fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

عاملات المنازل في لبنان… ضرباً ورمياً من الشرفات

 جرّت حقائبها يرافقها عناصر من الأمن العام، ولوحت بيدها لقلة كانت تودعها في مطار بيروت وغاصت بين المسافرين عائدة الى بلادها.

غادرت العاملة الكينية كاميلا نابوايو، بعدما أمضت أيامها الأخيرة محتجزةً لدى النيابة العامة اللبنانية، على إثر قرار صدر بحقها من الأمن العام اللبناني لعدم حيازتها أوراقاً قانونية للإقامة.

وكاميلا هي ضحية ضرب مبرح في اعتداء تمّ تصويره وبث مشاهده عبر السوشيال ميديا. ورغم الضجة التي أثارتها قضيتها إلا أن هذا لم يوفر لها العدالة في قضية الاعتداء الذي تعرضت له، بل تم ترحيلها عن لبنان من دون أن يتعافى جسدها بالكامل، فقدماها بقيت عليهما الكدمات إضافةً الى تورمهما، نتيجة ضربات وركلات تعرضت لها.

آخر ما قالته كاميلا قبل رحيلها، إن الضرب كان جماعياً، ودام لساعتين متواصلتين، وحين حاولت هي وصديقتها وينيروز وامبوي التي كانت الضحية الثانية معها، الاحتماء بصاحب محل تزيين الشعر في المنطقة، أغلق محله.

كل محاولات حقوقيي لبنان المهتمين بمتابعة شأن العاملات الأجنبيات، لمنع كاميلا من المغادرة باءت بالفشل، وذلك بعد السعي الحثيث إلى إقناع جهاز الأمن العام بالتراجع عن قرار ترحيلها، فهي وصديقتها الكينية وينيروز وامبوي كانتا لأسبوعين حديث الرأي العام اللبناني، بعد انتشار فيديو يظهر تعرضهما للضرب المبرح من قبل عسكري في الجيش اللبناني وأشخاص آخرين بينهم نساء، أبوا إلا المشاركة بالاعتداء الوحشي على مرأى من عشرات الأشخاص في شارع عام في مدينة برج حمود اللبنانية.

وسارعت المحكمة العسكرية اللبنانية إلى التدخل في القضية لأن الجاني يخضع مباشرة إليها، وتم توقيف العاملتين، لعدم امتلاكهما أوراق الإقامة على الأراضي اللبنانية.

11 حالة انتحار في العام 2018 

بحسب محامية كاميلا، نيرمين سباعي، فإن قرار الأمن العام مخيب للآمال، على رغم محاولات تحسين الظروف القانونية للعاملات الأجنبيات اللواتي يعملن في المنازل على الأراضي اللبنانية. تؤكد المحامية أن قضيتها على رغم ترحيلها سوف تتابع في المحاكم اللبنانية، ولن تسقط دعوى الحق العام لمقاضاة المعتدين، فـ”الدعوى طاولت ثلاثة معتدين ولكن الضرب بقي لساعتين، وشارك به كثيرون لم تشملهم الدعوى إلى الآن، لذلك نعمل على مقاضاتهم”. فمن المؤسف “أن ترحل الضحية من دون متابعة قضيتها والاستماع إلى شهادتها أمام القضاء اللبناني.”

وكانت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية محلية ودولية قد استنكرت الاعتداء الذي تعرضت له العاملتان، وطالبت حينها الأمن العام بالتروي في قراره، إذ اعتبرت أن قرار ترحيل العاملات المهاجرات، يجسد “الظلم الذي تتعرض له العاملات في المنازل”، وأضافت “كلما سعين إلى العدالة، نصطدم بقرار الترحيل”.   

اقرأ أيضاً: حسين قتل محمد بسكين … فما هي قصة جرائم السكاكين؟

ديمالا، هي عاملة منزل بنغلادشية، حضرت إلى لبنان بسند كفالة، وبراتب شهري لا يتجاوز المئة وخمسين دولار، هربت من منزل مستقدميها بعد مرور سنتين من عقد العمل الذي وقعته مع كفيلها في مكتب استقدام العاملات الأجنبيات. في الشهور السبعة الأخيرة التي سبقت هربها، اضطرت ديمالا إلى أن تعمل فوق طاقتها لتعيل ربة المنزل التي كانت مريضة بالسرطان مع كسرٍ في حوضها، كانت العاملة تبقى مستيقظة طوال الليل لترعى المريضة، لم تستطع ديمالا تحمل هذا الوضع فهربت. 

بعد هربها أبلغ كفيلها المخفر بالأمر، متنازلاً عن كفالتها كي لا يتحمل أعباء مخالفتها قانون عقد العمل الموقع بينهما، فالكفيل وفق القانون اللبناني يمنح الكافل حق الوصاية على العامل، ويحمله مسؤولية أعمال قد يقوم بها العامل في حال كانت مخالفة للقانون كالسرقة.
لبنان وقّع على الاتفاقية الدولية للقضاء على العنصرية، ولكن مكاتب استقدام العاملين والعاملات الأجانب من دولهم الفقيرة تطرح علامات استفهام حول أدائه في ما يتعلق بالاتفاقية، فمئات المكاتب المنتشرة على الأراضي اللبنانية تستقدم العمال بطريقة أقرب ما تكون إلى الاتجار بالبشر، وهي مرتبطة بمكاتب أجنبية تقع في بلدان العمال الراغبين في القدوم إلى لبنان. هذه المكاتب في بلدان العمال، يتوجه إليها الراغبون في العمل خارج بلدانهم ويدفعون لها نحو 300 دولار (للشخص)، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى فقراء إثيوبيا وبنغلادش وسريلانكا وكينيا.

مهاجرات فضّلن قتل أنفسهن على البقاء في سجن المنزل والكفيل

وقالت العاملة البنغلادشية ماديا التي تعمل في تنظيف المراحيض في مطعم في منطقة الحدث لـ”درج” إن شقيقها باع محصول قصب السكر لتأمين المبلغ المطلوب للمكتب في بنغلادش. وتشير ماديا المطلقة وهي أم لطفل يبلغ حالياً سبع سنوات، إلى أن البنغلادشيات بمعظمهن يطمحن إلى العمل خارج بلادهن هرباً من سلطة ذكور أسرهن.

بحسب الأعراف والتقاليد البنغلادشية، فإن المرأة هي عمود المنزل، وعليها واجب إعالة العائلة وتوفير المال، فتفضل النساء الهجرة، ولكن ما إن يصلن إلى دول المهجر حتى يكتشفن أن السلطة المستبدة ذاتها مستمرة، فشقيق ماديا يجبرها على تحويل جزء من راتبها إليه، وإذا لم تفعل فإنه لن يستمر برعاية ابنها.    

ثغرة قانون العمل اللبناني

تستفيد مكاتب استقدام العاملات المهاجرات من الثغرة القانونية الموجودة في المادة السابعة من قانون العمل اللبناني، بيد أن هذه المادة تحرم عاملات المنازل من حقوقهن. وتسعى في المقابل اللجان والمنظمات الحقوقية إلى الضغط على المشرعين في البرلمان اللبناني لتحسين ظروف عمال المنازل.

وعلى رغم الأعباء التي ترتبها المادة السابعة على حياة العاملات المهاجرات إلا أن ما من قانون لبناني يعترف بنظام الكفالة. في العام الماضي، أصدرت منظمة العمل الدولية تقريرها السنوي الذي حمل لغة قاسية تجاه لبنان ودول الخليج والأردن، وجاء عنوان تقريرها “علاقة أصحاب العمل بالعمال المهاجرين في الشرق الأوسط”. وأشار التقرير إلى قوننة العبودية التي يشرعها نظام الكفالة في تلك البلدان، من خلال منح الكفيل سلطة غير مشروطة للسيطرة على العامل، ودوام عمله وإجازته ومصيره وأوراقه الثبوتية. عام 2016، طرحت أزمة قانون الكفالة والعمال الأجانب على الأراضي الأجنبية ومن بينها لبنان في الأمم المتحدة، واستعرضت اللجان الحقوقية، شهادات موثقة لانتهاكات بحق العمال، وخلص الاجتماع الاممي إلى توصية موجهة إلى لبنان ودول أخرى لتحسين ظروف العمل. 

ويطالب العمال الأجانب بتأسيس نقابة تحفظ حقوقهم وتتابع قضاياهم، لتحسين شروط عملهم، خصوصاً أولئك الذين يعملون في تنظيف المنازل والمطاعم والفنادق، إلا أن العراقيل والمحسوبيات السياسية والمكاسب المالية التي تحققها مكاتب استقدام العمال وعلاقتها بسياسيين لبنانيين بارزين، تجعل تحقيق هذا المطلب بعيد المنال.

ودائماً ما يشهد لبنان حالات انتحار عاملات رمياً من الشرفات، وكان آخرها 11 حالة انتحار عام 2018 لعاملات مهاجرات فضّلن قتل أنفسهن على البقاء في سجن المنزل والكفيل.

اقرأ أيضاً: “سأودع هذا العالم”: منتحرون لبنانيون يخلفون حزناً وحيرة..

إقرأ أيضاً