هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

روسيا ستحتلُّ العالم هذا الصيف

في الموعد “المقدس”، كل أربع سنوات، تجتمع شعوب ومدن الأرض، من أجل هذا الحدث الكبير، هذا الطقس الذي يتحول فيه اللاعبون إلى أبطال ملحميين، يحملون توق شعوبهم إلى الإنتصار والتفوق والفخر.
من أجل تلك الكأس الذهبية، سيسهر العالم كله ويذرف الدموع ويطلق العنان للصرخات واللعنات. من أجلها سيترك الناس أعمالهم وواجباتهم ويشاهدون بأعلى معدل للأدرينالين تلك الركلات الذكية والتمريرات المستحيلة والأهداف المدوّخة. تلك هي أكثر الأوقات التي ترتفع فيها الصلوات بكل اللغات من الأرض إلى السماء.

ابتداء من العام 1930، نظم اتحاد كرة القدم الدولي (الفيفا)، وبناء على اقتراح الفرنسي جول ريميه، أول بطولة عالمية لكرة القدم في الأوروغواي. منذ ذلك الحين، باتت تلك الكرة التي تزن حوالى 450 غراماً، والمسماة الساحرة المستديرة، هي معبودة الجماهير الأولى في العالم. حوالى 3 مليارات و200 مليون شخص تابعوا وشاهدوا المونديال عام 2014. وهناك في العالم 250 مليوناً يمارسون هذه اللعبة.
ما من هدف أسمى من الحصول على تلك الكأس المهيبة: بطولة العالم. بلدان قليلة حظيت بهذا الشرف. البرازيل وحدها رفعتها خمس مرات. فرنسا وإسبانيا لم تتمكنا سوى مرة واحدة من نيلها. فيما الحظ التعس ما زال يلاحق الهولنديين. لم يفز أي بلد أسيوي أو أفريقي بالبطولة حتى الآن. كأنها امتياز أوروبي – أميركي لاتيني.

هذا العام سيتنافس 32 منتخباً على إحراز الكأس الغالية التي تزن 4.970 كلغ ويبلغ طولها 36سم وهي من الذهب الخالص عيار 18 قيراطا. صممها الإيطالي سيلفيو كازانيغا وقال عنها: “حاولت أن أجسد جمالية هذه الرياضية العالمية، وعظمة الرياضيين لحظة الانتصار”. تم تجديد الكأس عام 2005، ويمكن للمنتخب الفائز أن يدوّن اسمه عليها حتى نسخة عام 2038، حين ستستبدل بكأس أخرى بتصميم مختلف.
في مونديال روسيا تصب الترجيحات كالعادة على العمالقة: البرازيل أولاً، التي تجهز نفسها لمحو عار 2014، وتعيد الاعتبار لتاريخها الناصع. ألمانيا، المرشحة الدائمة والحاضرة باستمرار في المناسبات الكبيرة. فرنسا آتية بمنتخب يخشاه الجميع. إسبانيا المهيمنة على أوروبا منذ سنوات، تجدد روحها بمنتخب فائض المواهب والقوة. الأرجنتين واثقة من نفسها هذه المرة، وبقيادة ليونيل ميسي تسعى مجدداً لتأكيد جدارتها بالكأس.
في هذا السياق، يمكن القول أن أكبر مفاجأة بهذا المونديال غياب الكبيرين: هولندا وإيطاليا.

ستتحول ملاعب روسيا هذا الصيف بالنسبة لمليارات البشر قبلة الأنظار والأفئدة، أرضاً للتضرع والبهجة، للتعصب أحياناً وللإلتقاء والانسجام الإنساني. ستكون المدن الروسية المستضيفة فائضة بجنسيات العالم من كل الأعراق والأديان والثقافات، في مشهد نادر على وحدة حال سكان الكرة الأرضية

هولندا، البلد الذي “اخترع” فلسفة الكرة الشاملة، وقدم نجوماً عبر تاريخ اللعبة من طراز يوهان كرويف “الطائر”، والأسطوري القناص فان باستن، و”الغزال” رود غوليت، ورونالد كرومان “البلدوزر” وهو المدافع الهداف، ثم هناك العقل والمايسترو دنيس بيركامب، والماكر رود فان نيستروي، وأريان روبن..
هولندا اليوم خارج المونديال. الحظ التعس الذي حرمها من الكأس مرات عدة، أبرزها على الإطلاق ذاك النهائي المأسوي أمام ألمانيا عام 1974، وآخرها ملاقاة اسبانيا في نهائي 2010، بات لعنة الآن مع إقصائها المفاجئ.

حاملة اللقب أربع مرات، وهي اليوم محرومة من المشاركة لأول مرة منذ ستين عاماً. تدهور إيطاليا بدأ مباشرة بعد فوزها باللقب عام 2006، فخرجت خائبة من الدور الأول في جنوب أفريقيا عام 2010، وأتت المفاجأة في البرازيل 2014، بخسارة إيطاليا أمام الأوروغواي لتودع البطولة باكراً. الكبوة الإيطالية باتت كارثة هذه المرة مع عدم تأهلها إلى روسيا.
ما بين 14 حزيران / يونيو و16 تموز/يوليو ستخوض منتخبات 32 دولة 64 مباراة، لا فقط من أجل الانتصار وإلحاق الهزيمة بالخصم، بل من أجل المتعة والشغف والمغامرة والحلم، والأهم من أجل الخلود التاريخي. خلود يريده رؤساء الدول المشاركة وملوكها وديكتاتوريوها وحكوماتها، يريده زعيم البلد المستضيف، اللاعبون بالتأكيد، المدربون أيضاً، حكّام الملاعب طبعاً، والمعلقون التلفزيونيون، جمهور الملاعب… وحتى الطاقم الطبي لكل فريق.
في الدور الأول تقسم المنتخبات الـ32 المشاركة 8 مجموعات تضم كل منها 4 منتخبات. يتأهل الأول والثاني من كل مجموعة للدور الثاني. ويخوض كل منتخب في كل مجموعة 3 مباريات، فينال الفائز ثلاث نقاط، ونقطة عن كل تعادل، بينما لا ينال الخاسر أي نقطة. في حال تساوي منتخبين أو أكثر بالنقاط، يتم الحسم بالاحتمالات الست الآتية: 1 ـ فارق الأهداف، 2 ـ عدد الأهداف المسجلة، 3 ـ عدد النقاط المسجلة في المواجهات المباشرة، 4 ـ فارق الأهداف في المواجهات المباشرة، 5 ـ عدد الأهداف المسجلة في المواجهات المباشرة، 6 ـ سحب القرعة.
بدءاً من الدور ثمن النهائي وحتى المباراة النهائية يتم الاحتكام في حال التعادل في الوقت الأصلي، إلى شوطين إضافيين مدة كل واحد منهما 15 دقيقة، وفي حال استمر التعادل يتم الحسم بضربات الترجيح.
بغض النظر عن النتائج، من سيربح ومن سيخسر، هو شهر من الإثارة والتشويق وخفة المرح وقوة الهتافات والتصفيق وهستيريا “الغوووول” وآلام الخيبة ونشوة الفوز.. شهر سنهمل فيه مواعيد الحب والواجبات العائلية ومهمامنا الوظيفية والحزازات الشخصية وخناقات القرى وصراعات السياسة وأخبار الحروب.. سنهمل مناسباتنا الاجتماعية وأعمالنا المنزلية، سننسى متاعبنا اليومية وهمومنا وامتحاناتنا المدرسية، سنؤجل تسوقنا وقراءاتنا وخطط العطلة الأسبوعية من أجل متابعة كل مباراة.
ستتحول ملاعب روسيا هذا الصيف بالنسبة لمليارات البشر قبلة الأنظار والأفئدة، أرضاً للتضرع والبهجة، للتعصب أحياناً وللإلتقاء والانسجام الإنساني. ستكون المدن الروسية المستضيفة فائضة بجنسيات العالم من كل الأعراق والأديان والثقافات، في مشهد نادر على وحدة حال سكان الكرة الأرضية.
قبل هذا الحدث، سنتحدث تقريباً عن كل ما يتعلق بالمونديال وبكرة القدم. عن المنتخبات المحظوظة وتاريخها، عن مميزات كل فريق،. كيف انتقلت من عصر القوميات إلى زمن تعدد الجنسيات، كيف تجمع الرعاع والنخبة، الفقراء والأغنياء، المثقفين والأميين.
من هم أولئك النجوم الذين يلهمون الشبان، الأبطال المعشوقين الذين ينتظرهم الكبار والصغار من مباراة إلى أخرى من أجل أن يشهدوا لمحاتهم العبقرية ولمساتهم السحرية وحركاتهم الإعجازية. من هم مدربو المنتخبات الذين يشبهون قادة الجيوش العظماء في وضع الخطط وإدارة المعارك وتوزيع الأوامر. كيف تطورت اللعبة ومدارسها وأساليبها في كرة القدم المعاصرة. ما الأثر المتبادل بين انتشار التلفزيون وكرة القدم، وما هو أثر التطورات التكنولوجية والعلوم الطبية على تقنيات اللعبة ومهارات اللاعبين.. بل وحتى على ملابسهم وأحذيتهم وطعامهم ومشروباتهم وتمارينهم.

والأهم سنتحدث عن كرة القدم وشعبيتها في العالم العربي، ما الذي تغير فيها منذ بدء البث الفضائي المباشر وحتى اليوم، عن المنتخبات العربية الأربعة مصر والسعودية والمغرب وتونس المتأهلة إلى المونديال معاً، وعن اللاعبين العرب الأبرز في عالم الاحتراف.

على امتداد شهر المونديال سنأخذكم يومياً من ملعب إلى ملعب، قبل كل مباراة سنقدم معطيات كل فريق وتاريخه وإمكاناته وفرصه. نقاط قوته وضعفه، كيف يلعب وما هو أسلوب أدائه؟ وبعد كل مباراة سنقدم تحليلاً يومياً للمجريات، لأسباب الفوز والهزيمة.

سنقدم كرة القدم كثقافة وفن ورياضة وذاكرة شعوب وأحوال مجتمعات وسياسة وبيزنس ومتعة وسياحة. والأهم أننا سنتحدث عن اللعبة وأسرارها بالشغف الذي يليق بها. 

تابعونا على درج.. 

 

إقرأ أيضاً