هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

“روسيا تاريخي” : كيف يتم تزييف الماضي

في يوم أحد منصرم بمدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، احتشد عشرات الأطفال أمام مدخل أحد المعارض الرائعة التي تدور حول أسرة رومانوف، الأسرة التي حكمت البلاد لـ300 عام. وكانت المجموعة الأكبر من المدرسة الابتدائية التابعة لجامعة قازان الفيدرالية، وتتراوح أعمارهم من 7 إلى 12 عاماً، برفقة الوالدين.

وواجهت المرشدة، أولغا سولنتسيفا، مشكلة بسيطة تتمثل في توجيه اهتمامهم. وعرضت الشاشات التفاعلية عمليات إعادة تصميم معركة بالرسوم المتحركة. وأضاءت مسابقات الاختيار من متعدد الجداول على الشاشات التي تعمل باللمس. جاء هذا احتفالاً بقدسية الدولة والانتصارات الشاقة على الغزاة المعتادين على ارتكاب الجرائم.

وعلى إحدى الخرائط التي تضم الامتدادات الغربية للامبراطورية الروسية، أشارت سولنتسيفا إلى منطقة تقع حالياً في أوكرانيا ويطالب بها الانفصاليون الذين يحظون بدعم روسي في الوقت الحالي. وطرحت سؤالاً على المجموعة “هل نعرف ما هي أوكرانيا؟” وأجاب أحد الأولاد “نعم. إنها دولة شريرة”. ربما نجد أصداء الماضي تلوح في الحاضر خلال جولتنا.

تعتبر العروض التي تغطي أسرة رومانوف جزءاً من معرض كبير بعنوان “روسيا: تاريخي”، الذي افتُتِح في قازان وسط استعراض كبير أواخر العام الماضي. لكنه يعد بالفعل أحد المعارض الـ17 التي أُقيمت في مختلف أنحاء البلاد بتمويل كبير من الدولة منذ عام 2015، بدءاً من الشرق الأقصى الروسي، وصولاً إلى داغستان في الجنوب.

 وبعرض لمحة سريعة يمكن الوصول إليها عن ماضي الدولة، دمجت الصور المعروضة رواية عن الدولانية (سيطرة الدولة) مع الاحتفال بالعقيدة الأرثوذوكسية. وزار عشرات الآلاف من أطفال المدارس المحافل المختلفة، ويرجع الفضل نسبياً في ذلك إلى الرحلات المدعومة التي تقدمها وتروج لها وزارة التعليم. ولاقى مشروع المعرض ترحيباً إِذْ أدخل مزيداً من التوهج والبريق إلى التاريخ الروسي، فضلاً عن دعم الحملة الحكومية الواسعة التي تشجع على الوطنية– التي يركز جزءٌ وافر من مضمونها على الاحتفال بالدور الروسي في إلحاق الهزيمة بألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

ولكن يعتبر مشروع “روسيا: تاريخي Russia: My History” مثيراً للجدل، إِذْ يقول النقاد إنه يعج بالأخطاء والحذف والأكاذيب– ومن بينها اقتباسات زائفة منسوبة إلى الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون– إضافة إلى مقاطع الفيديو التي يبدو أنها تبرر قمع العصر الي. وذهبت مجموعة من المؤرخين الروس بعيداً لتتهم وزارة التعليم بإفساد عقول أطفال المدارس بإرسالهم إلى المعرض، كما أعلنت عن حملة لإيقاف توسع المشروع.

ولادة الأرثوذوكسية من جديد

تعود جذور المشروع إلى الولادة الجديدة للكنيسة الأرثوذوكسية الروسية بعد الحقبة السوفياتية. فعام 1995، نظمت أبرشية سانت بطرسبرغ معرضاً بعنوان Orthodox Rus، في محاولة لتحقيق الهدف المُعلن عنه الذي يتمثل في توحيد الكنيسة والحكومة والمجتمع من أجل “حماية القيم الروحية التقليدية وتطويرها”. وفي ظل الترنح الذي يعانيه الروس جراء الاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا هذا طموحاً مشروعاً بالنسبة إلى دين يحاول الوقوف على أرض صلبة بعد عقود من القمع.

وبدا ذلك أيضاً وكأنه على دراية مسبقة بالأحداث، إِذْ شهدت السنوات التالية تقارباً بين الكنيسة والدولة. وبحلول عام 2003 “أصبح معرض Orthodox Rus، من المظاهر السنوية في موسكو، وفي ظل رعاية الكرملين والكنيسة الأرثوذوكسية، امتد المعرض بانتظام إلى المدن الأخرى.

بالفعل بدأت الأمور عام 2013، عند إطلاق النسخة الأولى من معرض رومانوف، واكتماله بالعروض التفاعلية. كانت شعبيته طاغية لدرجة أن المنظمين قاموا بمد ساعات الافتتاح لإرضاء طابور الزائرين الطويل المتعرج الذي تشكل بالخارج. وقبل أن يغلق المعرض، مرّ ما يقرب من 300000 شخص عبر أبواب المعرض في أقل من ثلاثة أسابيع. وكتب الرئيس فلاديمير بوتين في سجل الزائرين: “مع احترامي وامتناني للعمل الذي أُنجِز من أجل مصلحة الوطن”.

كما تمت إضافة تجهيزات أخرى في وقت لاحق، تركز على روسيا القديمة والقرن العشرين. وأصبح ذلك معرض “روسيا: تاريخي”، الذي تم افتتاحه عام 2015 في سرادق هائل أُعيد بناؤه خصيصاً من أجل هذا الغرض.

وكان خطاب المؤرخين المقرر نشره إلى وزيرة التعليم الروسي يقول: “إن الاعتماد على أكاذيب واضحة ومخزية، يعد أمراً غير مقبول عندما تقوم بتعليم الأطفال وهؤلاء الذين سيعلمونهم”.

وأنفقت الحكومة 411 مليار روبية (7.2 مليار دولار) على المعارض منذ عام 2013، وفق أحد التحقيقات التي أجرتها “منظمة مكافحة الفساد والشفافية الدولية” وقناة Dozhd، إحدى القنوات التلفزيونية مستقلة. كما تم تخصيص 10 مليارات روبية (177 مليون دولار) من أجل الفروع الإقليمية. كما قدم العديد من القلة البارزة المقربة من بوتين، ومن بينهم أوليغ ديريباسكا، مساهمات مالية، وفق ما كشف التحقيق.

وأدخلت وزارة التعليم “روسيا: تاريخي” إلى المنهج المُقترح للمدارس في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016. وفي خطاب تم توزيعه على المناطق، أُطلِق على المعرض “كتاب مدرسي حي live textbook” نظراً إلى التعليم “الأخلاقي والروحي والثقافي والجمالي” للأطفال الروس، كما شجع المعلمون على تضمين المادة في فصولهم إضافة إلى القيام برحلات غير منهجية.

ولكن اتخذت مجموعة من المؤرخين الروس تُعرف باسم المجتمع التاريخي الحر موقفاً مضاداً للمعرض عموماً، وطالبوا وزارة التعليم بسحب موافقتها.

وذكروا في خطابهم المفتوح إلى وزيرة التعليم أولغا فاسيليفا إن “الاعتماد على أكاذيب واضحة ومخزية يعد أمراً غير مقبول عندما تقوم بتعليم الأطفال وهؤلاء الذين سيعلمونهم. وتعتبر وزارة التعليم متورطة حالياً في إفساد العقول الشابة”.

 وطالب المؤرخون بوقف الرحلات المدرسية إلى المعارض إلى أن تتم “مراجعة خبير” مستقل. كما أرسلوا أيضاً نسخة من الخطاب إلى الأسقف تيخون شيفكونوف، العقل المدبر لمشروع “روسيا: تاريخي”.

بشكل منفصل، نشرت المنظمة صوراً للعبارات التي قالت إنها مضللة وجاءت باقتباسات زائفة في بعض أقسام المعرض. ومن بينها ذلك الذي تفاخر به بيل كلينتون: “لقد حققنا ما حاول الرئيس ترومان تحقيقه مع الاتحاد السوفياتي من طريق استخدام القنبلة الذرية. وعلى رغم وجود اختلاف واحد كبير: لقد اكتسبنا مستعمرة موارد”.

وهناك اقتباس آخر منسوب إلى زبيغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر، يقول: “ليس هناك شك في أن روسيا ستتفكك إلى أجزاء صغيرة وتحت جناحنا”.

كما اكتسبت هذه الاقتباسات شهرة تتخطى المعرض. فإذا أجريت بحثاً على الإنترنت عنها باللغة الروسية، فستحصل على آلاف النتائج. كما تظهر أيضاً من دون مرجعية في عشرات الكتب المكتوبة باللغة الروسية.

ولكن حتى الآن، حظيت شكاوى المؤرخين بتأثير طفيف. واستجابت وزارة التعليم قائلة إن جميع المؤسسات التعليمية تتمتع بحرية اختيار المواد التي تستخدمها. وسار الأسقف تيخون في اتجاه مختلف، مشيراً إلى أنه تم كشف الزيف في اثنين آخرين من الاقتباسات وحذفهما، لكنه دافع بشدة عن بقية محتويات المعرض.

 وصرح إيفان كوريلا، أحد أعضاء المجتمع التاريخي الحر والأستاذ في الجامعة الأوروبية بمدينة سانت بطرسبرغ، بأن زملاءه كانوا منقسمين في بادئ الأمر، وأيد البعض مساعدة مؤلفي المعارض على إجراء تعديلات.

لكنه شعر بأنهم إذا عملوا مع المنظمين، “فسيؤدي ذلك إلى معرض لا يزال متحفظاً وأرثوذوكسياً ومرتكزاً على الدولة” على حد قوله. “ويعتمد سرد الماضي على نوع الأسئلة التي نطرحها عنه، ولا يرغب المنظمون في الحصول على إجابة عن هذه أسئلة”.

وفي الوقت ذاته، أشاد كوريلا بالجودة التقنية للمعارض وقال إنه يمكنه أن يفهم السبب في ذهاب العديد من الناس إليه. وأضاف قائلاً: “بالنسبة إلى العديد من المدن الإقليمية، هذا على الأرجح محفل ثقافي جديد لسنوات عديدة. وتغيرت معظم المتاحف الروسية قليلاً منذ العهد السوفياتي، ولكن يعد هذا من الأشياء الجديدة تماماً”.

لم تستجب وزارة التعليم لطلبات التعليق الكثيرة.

“يعد هذا أكثر مشاريع روسيا الطموحة في ما يتعلق بالتاريخ على مدار الـ25 سنة الماضية. كما يعد الانتقاد من الأمور المتطلبة والطبيعية، لكن يجب أن يكون موضوعياً”. – إيوان سيريدا، المرشد الرئيسي، معرض “روسيا: تاريخي”.

في الوقت ذاته، يستمر المشروع في التطور. ويشرف إيوان سيريدا، أحد خريجي المؤسسات الأرثوذوكسية الملتحين، على قسم الرحلات المصحوبة بمرشدين. وفي أحد أيام الثلاثاء من شهر فبراير/ شباط، كان في جولة حول البهو الخاص بفرع موسكو، حيث قام بتنظيم المجموعات المدرسية. وأثناء الاستراحة، أخذني في جولة حول الجناح الجديد من المبنى.

ونُقِل قسم من القرن العشرين، بعنوان “بدءاً من الاضطرابات الكبرى حتى النصر العظيم From Great Upheavals to the Great Victory”، وتمت توسعته ليضم صوراً بحجمها الطبيعي تعود إلى معارك الحرب العالمية الثانية. وقال سيريدا إنه سوف يُفتتح معرض رابع في موسكو هذا الصيف، ويمتد من عام 1945 حتى يومنا هذا وأُطلق بالفعل في بعض المناطق.

وأخبرني بينما نتجول عبر القرن العشرين قائلاً: “كثيراً ما يقوم الناس بإعداد نوع مرعب من العروض بخصوص تاريخ روسيا”. وطغت على كلماته موسيقى الفيلم السوفياتي The Blizzard، وهي الموسيقى التصويرية لـ”روسيا: تاريخي”. “يعد هذا أكثر مشاريع روسيا الطموحة في ما يتعلق بالتاريخ على مدار الـ25 سنة الماضية. كما يعد الانتقاد من الأمور المتطلبة والطبيعية، لكن يجب أن يكون موضوعياً”.

اجتزنا المدخل وصولاً إلى أحد الأقسام المتعلقة بالقمع في حقبة ستالين، والتي تضع قائمة بأعداد الذين قتلوا أو سجنوا. وبإخفائها بعيداً في حجرة جانبية، بدت الصور كما لو كانت أفكاراً متأخرة. وعلى طول أحد الجدران الممتدة على يميننا وُضِع الجدول الزمني للأحداث التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية. لكنها توقفت عند الثامن من ديسمبر/ كانون الأول عام 1938، ثم تابعت السرد من جديد بدءاً من الغزو النازي في يونيو/ حزيران عام 1941، ومن ثم أُغفلت أحداث مثل الاتفاق النازي– السوفياتي عام 1939، والذي مهد الطريق لتقسيم بولندا. وقال سيريدا إن ذلك كان خللاً نتج عن أعمال التجديد الحاصلة.

ويصل القرن العشرين إلى ذروته من خلال مقطع فيديو مدته خمس دقائق يصور الثورة الروسية على أنها انقلاب دموي على يد أيديولوجيين متهورين. ويقول الراوي: “عام 1917، كان هناك خيار آخر: وهو الحفاظ على الإيمان بأجدادنا وروسيا العظيمة”. ولكن شهدت عشرينات القرن الماضي العودة إلى التقليد الروسي المتمثل في بناء دولة قوية، ويتابع قائلاً إن حملات ستالين للتصنيع والتجميع ضمنت أن الدولة يمكن أن تدافع عن نفسها ضد هجوم هتلر. ويخلُص الفيلم إلى أن “أكثر الأدلة وضوحاً على التحول الذي تشهده بلدنا تمثل في النصر العظيم”. وعلى الشاشة، أنارت الألعاب النارية السماء فوق الكرملين.

وبنهاية العام، ستستضيف 25 مدينة معرض “روسيا: تاريخي”Russia: My History، طبقاً للمتحدث باسم المشروع ألكسندر تاراسوف. ولكن تؤكد مجموعة المجتمع التاريخي الحر أن المعرض مصمم على الاستمرار في الدفاع عن وجهات نظره.

وقام بوتين بزيارة فرع فولغوغراد الشهر الماضي. وسار عبر الشاشات المُضاءة باللون الأحمر والأسود، التي تعرض مشاهد مروعة تعود إلى تسعينات القرن الماضي: الحرب في الشيشان، والبنية التحتية المتهدمة والأطفال المتسولون في المقاطعات التي ضربها الفقر. وباللون الأزرق ظهرت الإحصاءات المثيرة للإعجاب المتعلقة بالتقدم الروسي منذ تولي بوتين السلطة في كانون الأول عام 1999.

كانت هناك لافتات على الجدران تحمل بعض أقواله. وتقول إحداها “كثيراً ما يحدث في تاريخنا الوطني، أنه بدلاً من معارضة الحكومة، نشهد معارضة لروسيا ذاتها. ونعلم كيف تنتهي الأمور: إِذْ تؤول إلى دمار الدولة ذاتها”.

وبالعودة إلى قازان، توقفت سولنتسيفا لالتقاط الصور وشاهدت الأطفال وهم مختلطون دون نظام في البهو. وانتظرت ليلى خاليولينا وابنها البالغ من العمر تسع سنوات في طابور من أجل المرحاض. كانت هذه هي الزيارة الثانية لهما إلى المعرض. وقالت: “أعتقد أنه لأمر رائع أنهم تمكنوا من إنجاز ذلك”.

وبالنسبة إلى إمير، كانت الجولة بمثابة استراحة ترحيب من الفصل. وكانت مقاطع الفيديو والألعاب التفاعلية، أكثر جاذبية من الكتب المدرسية والمحاضرات. وقال إمير: “من ناحيتي، يتمثل الشيء الأكثر أهمية في معرفة الكيفية التي حدثت بها الأشياء، لأن ذلك في المستقبل، في المراحل الأعلى، سيكون ذا منفعة في دروس التاريخ. وسوف أتعلمها كلها مقدماً”.

*ماتيو لوكسمور

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع CODASTORY لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً