fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

 سجع وفكاهة وتشبيهات وتربص: الأمثال العامية المصرية

” قال الله يلعن اللي يسب الناس، قال الله يلعن اللي يحوج الناس لسبّه”، “أما أنا أمير وإنت أمير، مين حيسوق الحمير؟”، “لا تعايرني ولا أعايرك ده الهم طايلني وطايلك”.

عرفتُ الأمثال العامية المصرية من مصادر ثلاثة، أولها وأقربها خالة والدي رحمها الله، السيدة القصيرة القامة المرحة التي توفيت قبل ثلاثة عشر عاماً، وما سمعته متنقلاً في أرجاء مصر، ثم المرجع الأساس، كتاب “الأمثال العامية” الذي جمع فيه الراحل العلامة أحمد باشا تيمور (ت 1930) 3188 مثلاً مصرياً مرتبة هجائياً، علماً أننا لا نجد في هذا السفر الثمين “شخصيةً مصريةً” متناغمة، بل تنوعاً ذا رسائل متناقضة.

الفكاهة والتشبيهات طبعت ما استخدمته جدتي زينب (رحمها الله). “زي الدهنة الجامدة في الشوربة البايتة”، دهنٌ طافٍ في حساء بارد، هكذا كانت تصف الشخص الثقيل السمج، صورة مقززة، لكن دقيقة في حالات أذكرها. “ليمونة في بلد قرفانة”، كان وصفها ذات مرة لسيدة “شايفة نفسها” كما نقول نحن المصريين أو كما يقول اللبنانيون “شايفة حالها”، (نسخة المثل في كتاب تيمور باشا “عامل نفسه ليمونة في بلد قرفانة”).

كانت، رحمها الله، تكرر أمثالاً أخرى أكثر شيوعاً: “زي القط اللي في ديله ورقة”، وهو في وصف من يدور حول نفسه بلا طائل، و”خالتي عندكو، لا ما جاتش”، هذا ما كنت أسمعه أنا إن خرجت ودخلت مُسرعاً، كمن سأل سؤالاً ولم ينتظر جواباً. مثلٌ آخر أذكره منها: “اللي يلاقي دلعة (أي فرصة للدلال والدعة) ولا يدلّعهاش ربنا يدخله النار.”

لكن عموماً لا نعرف من أين على وجه الدقة أتى أيٌ من هذه الأمثال، من جنوب الصعيد القبلي الذي كانت السلطة المركزية فيه عادة ضعيفة أم من الدلتا المنبسطة حيث بطش الحكام قريب؟ أم من المدن الكبيرة ومراكز التجارة كالقاهرة أو أسيوط أو الموانئ؟ من فلاح أو تاجر أو صياد أو صاحب حرفة؟ أو من أي حقبة زمنية تحديداً؟ التخمين أقصى ما نستطيع.

 

الحاجة زينب كانت ابنة قلب القاهرة التاريخي، ما سمعته خارج العاصمة كان مختلفاً. في الصعيد أمثال تدعو إلى المباشرة والكد: “الصراحة راحة”، و”اشقى تلقى”، عكس مثل شائع في شمال البلاد، “كدب مساوي ولا صدق ملخبط”. في الشمال أيضاً مثلٌ منسوبٌ إلى الفلاحين (مقصود بهم فلاحو الدلتا تحديداً): “أحبك أحبك بس مش أكتر ما أحب نفسي”.

لكن عموماً لا نعرف من أين على وجه الدقة أتى أيٌ من هذه الأمثال، من جنوب الصعيد القبلي الذي كانت السلطة المركزية فيه عادة ضعيفة أم من الدلتا المنبسطة حيث بطش الحكام قريب؟ أم من المدن الكبيرة ومراكز التجارة كالقاهرة أو أسيوط أو الموانئ؟ من فلاح أو تاجر أو صياد أو صاحب حرفة؟ أو من أي حقبة زمنية تحديداً؟ التخمين أقصى ما نستطيع.

أمثال كثيرة عن الأسرة والزواج، وبرسائل متناقضة. مثلاً “آخد ابن عمي وأتغطى بكمي”، أي على فقره، زواج القريب أفضل، كما في عاداتٍ منتشرة في منطقتنا، وشبيه به “نار القريب ولا جنة الغريب”، مقابل ذلك “إن كان لك قريب لا تشاركه ولا تناسبه”؛ وهي دعوة إلى الابتعاد من قرابة الدم، وهو فكر لا تتيحه الا المدن.

وعن الرجال والزواج لدينا الكثير: “الراجل زيّ الجزار، ما يحبش إلا السمينة”، غير معلوم مدى دقة تشبيه الرجل بالجزار (اللحام) هنا. “الراجل ابن الراجل اللي ما يشاورش مرة”، و”الراجل ومراته زي القبر وأفعاله”، أي كالسر المكتوم، اللهم إلا إذا كان المقصود أن الزواج قبرٌ لا يدخله أحد راغباً، أو يُرسل إليه “راجل ابن راجل” لم يشاور زوجته. لذلك ربما قال بعضهم “ألف رفيقة ولا لزيقة”، أي ألف خليلة أفضل من زوجة لا تفارقك، فتصبحان معاً ساكني قبر.

مقابل هذه الأمثال “الذكورية”، رؤية أخرى. مثل شائع: “يا مأمنة للرجال يا مأمنة للمياه في الغربال”، أي إياكِ والثقة بالذكور الملاعين. “اللي يقول لمراته يا عورة تلعب بيها الناس الكورة” و”اللي يقول لمراته يا هانم يقابلوها ع السلالم”، المعاني واضحة. هناك أيضاً “ابنِك على ما تربيه وجوزِك على ما تعوديه”، واضح تماماً هنا من يقرر، لكن هناك نسخة تبدو من هذا المثل للرجال “ابنَك على ما توخده وحمارك على ما تعوده”. غير واضح هل يساوي الزوج بين ابنه والحمار، أم أن هناك نسخة نسائية، الحمار فيها إشارة للزوج؟

وعن الأبناء و”تعويدهم”: “اكسر للعيل ضلع يطلع له ضلعين”، ولا اظن المقصود المعنى الحرفي بل أن التربية القاسية تورث الصلابة، وكذلك “اضرب ابنك واحسن أدبه ما يموت إلا لما يفرغ أجله”، أي ضربك إياه لن يقتله، بل ساعته المحتومة، اللهم طبعاً إلا إن كان قدر هذا المسكين أن يقتله أحد أبويه. وعكس هذا “كتر الضرب يعلم البلادة”، و”كتر الشد يرخي”، أي الإفراط في الشدة قد يؤدي إلى عكس المطلوب.

هناك أمثال عن ضرورة مراعاتك مصالحك بنفسك. مثلٌ سمعته تكراراً في شمال مصر: “بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم” (وهذا مما لم يذكره كتاب تيمور باشا)، لعنة إهمالك لشأنك أسوأ من نقمة الله على الظالم، و”احضر إردبك يزيد”، و”الإردب” وحدة وزن ثابتة، لكن حضورك يضمنه، ومثله “اللي غيطه على باب بيته هنيا له”، و”الغيط” الحقل. الشك حاضر والثقة في الآخرين محدودة، من ثم أمثال تحث على سرعة تحصيل المال العاجل وإن قل عن الآجل: “بيضة النهارده أحسن من خروف بكرا”. وهناك أمثال أخرى تدعو إلى توفير المال، أياً كان مصدره، “اداين وازرع ولا تداين وتبلع”، بمعنى إن عجزت عن الدين أو استطعت الحصول عليه فاقتصد “جوع سنة واغتني العمر”، ولا تصنف الخسارة خيراً: “يكبوا القهوة من عماهم ويقولوا خير من الله جاهم”. وإن سعيت في عملك فلا تخشَ الفشل: “الخسارة تعلم الشطارة (أي المهارة)”. وإن طلبت تحمل الثمن: “اللي ياكل العسل يصبر لقرص النحل”، وإن سعيت في رزقك الزم الجرأة: “الحيا في الرجال يورث الفقر”، والذكي واسع الحيلة لا يلم غيره ، فكما في مثلٍ شائع: “الشاطرة تغزل برجل حمار”.

و”لأن “الشاطرة تغزل برجل حمار”، يورد تيمور باشا مثلاً بليغاً قلما نسمعه اليوم: “لما اتفرقت العقول كل واحد عجبه عقله ولما اتفرقت الأرزاق محدش عجبه رزقه”، لا تلم سوى نفسك على ما جناه عليك رأيك. هنا أيضاً تتناقض الرسائل ربما بتناقض المصادر. عدد من الأمثال يرفع من قيمة التخصص وطلب الاحتراف، أشهره اليوم “ادي العيش لخبازه”، و”العيش” الخبز، أي دع الصنعة لأهلها، وإن أردت المهارة فسعيك إلى الكمال لا يتوقف: “يموت المِعلم وهو بيتعلم” و”المِعلم” هو من ملك زمام حرفته، ولأن حُسن الصنعة هو الأصل، لا ننسى أمثالاً تسخر من مدعي ما لا يحسنون: “أعمى يجر أعمى ويقول له ليلة سعيدة إن اجتمعنا”.” والأسوأ هو السعيد بجهله: “من نصح جاهل عداه”، فهذا ربما من يصح فيه مثل آخر: “عيوبي لا أراها وعيوب الناس أجري وراها”. أما الحكيم فهو من يطلب النصح: “شاور كبيرك وصغيرك وارجع لعقلك”، وهي دعوة إلى الإصغاء للنقد وإن أتى قاسياً، كما في المثل الشائع: ” يا بخت من بكاني وبكي عليا ولا ضحكنيش وضحك الناس عليا”. مقابل ذلك أمثال عن “البخت”، أي الحظ، وكيف يعوض عن المهارة والحكمة، مثلاً: “قيراط بخت ولا فدان شطارة” والقيراط والفدان وحدتا قياس، الأولى جزء على أربعة وعشرين من الأخيرة، و”الشطارة” المهارة، ومن ثم أيضاً، عن سوء الحظ وصعوبة التحرر منه: “قلت لبختي انا رايح اتفسح، قاللي وراك وراك هو أنا مكسح.”

“شطارة” أم لا، النجاح يتطلب الكتمان، هذا من قليل لا تتناقض فيه هذه الأمثال في منطقة يسود فيها الإيمان بالحسد، عند المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. من ثم التعجب ممن لا يحذر العلانية: “خزانة من غير باب ويقولوا يا الله إكفينا شر الحساد”، تأثير “العين” لا خلاف عليه: “من قروا عليه عزوه” و”القرّ” في العامية المصرية الحسد، لكن عكس ذلك “إيش يعمل الحسود في المرزوق”، أي من قرر الله أن يرزقه فلن يؤذيه حسد. استثناء الإعجاز الإلهي لا يلغي قاعدة الحسد. ومع الكتمان يأتي امتلاك اللسان. عموماً: “اكتم سرك تملك أمرك”، ثم هناك المثل الشائع “لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك”، وأمثال أخرى أقل شيوعاً: “سلامة الإنسان في حلاوة اللسان”، و”طاعة اللسان ندامة”، وإن أردت صورة مقززةً لن تنساها: “البق المقفول ما يخشوش دبان”، وهناك تعبيرٌ عن مدى الخوف من اللسان: “اللي يكرهه ربنا يسلط عليه لسانه”، أما من تمكن من لسانه بلاغة وإقناعاً فشأنه مختلف: “حلاوة اللسان عز بلا رجال”.

التشبيهات كما السجع حاضرة في كثير من هذه الأمثال التي يصدر معظمها أحكاماً  لا تقبل التغيير. “الطبع يغلب التطبع”، لذلك “أكل الحق طبع”، “الدناوة طبع”، “الشحاتة طبع”. وفي صورة أخرى يصعب نسيانها طعماً ورائحة: “افتكر لك إيه يا بصلة وكل عضة بدمعة”، و”البصلية” في معظم الأمثال موروثة: “أبوك البصل وأمك التوم منين لك الريحة الطيبة يا مشوم”، من ثم تكرار كلمة “العرق” كناية عن الدم: “العرق دساس” (أي يخفي أثره لكنه باقٍ)، و”العرق يمد لسابع جد”، و”العروق تجمع بعضها” (أي أصحاب الطبائع الموروثة يألفون أشباههم). ولا تنتظر تغيراً: “ابن الديب (الذئب) ما يترباش”. حتى الشعيرة التي تمحي الذنوب لن تجدي نفعاً :”اللي فينا فينا ولو حجينا (أي أدينا فريضة الحج) وجينا”. وكل هذا لا يخفى: ” قال يا أبويا شرفني، قال لما يموت اللي يعرفني” ولا يفاجئنك ما يأتي منه “العيب من أهل العيب ماهوش عيب”. يبقى الشريف شريفاً والوضيع وضيعاً وإن تبدلت حالاهما، فمن جهة: “الصقر صقر وله همة، يموت م الجوع وما ينزل على رمة”، ومن جهة أخرى “الغراب ما يخلفش صقر”، و”الأصل الرديء يرد على صاحبه.” والتنشئة هنا رابط الطبائع: “عيب الولد من أهله”، و”اقلب القدرة على فمها تطلع البت (البنت) لأمها” ومثله المثل الصعيدي الذي لا يورده تيمور باشا “البت إن فسدت شق أمها”، إذاً الملامة على من ربت. ولأن “الرك (أي التركيز) ع الأصل”، كما في التعبير الشائع، فالسخرية نصيبك إن نسيت هذا “الأصل”: “أمه عياشة (أي بائعة خبز: عيش) وعامل باشا”. الزم مكانتك: “من عرف مقامه ارتاح”. مثل استثنائي يناقض ذلك: “اللي يقول أبويا وجدي يورينا فعله.”

وفي “الجوهرية” حيث كانت الزراعة تقليدياً عماد الحياة، متوقع أن ينال “الفلاح” (وهو غير الصعيدي ابن الجنوب) نصيباً أكبر من “الجوهرة”، مثل شائع  لا يورده تيمور باشا: “الفلاح لما يتمدن (أي يسكن المدن) يجيب لأهله مصيبة”، شبيه به “الفلاح مهما اترقى ما تروحش منه الدقة” والـ”الدقة” الوشم وقد كان شائعاً بينهم. وهناك أمثال عن أقاليم البلاد المختلفة، وتحديداً عن بعض مدنها، مثلاً “ميت نوري ولا دمنهوري”، النوري: الغجري، والدمنهوري ابن مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة في الشمال. هناك أيضاً أكثر من مثل عن “المنوفي” وهو في الأصل ربما ابن مدينة منوف، شمال القاهرة، لكن ينسب الآن إلى كل أبناء محافظة المنوفية التي ينحدر منها ثلاثة من خمسة رؤساء حكموا مصر منذ إنشاء الجمهورية: “تِعبان (ثعبان) ع الحيط ولا منوفي في البيت”. في كتاب تيمور باشا المدينة الوحيدة التي يذم أبناءها بالاسم “بلبيس” الواقعة شرق القاهرة، والتي ربما كانت محطة على طريق القوافل: “زي ولاد بلبيس يبيعوا العيش ويشحتوه” أي يبيعونك الخبز ثم يتسولونه منك، وكذلك “بعر السويس ولا رُطب بلبيس”، والبعر روث الجمل. وكما سلفت أمثلة تسخر من الفلاحين، تنظر أخرى باستعلاء إلى أهل الصعيد: “كل شي ييجي من الصعيد مليح إلا رجاله والريح.”

في وطن الفرعون والفرعونية، مع هذه الأمثال التي تتحدث عن الشرف بمفهومٍ قبلي هناك، مرة أخرى، نجد معاني متضاربة في التعامل مع السلطة، وإن غلب على معظمها لون واحد. مثلان شائعان يختصران الصورة تناقضاً ودقة: “إن كان لك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي”، و”قال يا فرعون مين فرعنك؟ قال ما لقيتش حد يردني”

وكما تتباين الطبائع، جواهر ثابتة، تتضارب النصائح قيماً وتوجهاً، وكأن بعضها من مجرمين وأخرى من أهل استقامة لا تلين. بعض الأمثال تنم عن “حال حرب”، على حد تعبير الفيلسوف الإنكليزي “هوبز”، لا تعرف أخلاقاً أو رحمة: “أتغدى به قبل ما يتعشى بيك”،” اللي تعرف ديته اقتله “(وهو يستخدم الآن على سبيل المجاز، بمعنى ما عرفت كلفته قم به)، و”اللي تغلب به العب به”، ولا بأس بإيذاء البريء تحكماً في المذنب، أو فقط تخويفاً للسيطرة : “اضرب البريء لما يقر المتهوم” و”اضرب المربوط يخاف السايب”. لكن التوحش يصل مداه في المثل:” أن شفت أعمى دبه، وخد عشاه من عبه، ما أنتش أرحم من ربه”. مقابل هذا، أمثالٌ تبدو آتيةً من عالم آخر: “اعمل المعروف في أهله وغير أهله”، “اخلص النية وبات في البرية” (أي كن مخلصاً، حَسن النية وإن كلفك ذلك النوم في العراء)، والمثل الشائع: “امشِ دُغري يحتار عدوك فيك”، و”دُغري”، كعشرات الكلمات في العامية المصرية، كلمة عثمانية من أصول فارسية، تعني حرفياً: الخط المستقيم، والدلالة هنا أخلاقية. ومقابل هذا الشر الحاضر الذي يختصره المثل الشائع: “ابن الحرام مخلاش (أي لم يترك) لابن الحلال حاجة”، هناك نصائح للحذر: “اللي تستهر به يغلبك”، وإن اردت التزام الأخلاق فتعلم طريق أهل الشر اتقاءً لا سلوكاً: “اتعلم السحر ولا تعمل به”، وإن كنت لا تعلم: “الحداية (الحدأة) مابترميش كتاكيت”، لا تتوقع خيراً من المفترس، وإن تأذيت فربما قد فات أوان الصفح: “تضربني بقطع راسي، تصالحني أجيب راس منين؟”.

وعن العفو والعدوانية والانتقام تتضارب أيضاً الرسائل، وإن كان الصوت الأعلى أقرب إلى مفهوم الشرف القبلي الذي يعم منطقتنا، حيث تغيب الحاجة إلى الانتقام إن حضرت القدرة،: “يا بخت من قدر وعفى”، وكما في الصعيد، حيث لا ثأر ممن أتى حاملاً كفنه، “من سلّم سلاحه حُرم قتله”، من ثم أيضاً، “اقبل عذر اللي يجيلك لحد باب الدار”. أما المغلوب على أمره فليس له سوى الكلام: “سلاح الضعيف الشكية”.

لكن في وطن الفرعون والفرعونية، مع هذه الأمثال التي تتحدث عن الشرف بمفهومٍ قبلي هناك، مرة أخرى، نجد معاني متضاربة في التعامل مع السلطة، وإن غلب على معظمها لون واحد. مثلان شائعان يختصران الصورة تناقضاً ودقة: “إن كان لك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي”، و”قال يا فرعون مين فرعنك؟ قال ما لقيتش حد يردني”، أي لم أجد من يوقفني عند حدي. أمثالٌ تحث على الثبات: “ضرب الطوب ولا الهروب”، والكرامة ولو لحياة قصيرة: “عيش في العز يوم ولا تعيش في الذل سنة”، وأخرى تغالي في الخنوع: “ضرب الحاكم شرف”، “وارقص للقرد في دولته”، وفي نفاق السائد أياً كان: “إن دخلت بلد تعبد عجل، حش واطعمه”، و”الحش” في العامية المصرية كما في أصله العربي الفصيح القطع، ويقصد به قطع العشب. العلاقة بالعجل وعابديه هنا تبطن الاستخفاف. التظاهر لا يغير السريرة: فبينما “السلطان من هيبته ينشتم في غيبته” و”اللي ما تقدر توافقه نافقه، يتستر التربص وراء الاستسلام: “الإيد اللي ما تقدر تقطعها بوسها (أي قبلّها)” وكذلك “اتمسكن لما تتمكن”، ادعي الضعف حتى تسيطر.

لذلك من يقرأ كتاب تيمور باشا، مثلما سيجد تعبيراً عن مواقف المحكومين ومنطقهم، سيجد نصحاً لمن يملك السلطة بالمنطق نفسه لكن من “الجهة المقابلة”. لا يغرنك مظهر السكون: “كل راس مطاطية تحتها ألف بلية”، كذا المثل الشائع “يا ما تحت الساهي دواهي”، و”الساهي هنا تعني شبه الغائب النائم. كيف إذاً تضمن السلطة؟ “شعرة معاوية” حاضرة، من ثم “اللّيّن ما ينكسرش”، لا حكم بلا سياسة، ولا سياسية بلا مرونة. الكلام كما أسلفنا، سيفٌ ينتصر من دون دمٍ مُراق: “حلاوة اللسان عز بلا رجال” (“السياسي” في العامية المصرية، بخاصة في الشمال، هو من يملك قدرة الإقناع وحل النزاعات وإن استعصت بطلاقة لسانه). وبينما منطق التجبر موجود كما في أمثال ذكرناها (“اضرب المربوط يخاف السايب”) منطق العلاقة ذات الطرفين هو الأساس. من ثم التعبير الشائع “اطعم الفم تستحي العين”، وأبلغ منه “خادم القوم سيدهم”، وأوفى منه: “اللي يعمل ريس يجيب الريح من قرونه”، أي من طلب الرئاسة- وربما كان أصل المثل من نوتية (بحارة)- فعليه أن يأتي بالرزق، إن أردت الطاعة فعليك، عاجلاً أم آجلاً، تسديد ثمن الولاء، سيف المعز من دون ذهبه ظرف طارئ، عدا ذلك: “زي جمعية الغربان، أولها كاك وآخرها كاك”.

 

إقرأ أيضاً