fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

زمن الغضب لا الكياسة…

وقف الممثل الأميركي روبرت دينيرو في حفل توزيع جوائزTony Awards، الشهر الماضي على المسرح، نظر إلى الجمهور وابتسم، رفع يديه وقال بصوت عال: “Fuck Trump”.

ثارت ثائرة الجمهوريين وبعض الديموقراطيين الذين رأوا أن أسلوب المواجهة الفظ والبذيء هذا يمكن أن يقوّي الرئيس الأميركي بدل تقويض خطره. لكن الجدل لم يصل إلى حد مقاضاة دينيرو والحكم بسجنه مثلاً أو تجريده من حقوقه المدنية، على غرار أحكام تتكرر هنا في المنطقة تجاه من يرفع صوتاً غاضباً وحانقاً بعبارات بذيئة.

تعيش الولايات المتحدة ومعها العالم كابوس الحقبة الترامبية، التي باتت تنتهج سياسات شعبوية تزخر بالكراهية والتمييز بصفتهما عناصر الهوية الوطنية. هذا الجنون دفع بالبعض إلى تجاوز حدود اللياقة في طريقة الاعتراض، تماماً كما فعل دينيرو…

لكن ألم يتجاوز ترامب نفسه حدود اللياقة مرات ومرات ومنذ زمن بعيد؟

ولأن المقارنات حاضرة دائماً، يبدو أن النموذج الترامبي يلقى رواجاً كبيراً، فها نحن نشهد كيف ينحو مزيد من القادة والسياسيين والشخصيات العامة في العالم خصوصاً في المنطقة العربية نحو الشعبوية والتسلط والكراهية، سياسةً ولغةً وممارسةً. يحصل هذا فيما تصرّ أنظمة بعينها على ملاحقة أشخاص وسجنهم لأنهم كتبوا تعليقاً أو رأياً ما، وهذا مزاج تبدأه الأنظمة وتنظّر له بصفته حماية للأمة وللوطن، لكنه سرعان ما ينتشر كالوباء فيكثر المهللون لسجن البعض وتوقيفهم وإهانتهم، لأنهم قالوا قولاً ما…

فلماذا نشعر بالإهانة من كلمات وليس من سياسات عامة وممارسات فعلية؟ فالتعبير عن الغضب المبرر ليس وقاحة، وإن اسُخدِمت لغة فجّة ولاذعة.

في لبنان مثلاً، عمد وزير الخارجية جبران باسيل إلى رفع 11 دعوى قضائية ضد الصحافي فداء عيتاني، وتمكن من الحصول على حكم ضده بسبب تعليقه اللاذع ضد باسيل، بعد أن مات موقوفون سوريون تحت التعذيب في سجون الجيش اللبناني صيف 2017، فقرر القاضي سجن عيتاني وتغريمه، إلا أن الأخير بات خارج البلاد لاجئاً في بريطانيا.

فلماذا نشعر بالإهانة من كلمات وليس من سياسات عامة وممارسات فعلية؟ فالتعبير عن الغضب المبرر ليس وقاحة، وإن اسُخدِمت لغة فجّة ولاذعة.

ترى كيف يستطيع خبراء الذوق والكياسة أن يشرحوا لباسيل مثلاً أن موت لاجئين سوريين تحت التعذيب في سجون الجيش اللبناني هو أمر سيئ ويدفع إلى الغضب، وهذا ما عبر عنه عيتاني في تعليقه اللاذع؟

فتحت “السوشيل ميديا” باب البذاءات والشتائم على مصراعيه، إذ بات لكل شخص منبره الخاص، حيث يلقي ما يحلو له من عبارات وشتائم، فهل نسجن الجميع وهل يهاجم الناس بعضهم بعضاً جراء ذلك؟

لا شك في أن لغة الشتم والتشهير قد استفحلت، وهي تنعكس ضرراً على القضايا المحقة، لكن الانشغال بتصيّد الناس الذين يقولون قولاً فظاً، أمر سخيف. صحيح أن لغة الشتائم والكراهية ليست وسيلة مثلى للتعبير عن الغضب، كما أنها ليست طريقة مقنعة، ولكنها لا تعني في أي حال من الأحوال أن الأشخاص الذين يسبّون ويلعنون، يتساوون مع أولئك الذين يضطهدون.

وفي الحقيقة ليس كل الغضب مذموماً، فإذا كان هناك قادة وسياسيون يريدون للذم أن يتوقف، فعليهم ببساطة أن يتوقفوا عن فعل ما يثير ذلك. وحين يتعلق الأمر بالتمدن في المسار السياسي، فإن الطبقات السياسية الحاكمة بمعظمها والمدافعين عنها، ليسوا في موقع يسمح لهم بالتنظير وإطلاق المواعظ، وأي ادعاء بأنهم يملكون الأرضية الأخلاقية لذلك تبدده سريعاً لغتهم وممارساتهم…

لقد استعمل وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إشارات فاضحة علناً لدى حديثه عن ديبلوماسية لبنانية في فيديو شهير سيبقى في الذاكرة لشخصية رسمية وهو لم يعتذر ولم يلاحق رسمياً بسببه. وباسيل رفض المساواة بين اللبنانيات حين قال إنه ليس من حق اللبنانيات المتزوجات من سوريين وفلسطينيين منح الجنسية لأبنائهن. الأمر هنا يتجاوز اللياقة وقواعد السلوك، فنحن أمام مسؤول خرق معايير الديموقراطية والحقوق وشجع على الكراهية والتمييز.

هذا تماماً ما يفعله مسؤولون وحكام يومياً، وهم يرون كيف يتخبط العالم ببذاءة ترامب وشعبويته فيشعرون بأنهم غير ملاحقين إن هم تصرفوا مثله.

ليس من المنطقي أن نسجن أنفسنا بمعايير اللياقة بينما يقوم آخرون بتدنيس الديموقراطية نفسها. تكثر السوابق التاريخية حيث يشعر الناس، في وقت لاحق، بأن كان عليهم فعل المزيد عندما تتاح لهم الفرصة.

هذا الزمن البائس الذي نعيشه لا يدعو إلى الكياسة بل إلى الغضب، بل وكثير منه..

 

إقرأ أيضاً