغم أنها لم تستمر لفترة طويلة).

كان لبشار أيضاً علاقات مع بريطانيا. بعد تخرجه من كلية الطب، أمضى بعض الوقت في لندن في إجراء دراسات عليا في طب العيون، وبعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة، تزوج من أسماء الأخرس، وهي مصرفية مختصة في مجال الاستثمار، تنحدر من عائلة سورية، ولدت وترعرعت في بريطانيا. كانت أسماء شخصية ساحرة جذبت اهتمام وسائل الإعلام، وساهمت في مساعدة شركات العلاقات العامة الغربية، في منح النظام صورة أكثر قبولاً.

استشعرت حكومة توني بلير الفرصة لإقامة علاقات أفضل مع سوريا، في ظل وجود رئيس جديد في دمشق، لديه معارف وأصدقاء بريطانيون مؤثرون. وقام بلير بزيارة سريعة إلى دمشق خلال جولة في الشرق الأوسط عام 2001، والتقطت له صور وهو يتحدث مع بشار في فناء المسجد الأموي التاريخي. كان هذا أول لقاء من نوعه منذ أكثر من 30 عاماً ولم تُجرى المناقشات بشكل جيد على نحو خاص. وبغض النظر عن ذلك، فقد استقبل بشار وزوجته في لندن في العام التالي في زيارة رسمية شملت الغداء في “10 داوننغ ستريت” مع الملكة.

كما قام ملك إسبانيا وملكتها بزيارة رسمية إلى سوريا في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2003، وهي الزيارة الأولى منذ أن اعتلى خوان كارلوس العرش عام 1975. ووُقعت خلال الزيارة اتفاقيات تهدف إلى تعزيز السياحة والاستثمار، واستمتع الزوج الملكي بجولة مميزة في مدينة دمشق القديمة.

وعام 2003 أيضاً، شرعت سوريا والاتحاد الأوروبي في التفاوض على اتفاقية الشراكة. وقد سبق أن أُبرمت اتفاقيات مماثلة من شأنها أن تمنح الامتيازات التجارية وتضمن التعاون في المجالات الأخرى مع العديد من دول المنطقة – الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن ولبنان والمغرب وتونس – والسلطة الفلسطينية. وعلى رغم اكتمال المفاوضات مع سوريا في نهاية المطاف، فإن الاتفاقية لم تُوقع أبداً. ومع ذلك، وبحلول عام 2011، كان الاتحاد الأوروبي رابع أكبر شريك تجاري لسوريا بعد العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

قانون محاسبة سوريا

في حين أن النهج الأوروبي تمثل في دفع الأسد نحو المزيد من التعاون السياسي من خلال الحوار والإغراءات، فإن الولايات المتحدة تميل إلى تفضيل إجراءات الترغيب والترهيب. منذ عام 1979، وصفت الولايات المتحدة سوريا باعتبارها دولة راعية للإرهاب، وفي عام 2003- بعد بضعة أشهر من غزو العراق- أقر الكونغرس قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانيةSyria Accountability and Lebanese Sovereignty Restoration Act. وقد أفضى ذلك القانون الذي حرض عليه مؤيدو إسرائيل في الأساس، إلى فرض عقوبات على سوريا نتيجة لإبقاء قواتها في لبنان ودعم المجموعات المسلحة المعارضة للاحتلال الإسرائيلي. كما دعا القانون سوريا إلى وقف تطوير أسلحة الدمار الشامل وإنهاء التجارة غير المشروعة مع العراق.

وصف الصحافي والناشط السياسي الفرنسي تيري ميسان، وهو أحد المؤيدين لنظرية المؤامرة، والذي كتب كتاباً ألقى فيه اللوم على فصيل من المجمع الصناعي العسكري الأميركي لضلوعه في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، في وقت لاحق الإجراء الذي اتخذه الكونغرس بمثابة إعلان للحرب على سوريا من جانب الولايات المتحدة. في الواقع، لم يتضمن القانون أي تهديد بالشروع في أي هجمات عسكرية، ولم يشر إلى تغيير النظام في سوريا، بل ذكر ست عقوبات محتملة:

●    تخفيض الاتصالات الديبلوماسية الأميركية مع سوريا.

●    حظر صادرات الولايات المتحدة إلى سوريا.

●    منع الشركات الأميركية من الاستثمار أو العمل في سوريا.

●    تقييد سفر الديبلوماسيين السوريين في واشنطن والأمم المتحدة.

●    حظر الطائرات السورية من الإقلاع أو الهبوط أو التحليق فوق الولايات المتحدة.

●    تجميد الأصول السورية في الولايات المتحدة.

تطلب القانون من الرئيس بوش أن يطبق اثنين على الأقل من تلك العقوبات، لكن سمح له بتعليق تنفيذها (لمدة ستة أشهر في كل مرة) إذا ما قرر أن فعل ذلك سيصب في “مصلحة الأمن القومي الحيوية للولايات المتحدة”. وفي النهاية، وقع بوش، الذي عارض هذا الإجراء في بادئ الأمر، وأصبح قانوناً، لكنه أصدر مذكرة إخلاء مسؤولية، جاء فيها:

“إن موافقتي على القانون لا تعني تبني مختلف البيانات السياسية الواردة فيه على أنها السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وبالنظر إلى التزام الدستور بمنح الرئاسة السلطة لإدارة الشؤون الخارجية للبلاد، يتعين على السلطة التنفيذية تفسير هذه البيانات السياسية على أنها استشارية …”.

انصب اهتمام بوش جزئياً على حماية الصلاحيات الرئاسية، وكذلك على القيود التي سعى القانون إلى فرضها على التعاملات الأميركية مع سوريا. وجاء في رسالة وجهت إلى الكونغرس، أوضح فيها بول كيلي، مساعد وزير الشؤون التشريعية، ما يلي:

“إذا ما تكللت جهودنا الرامية إلى تحقيق كل من السلام الشامل والحرب ضد الإرهاب، بالنجاح، فإن الرئيس ووزير الخارجية سيحتاجان إلى التحلي بالمرونة لتحديد أي مزيج من الحوافز والمثبطات، سيؤدي إلى تعظيم التعاون والنهوض بأهدافنا… لهذا السبب نحن لا نعتقد أن هذا هو الوقت المناسب للمبادرات التشريعية التي يمكن أن تُعقّد جهودنا، لأن فرض عقوبات جديدة على سوريا من شأنه أن يعرض قدرتنا على معالجة مجموعة من القضايا المهمة مباشرة مع الحكومة السورية إلى الخطر وجعل جهودنا أكثر صعوبة لتغيير السلوك السوري وتجنب حدوث تصعيد خطير في الأحداث”.

كما انتقد جون بولتون، وكيل وزارة الخارجية الأميركية المسؤول عن شؤون الحد من التسلح والأمن الدولي- الذي يُعتبر واحداً من أكثر الأعضاء تشدداً في إدارة بوش- تلك التحركات في الكونغرس وحث المشرعين على السماح للولايات المتحدة بمحاولة تغيير سلوك سوريا من خلال الوسائل الديبلوماسية قبل الموافقة على تطبيق القيود التجارية وغيرها من التدابير.

التقاء المصالح

يُعد العامل المُعقد هنا هو أن العلاقات السورية- الأميركية لم تكن دائماً متعارضة تماماً: إذ كان هناك أيضاً التقاء للمصالح في بعض الأحيان. في أعقاب غزو العراق للكويت عام 1990، على سبيل المثال، قدمت سوريا حوالى 20 ألف جندي للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في عملية عاصفة الصحراء (وقيل إنها ستُستخدم للمساعدة في الدفاع عن السعودية وليس في مهاجمة العراق). وعام 2002، وبصفتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي، صوتت سوريا لمصلحة القرار 1441- الذي حرضت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا – الذي أعلن أن العراق “في حالة انتهاك مادي” لقرارات مجلس الأمن السابقة، كما أنه ينطوي على تحذير العراق ما لم يمتثل للقرار، فإنه سيترتب على ذلك عواقب وخيمة.

وفي ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أشار تقرير لوزارة الخارجية عام 2005 إلى أنه في الوقت الذي أدان فيه المسؤولون السوريون الإرهاب الدولي بشكل علني، فإنهم يستثنون ما يعتبرونه “مقاومة مسلحة مشروعة”- من قِبل الجماعات الفلسطينية و”حزب الله” اللبناني، على سبيل المثال.

ولذلك على رغم وجود نقاط خلاف رئيسية، هناك أيضاً نقاط يمكن أن تتعاون فيها الولايات المتحدة وسوريا. وذكر التقرير أن سوريا تعاونت مع الولايات المتحدة وحكومات أجنبية أخرى “ضد تنظيم القاعدة والأفراد والمنظمات الإرهابية الأخرى”.

كما ادعت سوريا أنها أعادت أكثر من 1200 من “المتطرفين” الأجانب إلى أوطانهم واعتقلت أكثر من 4000 سوري حاولوا الذهاب للقتال في العراق. وأضاف تقرير وزارة الخارجية أنه “خلال السنوات السبع الماضية لم تكن هناك أي أعمال إرهابية ضد المواطنين الأميركيين في سوريا. وقد أكدت دمشق مراراً وتكراراً للولايات المتحدة أنها ستتخذ الإجراءات المُمكنة كافة لحماية المواطنين والمنشآت الأميركية في سوريا”.

الانسحاب من لبنان

في أعقاب الحرب الأهلية في لبنان عام 1990، أبقت سوريا على قواتها في البلاد وظلت أجهزتها الاستخباراتية تراقب عن كثب الموقف هناك. وفي غضون ذلك، سيطرت إسرائيل على جزء صغير من لبنان في المنطقة الحدودية الجنوبية حيث شنَّ “حزب الله”- حليف آخر غير تابع لدولة من حلفاء سوريا- نضالاً مسلحاً ضد الاحتلال الإسرائيلي. يكمن الجانب الإيجابي للحضور السوري داخل لبنان في تأمينه درجة من الاستقرار في الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية مباشرة، ولكن المعارضة اللبنانية لهذا الوجود زادت بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 ولا سيما بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005، عندما أشارت أصابع الاتهام إلى سوريا.

دفع مقتل الحريري إلى انطلاق “ثورة الأرز” في لبنان، فانتشرت الاحتجاجات التي تطالب بانسحاب القوات السورية. كانت هذه اللحظة صعبة على سوريا، إلا أن الأسد نزع فتيل الأزمة بسحب قواته من البلاد. وفي العام التالي، بعد أن شن “حزب الله” غارة عابرة للحدود، شنَّت إسرائيل حملة قصف دامت شهراً على لبنان، لكن سوريا، على رغم علاقاتها مع الحزب وخطابها الرسمي بشأن “مقاومة” إسرائيل، أبقت على نفسها بحصافة على الهامش.

وإيجازاً لهذه الأحداث، لا توجد إشارة على أن الحكومات الغربية خلال قرابة عشر سنوات سبقت الصراع، حاولت الإطاحة بنظام الأسد أو خططت بجدية من أجل هذه الغاية. إذ إن العلاقة، على رغم كونها عصيبة في بعض الأوقات، كان يُنظر إليها على أنها من الممكن إدارتها بالوسائل الديبلوماسية ومن دون مواجهة شاملة. كما تجدر الإشارة إلى أنه في مارس/ آذار 2011، خلال المراحل الأولى للثورة السورية، كانت هيلاري كلينتون لم تزل تصف الأسد بـ “مصلح”، إضافةً إلى أن مقالاً في صحيفة “هآرتس” وصفته بـ “الديكتاتور العربي المفضل لإسرائيل“.

الصقور تجتمع

لا شك في أن النهج الديبلوماسي للتعامل مع سوريا لم يمر من دون اعتراض. وكانت الأصوات التي تنادي باتخاذ إجراءات أكثر صرامةً حاضرة دائماً، ولا سيما في الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي كانت في الأساس من قبل الانتقائيين، وعلى ذلك يؤسس المعتقدون في استراتيجية تغيير النظام روايتهم على أنها حرب “مُخطط لها مسبقاً”.

يمكن ضرب مثال مبكر من خلال وثيقة “التغيير الجذري” (Clean Break) التي يعود تاريخها إلى عام 1996. أيدت هذه الوثيقة، التي أخرجها ريتشارد بيرل وآخرون ممن صاروا لاحقاً مؤثرين في إدارة بوش، الإطاحة بصدام حسين وتنصيب مملكة هاشمية في العراق باعتبارها خطوة أولى نحو إعادة تشكيل “البيئة الاستراتيجية” لإسرائيل. ولما كانت النية تسير في اتجاه اعتبارها مشروع سياسة خارجية لحكومة اليمين المقبلة التي يرأسها بنيامين نتانياهو، فقد حثت على تغيير تام للماضي واقترحت أنه بمجرد خروج صدام يمكن للأردن وتركيا تشكيل محور مع إسرائيل لإضعاف سوريا و”دحرها”.

على رغم الإشارة إليها في الغالب على أنها جزءٌ من مكونات تغيير النظام في سوريا، توقفت وثيقة “التغيير الجذري”- التي كانت مقلقة في نواحٍ عدة- عن الدعوة إلى فكرة الإطاحة بنظام الأسد. وبدلاً من ذلك، قالت إن إسرائيل يتعين عليها أن تتحرك كي “تحتوي” سوريا وقدمت ثلاثة مقترحات محددة في ذلك الاتجاه:

  • “ضرب أموال المخدرات السورية والبنى التحتية للتزوير في لبنان؛

  • موازاة سلوك سوريا من خلال تأسيس سابقة تشير إلى أن الأراضي السورية ليست حصينة من الهجمات المنطلقة من لبنان عن طريق القوات المقاتلة بالوكالة لمصلحة إسرائيل؛

  • ضرب الأهداف العسكرية السورية في لبنان، وإذا أثبت ذلك عدم كفايته، فستقوم بضرب أهداف مختارة في سوريا نفسها”.

في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول

يذكر بيرز روبنسون في المقال الذي نُشر على موقع Open Democracy المذكور أعلاه- الذي يبرز وسط مجموعة من الأكاديميين الذين يدفعون باتجاه مؤيد للأسد ومؤيد لروسيا- مناقشات بين بريطانيا والولايات المتحدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول باعتبارها دليلاً على أن سوريا مرصودة في محاولة لتغيير نظامها.

يذكر روبنسون في ذلك السياق فقرة من تقرير تشيلكوت حول دور بريطانيا في حرب العراق الذي جاء فيه (صفحة 324):

“في 15 أيلول، أفادت السفارة البريطانية في واشنطن، بأن الولايات المتحدة تنظر الآن إلى العالم عبر منظور جديد: سوف تشتد السياسة الأميركية تجاه العراق، ولا سيما إذا ظهر أي دليل يشير إلى ارتباط صدام حسين بالإرهابيين. كان “المؤيدون لتغيير النظام بعنف” في واشنطن يجادلون بأن ائتلافاً يتم تكوينه لغرض واحد (مواجهة الإرهاب العالمي)، ويمكن استخدامه للتخلص من المشكلات الأخرى في المنطقة”.

ويمكن بلا أدنى شك الاستدلال من مغزى النقاشات الأميركية البريطانية على أن دعم سوريا الإرهاب يُنظر إليه على أنه إحدى “المشكلات الأخرى” التي تحتاج إلى التخلص منها. بيد أن المسألة هي ما إذا كان تغيير النظام في سوريا كان يُرتأى على أنه جزءٌ من تلك العملية.

يناقش روبنسون هذا في مقال أكاديمي منفصل وأكثر تفصيلاً ويقتبس ما جاء في مذكرة رُفعت عنها السرية كتبها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في أيلول 2011، بعنوان “الحرب ضد الإرهاب: المرحلة الثانية”. تناقش المذكرة، التي أطلعت بريطانيا الولايات المتحدة عليها، ما ستفعل بشأن سبعة بلدان: العراق، والفلبين، وسوريا، وإيران، واليمن، والصومال، وإندونيسيا.

اقترح بلير ممارسة ضغط تدريجي على العراق “حتى نصل إلى مرحلة يمكن فيها القيام بتحرك عسكري إذا كان ضرورياً”. ويقتبس روبنسون جزءاً آخر من المذكرة بشأن سوريا وإيران، إذ كتب بلير: “إذا كانت الإطاحة بصدام هدفاً رئيسياً، فستكون الموافقة أو الإذعان للقيام بالأمر ذاته مع سوريا وإيران أسهل بكثير من ضرب الثلاثة دفعة واحدة”.

يعترف روبنسون بأنه ليس واضحاً من المذكرة كم من البلاد السبعة يُستهدف فيه تغيير النظام لكنه يقول “الحديث عن ضرب إيران وسوريا، البلدين اللذين لا يرتبطان بالإرهاب الإسلامي الأصولي الذي يُعتقد وقوفه خلف القاعدة وأحداث الحادي عشر من أيلول، يحمل بكل وضوح إيحاءً بنوع من التدخل العسكري”.

بل والأدهى على رغم ذلك أنه يُسقط اقتباس بقية فقرة بلير بشأن سوريا وإيران، التي تقول:

“أُفضّل إعطاءهما فرصة لعلاقة مختلفة: عبر المساعدة والدعم لبناء شراكة جديدة مع الغرب مقابل إيقاف دعم حزب الله وحماس ومساعدتنا في العراق. إنني لا أستخف بالمشكلات وراء هذا لكنني أعتقد أنه أمر ممكن”.

يقول روبنسون أيضاً في مقاله الذي نُشر في موقع Open Democracy، “تشير الوثائق المسربة إلى وجود خطط أميركية منذ عام 2006 لزعزعة استقرار سوريا”. يشير هذا إلى برقية ديبلوماسية كتبها وليام روبوك، سفير الولايات المتحدة في دمشق، تقيّم نقاط القوة ونقاط الضعف التي لدى نظام الأسد.

حددت البرقية عدداً من “نقاط الضعف” لدى النظام واقترحت طرقاً يمكن من خلالها استغلال هذه النقاط لمصلحة الولايات المتحدة. على رغم أن هذا يُظهر أن الولايات المتحدة كانت تحاول أن تسبب مصاعب للنظام، فلا يوجد أي مؤشر على أن الهدف كان الإطاحة بالنظام، أو أن الأميركيين اعتقدوا أنه من المرجح الإطاحة به.

وجاء في نهاية البرقية:

“خلاصة القول إن بشار يدخل العام الجديد في موقف أقوى مما كان عليه منذ أعوام عديدة، ولكن نقاط القوة هذه تحمل معها أيضاً- أو تخفي أحياناً- نقاط ضعف. إذا كنا مستعدين لاستغلالها، فسوف تقدم لنا فرصاً لعرقلة القرارات التي يتخذها، والاستمرار في الإخلال بتوازنه، وجعله يدفع ثمناً لأخطائه”.

قصة ويسلي كلارك

تعتبر القطعة الأخيرة من “دليل” روبنسون بشأن تغيير النظام- في مقالته ورقته البحثية الأكاديمية- روايةً يفضلها كثيراً متبنّو نظرية المؤامرة.

تشير القصة، التي سردها الجنرال الأميركي المتقاعد ويسلي كلارك في مناسبات عدة، إلى أنه زار زميلاً سابقاً في وزارة الدفاع بعد أسبوعين من أحداث الحادي عشر من أيلول وعلم أن قراراً قد اتُخذ بشأن خوض الحرب على العراق. وفي زيارة ثانية بعد أسابيع، أخبره زميله السابق عن مذكرة من صفحة واحدة ذهبت إلى أبعد من ذلك، واقترحت “القضاء على سبعة بلدان في خمسة أعوام”. كان العراق ضمن القائمة، كما هو متوقع، لكن سوريا وإيران أيضاً كانا ضمن هذه القائمة. فيما كانت البلدان الأربعة الأخرى التي ضمتها القائمة: لبنان، وليبيا، والصومال، والسودان، وذلك وفقاً لبعض روايات القصة.

يقول كلارك إنه لم يقرأ المذكرة بنفسه لكنه علم أنها بدأت في مكتب وزير الدفاع، دونالد رامسفيلد. ويبدو أنها ضربت مثالاً على الأحاديث العسكرية المتطرفة التي كانت تدور في واشنطن خلال تلك الأيام، والتي قال عنها كلارك لاحقاً إنها لم تكن بالضرورة خطة، “بل ربما كانت ورقة فكرية… نوع من مفهوم نظري”.

وفي أي حال، لم تتحقق المذكرة. انتهت فترة الخمسة أعوام منذ فترة طويلة ورحل رامسفيلد منذ فترة طويلة أيضاً، إلا أن ذلك لم يوقف بروز القصة بين الحين والآخر على شبكة الإنترنت باعتبارها دليلاً على النيات الأميركية تجاه سوريا.

إذا لم تنتشر احتجاجات الربيع العربي لتطاول سوريا في عام 2011 وتُقابل برد فعل وحشي، فمن المرجح جداً أن العلاقات بين سوريا والحكومات الغربية ستكون مثقلة على الطريق الوعرة نفسها التي شاهدناها خلال العقد الذي سبق اندلاع الصراع.

إذ إن الزعم بوجود خطة قائمة منذ فترة طويلة للإطاحة بالنظام يخدم هدفاً عسكرياً لكن الدليل لا يدعمه بكل بساطة. ويعد ذلك حالةً من محاولة رسم الحقائق كي تليق برواية مرغوبة، وهي رواية تلقي باللوم في حدوث هذا الصراع على المكائد الغربية بدلاً من أن تلقي باللوم على عقود من الديكتاتورية. ما يشكل إهانة موجهة إلى عدد لا يُحصى من السوريين الذين، قبل أن يتحول الصراع إلى أعمال عنف، خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإنهاء القمع.

*براين ويتاكر

  • هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.

إقرأ أيضاً