هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

روبرت كابا: عدسة الإنسانية تقاوم الفاشية

لاسم روبرت كابا، وقع خاص في عالم التصوير والصحافة الحربية، فالرجل الذي غطّى خمسة حروب في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا يعدّ واحداً من أفضل مصوّري الحرب بنظر العديد من الباحثين والنقّاد، إذا لم يكن أفضلهم بحسب أسبوعية “البيكتشر بوست”، البريطانية المشهورة والتي صدرت في لندن بين عامي 1938 و1957. والحديث عن كابا يأخذ منحى السرد النمطي الذي طبع حيوات عشرات المصوّرين والصحافيين في ظلّ صعود النظم النازية والفاشية في أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي. 
اندريه فريدمان: مهاجر، يهودي، ويساري
ولد إندريه فريدمان، الذي عرف لاحقاً باسم روبرت كابا، في العاصمة المجرية بودابست لأسرة يهودية ميسورة وغير محافظة، وسرعان ما بدأت توجّهاته اليسارية تتوضّح وتُتَرجَم في نشاطات طلابية في المرحلة الثانوية. في تلك الفترة كان اندريه متأثراً بالرسّام والصحافي المجري لاجوس كاشاك، وكان يرغب في دراسة العلوم السياسية والصحافة، لكنّ مشاغباته التي بدأت تكثر في بودابست أدّت إلى اعتقاله في عمر الـ 18 قبل أن يحصل على عفو من وصي عرش المملكة المجرية ميكلوش هورتي، شرط مغادرة البلاد.
غادر فريدمان بودابست مُتجهاً إلى برلين وهنالك بدأ العمل كمساعد مصوّر في وكالة Dephot الألمانية، التي أسّسها مواطنه سيمون غوتمان. سنة 1932 وفي خضمّ مواكبة التغيّرات السياسية والإيديولوجية والأزمة الاقتصادية في أوروبا، وفي ظلّ عدم قدرة أي من العاملين في الوكالة على السفر إلى كوبنهاغن، انتدب غوتمان المصوّر الشاب فريدمان وطلب منه تصوير محاضرة الزعيم الشيوعي ليون تروتسكي عن الثورة الروسية في العاصمة الدنماركية، فكان هذا الحدث العمل الأول لفريدمان كمصوّر وظهرت صور التحقيق في يوم 11 ديسمبر/ كانون الأول في عدد من الصحف الألمانية تحت توقيع “دوفوت-فريدمان”.
بعد تسلّم أدولف هتلر الحكم في نهاية يناير/ كانون الثاني 1933 لم يعد بإمكان المهاجر اليهودي اليساري البقاء في برلين فهرب إلى فيينا ومنها إلى باريس حيث تعرّف في مقاهي المدينة على أندريه كيرتيش ودايفيد سيمور (المعروف ب Chim وهو لاجئ يهودي بولوني) الذي كان يعمل آنذاك كمصوّر للأسبوعية الشيوعية  Regards، وحظي إندريه بلقاء جمعه مع هنري-كارتييه بريسون، هذا اللقاء الذي سيصبح نقطة تحوّل في حياة هؤلاء الذين أسسوا بعد الحرب العالمية الثانية أول وكالة تصوير تضم عشرات المصوّرين من بلدان مختلفة، المشروع الذي حمل اسم “ماغنوم فوتوز”.
 

جيردا تارو ونشأة اسم “روبرت كابا”
في سبتمبر/ أيلول 1934، في الـ A Capoulade أشهر مقاهي الحي اللاتيني، تعرّف إندريه فريدمان على لاجئة ألمانية من أصول بولونية يهودية تدعى جيردا تارو، تنشط في جمعية الكتاب والفنانين الثوريين، المقرّبة من الحزب الشيوعي الفرنسي. وقع إندريه بسرعة في حب الصبية الجميلة ذات الشعر البنيّ والعينين الخضراوين وأعجب بآرائها وأفكارها التي لم تكن بعيدة عن أفكاره.
في أكتوبر/ تشرين الأول 1935، بدأت جيردا العمل في وكالة Alliance تحت إشراف ماريا ايسنر وكان إندريه يساعدها في العمل لكنّ مبيعات الصور لم تحقّق الأرباح المنتظرة، لذلك قرّرت جيردا أن تمنح إندريه اسماً جديداً، قد يساهم في اطّلاع الناس بشكل أوسع على صور الوكالة إذا ما وقعوا على اسم غني وباهر. اختارت جيردا الجمع بين الممثل الأمريكي روبرت تايلور – فاختارت اسم روبرت – والمخرج فرانك كابرا الذي ذاع صيته مع فيلم “يحدث في ليلة ما” (It’s happened one day) – فاختارت كابا نسبة لكابرا – وهكذا أصبح اسم إندريه فريدمان روبرت كابا.
الحرب الإسبانية: الصورة الأسطورية، مقاومة الفاشية ورحيل جيرد
“حب في زمن الحرب”، هكذا يمكن تلخيص الفترة التي جمعت روبرت وجيردا، في معسكرات القوات الموالية للجمهورية الإسبانية الثانية التي تقاوم فاشية الجنرال فرانكو. لم يكن كابا في وارد الذهاب إلى اسبانيا لأنّه لا يملك رصيداً كافياً يجعله يغطي سير المعارك، لكنّ مجلة Vu الفرنسية، وبطلب من محرّرها لوسيان فوغيل وبدعم من ليون موسيناك في Regards، كانت لها الكلمة الفصل في مسيرة كابا المهنية فانتدبته كمصوّر حربي خاص لتغطية المعارك بين الجمهورية والفاشيين.
في اسبانيا أصبح كابا معادياً للفاشية كما لم يكن من قبل، ونسج علاقات صداقة مع لوركا قبل اغتياله بشهر واحد، وآراغون وارنست همينغواي. وانكبّ مع عشيقته جيردا على العمل كمقاتل في صفوف الجمهوريين، يحارب بعدسته وكان من السهل تمييز صور كلّ منهما بسبب استعمال كابا لكاميرا لايكا تعطي صوراً مستطيلة الشكل وكانت جيردا تستعمل رولي فليكس تعطي صوراً مربعة.
من بين مئات الصور التي التقطتها عدسة كابا على جبهات القتال وفي المدن الإسبانية كتلك الصورة المؤثرة التي تصوّر مقاتلين في برشلونة يودّعون عائلاتهم قبل التوجّه إلى جبهة آراغون، تبقى صورة الميليشيوي الذي يسقط صريعاً برصاصة بالرأس على إحدى جبهات قرطبة، من الصور التي أسّست للغز كابا وشهرته. فالصورة التي عرضتها Vu أول مرة في سبتمبر/ أيلول  1936 لتعود “مجلة لايف” الأميركية، لتتداولها بعد عام من عرضها، أثارت جدلاً كبيراً بسبب التشكيك بهوية الميلشيوي الذي تظهره الصورة وراح عدد من النقّاد إلى البحث عن هوية الرجل وتوصّل بعضهم الآخر إلى تأكيد التشويه المعتمد من قبل كابا كسلاح في الحرب النفسية. بعد عشرات السنوات من الجدل أعيد فتح الملف مجددا في صحيفة El Periodico الكاتالونية سنة 2009 لتحسم الأمر بعدم صحّة الصورة ولتؤكد أنّ الشخص الذي يسقط هو المناضل الأناركي فيدريكو بوريل غارسيا وهو سقط في منطقة بعيدة عن Cerro Muriano  حيث ادّعى كابا التقاط الصورة.
 

 
مطلع 1937 بدأ الثنائي كابا وتارو العمل في Ce Soir التي أسّسها لويس آراغون لتكون الناطقة باسم الجبهة الشعبية والصوت الأقوى ضد الفاشية. في تلك الحقبة غطّى كابا معارك بيلباو التي كانت تشكّل معقلاً صناعياً يريد الجنرال فرانكو السيطرة عليه بأي ثمن. وشارك مع تارو في تغطية سير الهجوم الجمهوري الفاشل ضد القوات الوطنية في شقوبية وانتقل إلى الضواحي الجنوبية الغربية للعاصمة مدريد لمواكبة معركة كارابنتشيل قبل أن ينقل مراسم وداع الجنرال المجري لوكاش، أحد أبرز قادة الألوية الدولية التي رافقها كابا طيلة وجوده في اسبانيا.
عاد كابا إلى باريس في ربيع 1937 وبقيت جيردا كمراسلة لصحيفة Ce Soir في مدريد لمواكبة سير المعارك على جبهات عديدة من بينها معركة “برونيت” حيث لقيت جيردا مصرعها بعد أن دهستها دبابة للقوات الجمهورية عن طريق الخطأ إثر اصطدامها بسيارة واضطرارها إلى حرف مسارها إلى الرصيف حيث كانت جيردا تقوم بعملها. شكّل موت جيردا، كأول مصوّرة تقضي أثناء تغطية المعارك، موجة حزن كبيرة في فرنسا وتحوّلت مراسم وداعها في “بيار لاشيز”، حيث ألقى آراغون كلمة في وداعها، إلى مظاهرة عفوية ضد الفاشية شارك فيها آلاف الفرنسيين.
نهاية الحقبة الإسبانية، في الصين وفرنسا وما بعد الحرب العالمية الثانية
لم يشفى كابا من رحيل حبيبته جيردا، فترك الصين حيث كان يواكب المقاومة الصينية للغزو الياباني رفقة الصحافي الكبير جوريس ايفانس وعاد إلى اسبانيا لنقل مراسم وداع الألوية الدولية فيما عرف لاحقا بصور الـ Despedida، وأشرف على معارك دي مورا دي ايبرو وتابع عن قرب حصار الكتيبة ٤٣ في بيلسا من قبل القوات الفاشية قبل أن يعدّ تقريراً ضخماً عن اللاجئين الإسبان في فرنسا ناحية بيربينيان وأرجليز-سور-مير.
كان كابا يعتبر مهمته في الصين معركة ضد الإمبريالية اليابانية حليفة النازية الألمانية لذلك قدّم مادة توثيقية نادرة عن معركة تايرزوانغ وعن الضربات الجوية اليابانية على مدينة هانكو. كما أشرف على وثائقي هو الأول من نوعه تناول حياة زوجة الزعيم شيانج كاي-شيك.
في فرنسا اهتمّ كابا بتغطية بعض النشاطات التي لا تدخل في نطاق “التصوير الحربي”، فأظهر براعة فائقة في نقل صور “طواف فرنسا للدرجات الهوائية” سنة 1939. يقول ريمون فانكير، الذي رافق كابا في تلك المرحلة، إن “طريقة التقاط صور المتسابقين لدى كابا كانت فريدة من نوعها اذ تعمد إلى الاهتمام بكل ما هو موجود على هامش السباق من المقاهي إلى المشاهدين إلى أصغر التفاصيل كحركات عائلات المشاركين”، ويستعيد فانكير صورة كابا التي تظهر عائلة بيار كلوريك أثناء متابعة إحدى جولات المسابقة التي تحظى بمتابعة عالمية.
أثناء الحرب العالمية الثانية أصبح كابا هدفا لنظام فيشي نظراً لنشاطه في مجموعات يسارية وعمله على تنظيم حلقات لمصوّرين وصحافيين انخرطوا مبكّرا في صفوف المقاومة الفرنسية. اضطرّ الرجل، الذي أصبحت صوره تتصدّر الصحف العالمية، لمغادرة باريس إلى نيويورك حيث تقطن عائلته.

كانت الحرب وتصويرها هاجس كابا الدائم لذلك كان لا يوفّر أي فرصة تجعله في قلب المعارك العسكرية، فاختار المشاركة في عمليات الجيش الأميركي في شمال افريقيا وتحرير إيطاليا وترك عشرات الصور المؤثرة حيث حلّت عدسته. استكمل كابا مواكبته للقوات الأميركية وانتظر إنزال النورماندي ليكون المصوّر الوحيد الذي ينقل المواجهات الأميركية-الألمانية عند إحدى النقاط الخمس التي حدّدها الحلفاء على طول شاطئ أوماها. من هذه النقطة بدأ الجيشان الأميركي والبريطاني تحرير فرنسا ومن هذه المساحة خرجت أقسى الصور ولعلّ صورة الجندي الأمريكي، الذي يحاول بكل الطرق الخروج من المياه فيما ثقل سلاحه يشدّه إليها وموازنته بين جسده ورأسه الذي يتجنّب طلقات العدو، ستبقى الأشهر للإنزال وهي الصورة التي استخدمتها صباح اليوم التالي مجلة “لايف” الأميركية كصفحة أولى مع عنوا ن slightly out of focus، الجملة التي حملت أوتوبيوغرافيا كابا نفسه.
ألهمت جرأة كابا عشرات مخرجي السينما العالمية ومن بين هؤلاء ستيفن سبيلبيرغ الذي تأثر بالفوتوغرافيا الحربية في النورماندي ويبدو ذلك واضحاً في فيلمه “إنقاذ الجندي راين” في العام 1998، كما استعاد المجلس الوطني للمرئي والمسموع الصور التي التقطها كابا لدى تحرير مدينة “شارتر” الفرنسية إذ سجّلت عدسته صورة تاريخية، شكّلت مادة دسمة لعشرات التقارير والوثائقيات والكتب، تظهر صبية عشرينية حليقة الرأس وابنها الرضيع على يدها في ساحة المدينة. عظمة الصورة تكمن في تصوير والد سيمون توزو في البعد الأول مطأطأ الرأس وخلفه زوجته جيرمين (حليقة الرأس أيضا كعقاب لها بسبب علاقة جنسية مع أحد الجنود العملاء) وفي البعد الثاني تتوسّط الصورة سيمون التي ترمق طفلها الذي سيحمل عار عائلة توزو مدى الحياة، وفي البعد الثالث عشرات السيدات والرجال الذين يهتفون ضد العملاء وخلفهم يتدلّى العلم الفرنسي في بعد الصورة الأخير
بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، توجّه كابا إلى روسيا وقام بإعداد تقارير صحفية عديدة ثمّ واكب نكبة 1948 وقيام “دولة اسرائيل “وتردّد مراراً إلى اسرائيل في الفترة بين 48 و50 وترك كتاباً مع الروائي أروين شو، حمل عنوان  “تحقيق عن اسرائيل”  يتضمّن صوراً التقطها خلال زياراته المتكررة.
محطة كابا الأخير كانت حرب فيتنام حيث واكب سير المعارك بين القوات الفرنسية والمجموعات العسكرية الموالية لها من جهة مع فيت مين برئاسة هو تشي منه. في الصور الأخيرة لكابا كان كل شيء يدلّ على النهاية من السيدات الغارقات في دموعهن في مقبرة محلية إلى الجنود الذين يديرون ظهورهم للمعركة متوغّلين في كثافة العشب حتى صورة اللوحة التي تحمل إشارة السير باتجاه “تاي بنه” حيث دعس كابا على لغم أرضي في 25 مايو/ أيار 1954 ومات حاملاً آلتي تصوير في يديه.
انتهت حياة روبرت كابا بشكل مأساوي، وضربت له تحية الشرف في هانوي، ورفع اسمعه عالياً كواحد من الذين شاركوا في الحروب كمنحاز لأصحاب الحق والأرض ومؤسساً لنظرية في التصوير الفوتوغرافي ألهمت عشرات الأجيال من المصوّرين، تقول بوضوح “إذا لم تكن الصورة جيدة بما يكفي، هذا يعني أنّك لم تكن قريباً بما يكفي”.

إقرأ أيضاً