هنا القصة الثالثة

بكر صدقي

مقالات الكاتب

روسيا تختبر نفسها نووياً في تركيا

أنقرة – يالتشن دوغان

في الصفحة 19 من أطروحة دكتوراه:”أهم مساوئ الطاقة النووية هو وجوب الحفاظ على النفايات بشكل آمن طوال سنوات”.

وفي الصفحة 20 من الأطروحة ذاتها: “أكثر ما يثير الخشية، في موضوع الطاقة النووية، هو التسبب في تلويث البيئة، بسبب حادث محتمل، بصورة لا يمكن تلافي آثارها. يعارض المجتمع الطاقة النووية، لأنها تنطوي على مشكلات في إنتاجها من جهة، وعلى احتمال استخدامها لأغراض غير سلمية من جهة ثانية”.

من هو كاتب هذه السطور وصاحب رسالة الدكتوراه التي اقتبسنا منها، وينتقد فيها الطاقة النووية لافتاً النظر إلى مخاطرها، أي باختصار يعارض استخدام الطاقة النووية؟

إنه صهر رجب طيب أردوغان، وزير الطاقة الحالي برات آلبيرق.

لعلها من سخرية الأقدار أن يضطر وزير الطاقة المعارض، في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، عن استخدام الطاقة النووية، إلى حضور وضع حجر الأساس، لمفاعل الطاقة النووية في آك كيو. قد حدث الأمر نفسه في جلسة مجلس النواب، يوم 3 يونيو/ حزيران 2016، حين واجهه النائب آيتوغ آتيجي، من “حزب الشعب الجمهوري”، بهذه المقتبسات من أطروحة دكتوراه الوزير.

إنه لموقف محرج. ولكن ما همَّ! فرئيس الجمهورية، الحمو، أَمَرْ، وما على الصهر إلا الاستجابة.

روسيا تتحكم بنا في موضوع الطاقة. تم وضع حجر الأساس، لمفاعل الطاقة النووية في منطقة آك كيو. وروسيا هي التي تقوم بإنشاء المفاعل.

لندع جانباً العلاقات السياسية بين البلدين، والسياحة والتصدير والاستيراد. إن روسيا تمسك بتلابيبنا في موضوع الطاقة أساساً. لم يحصل أن كانت تركيا معتمدة على أي دولة، إلى هذه الدرجة، طوال تاريخها، بما في ذلك الحقبة العثمانية.

تحاول تركيا، في هذه الفترة، تلافي عزلة روسيا الديبلوماسية، في وقت تمر روسيا بأصعب أحوالها في علاقاتها الديبلوماسية مع الولايات المتحدة وأوروبا، فتمد تركيا يدها لموسكو، فتخسر ذراعها في موضوع الطاقة.

انظروا إلى اللوحة التالية، تعتمد تركيا على روسيا في تلبية حاجاتها:

من الغاز الطبيعي بنسبة 53 في المئة

ومن البترول بنسبة 20 في المئة

ومن الفحم الحجري بنسبة 33 في المئة

والآن في الطاقة النووية بنسبة 100 في المئة.

أمننا في مجال الطاقة بيد روسيا.

وهذا الوضع شديد الخطورة من زاوية النظر السياسية.

تم تنبيه الحكومة، بهذا الخصوص، أكثر من مرة، ليس من قبل أحزاب المعارضة وحسب، بل كذلك من قبل خبراء الطاقة ومهندسيها. ولكن الحكومة صمّت آذانها عن تلك التنبيهات.

النفايات مشكلة كبيرة

النفايات النووية شديدة الخطورة، كما رأينا في أطروحة دكتوراه الوزير آلبيرق، بل وفي أطروحات أخرى كثيرة.

أرادت الحكومة الأميركية أن تنشئ، تحت أحد الجبال في نيفادا، مكاناً لدفن النفايات النووية، بلغت كلفته التقديرية 77 مليار دولار.

أضف إلى هذه الكلفة العالية أن سكان نيفادا اعترضوا على هذا المشروع. وكان أحد وعود باراك أوباما الانتخابية يتعلق بالتراجع عنه. وبالفعل توقف العمل فيه بعد انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة.

فما هو مصير نفايات مفاعل آك كيو؟ سيتم ترحيلها إلى روسيا، على ما يزعم، بعد مرورها عبر البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة وبحر مرمرة والمضائق. هل تلاحظون مدى الخطر؟

يتم تدمير واحد في المئة فقط من النفايات داخل المفاعل، فماذا عن الـ99 في المئة المتبقية؟

في البحار الثلاثة التي تحيط بتركيا مروراً بالمضائق.

تقع منطقة آك كيو في ولاية مرسين على شاطئ البحر المتوسط. مياه المتوسط دافئة. في حين أن تبريد المفاعل يحتاج إلى مياه باردة.

لهذا السبب نلاحظ عدم وجود أي مفاعل نووي على شواطئ المتوسط، من البرتغال وإسبانيا وصولاً إلى تركيا. الآن سيكون لدينا واحد.

البارحة وضع حجر الأساس لخطر سيمتد على مدى أجيال.

ثم إن ثمنها مرتفع

سندفع لروسيا، لقاء إنشاء المفاعل النووي، عشرين مليار دولار.

ثم سنشتري الطاقة الكهربائية المنتجة فيه بسعر 12,35 سنتاً للكيلو واط الساعي.

وهذه التكلفة أغلى بثلاثة أضعاف، كوننا نشتري الكيلو واط اليوم بأربعة سنتات.

وفوق كل هذه التكلفة الباهظة، لن نحصل على نقل التكنولوجيا.

ما هذا الذي تفعله الحكومة!

39 تحذيراً هي من “أسرار الدولة”

حين تأكد موضوع إقامة المفاعل النووي في آك كيو، أرسلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريراً إلى الحكومة، عام 2013، تضمن 39 تحذيراً بخصوص مخاطر إقامة المفاعل.

اعتراضات نقابات المهندسين ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع، انتقلت إلى قاعات المحاكم. وكان التقرير المذكور هو أحد الأدلة المطروحة للاستئناس بها.

طلبت المحكمة الاطلاع على التقرير، لكن الجهات العامة المعنية امتنعت عن ذلك، بدعوى أنها “من أسرار الدولة”.

ما هي هذه “الأسرار”؟ ترى ألأنها تشير إلى المخاطر، امتنعت عن إطلاع المحكمة عليها؟

استمعوا إلى ما يقوله نجدت بامير.

لدى تركيا خبير دولي في مجال الطاقة، وخصوصاً في موضوع المفاعلات النووية. إنه نجدت بامير المجاز من قسم هندسة البترول في جامعة الشرق الأوسط للعلوم التقنية في إسطنبول. لديه أبحاث عديدة في مجال الطاقة، واحتل مواقع في مؤسسات عامة. وهو خبير تجد أفكاره آذاناً صاغية في المحافل العلمية الدولية.

للأسف لا تصغي الحكومة إلى نجدت بامير إطلاقاً، لا تكترث لتحذيراته. ذلك أن بامير يرأس لجنة شؤون الطاقة في حزب الشعب الجمهوري! فلا حاجة بحكومة حزب العدالة والتنمية إلى الإصغاء إلى كلامه، حتى لو كان رأيه مسموعاً في المحافل الدولية.

روسيا نفسها لم تختبر على أراضيها، بعد، التكنولوجيا النووية التي ستستخدم في مفاعل آك كيو.

سيكون اختبارها الأول في تركيا، كما لو كانت بلادنا حقل تجارب.

الترجمة عن التركية: بكر صدقي

لقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً