fbpx

هنا القصة الثالثة

كيم غطّاس- كاتبة وصحافيّة

كيم غطّاس- كاتبة وصحافيّة

مقالات الكاتب

رسالة من بيروت: أشعر بالأمل

View English Version

ها أنا جالسة الآن في بيتي في بيروت، أقرأ الأخبار، ويائسة من الوضع:
إحدى القصص تدور حول تدهور أحوال المدينة، وتراكم القمامة وانهيار البنية التحتيّة، نتيجة الفساد وعدم الكفاءة.
شاهدت أيضاً فيديو حول القمامة البلاستيكية التي تشوّه الشواطئ البكر وتقتل الثدييات البحرية الكبيرة، التي تنجرف إلى الشواطئ ميتة بسبب الأكياس البلاستيكية.
ثم هناك صور البنادق التي يباركها رجال الدين، وأصحابها ينتمون إلى طوائف متشدّدة تؤمن بعقائد تتبنّى العنف.
وقصة صانعي القوانين الذين يقاتلون من أجل إبقاء التشريعات التي تسمح بزواج الفتيات في سن الثالثة عشرة.
وقصة قائد منتخب يتحدّث عن اليهود كمنفّذين للمحرقة.
كل واحدة من هذه القصص كان يمكن أن تحدث هنا في لبنان – في الواقع، وقعت أحداث مشابهة لكل من تلك القصص هنا أو في العالم العربي خلال العام الماضي.

لكن كل القصص التي أشرت إليها هي من أوروبا وأميركا:
روما تعاني من الكتابة على الجدران، وتراكم القمامة، وتعاني أيضاً من انهيار في وسائل النقل العام.
الزجاجات البلاستيكية وعلب الزبدة من جميع أنحاء العالم، تجرفها المياه إلى سواحل القطب الشمالي البكر. حوت يموت جوعاً في النرويج، بطنه مليء بالبلاستيك.
كنيسة في ولاية بنسلفانيا تبارك البنادق. ويكافح المشرّعون في ولايتي كنتاكي وفلوريدا ضد حظر زواج الأطفال.
وتتشارك المجر مع بولندا في نوع الخطب المعادية للساميّة وإعادة النظر في الهولوكوست، الأمر الذي عادة ما يردّنا الى قادة إيرانيين أو عرب.

نعم لدينا مشكلات، ولكن هل رأيت ما يحدث في دولة كذا؟ لكن هذا ليس الهدف من محادثاتي

قرأت القصص وانتابني مزيج من الأمل واليأس بمقادير متساوية. أشعر بالأمل لأنني أدرك أن لبنان، أو مصر، أو باكستان (الدول النامية التي أعرفها) ليست وحدها هذه الأيام من تنخرط في أنماط السلوك المدمّرة.

لذا أذكر الأمر لأصدقائي، وللبقال، ولجاري، وسائق سيارة الأجرة في بيروت فأقول، “انظر، إنه يحدث هناك أيضاً”. سيكون من المغري الانزلاق وراء المغالطة المنطقية “ماذا عن؟”. نعم لدينا مشكلات، ولكن هل رأيت ما يحدث في دولة كذا؟، لكن هذا ليس الهدف من محادثاتي. عندما غطّت القمامة الشاطئ على الساحل اللبناني في شباط/ فبراير بعد عاصفة شديدة، كان الاحتجاج شديداً، كما كان الشعور بحتميّة حصول ما حصل لنا: لطالما كان الوضع هكذا، ولا يمكن تعليم اللبنانيين، ولن يتغيروا أبداً.

يحدث الشيء ذاته مع الفساد أو المحسوبية – عندما ندرك أنه يحدث في مكان آخر، فمن السهل أن نردّ على الدعوات إلى العمل من خلال التجاهل أو الضحك أو حتى بعض الشماتة. انظروا إلى فرنسا ورئيسها السابق نيكولا ساركوزي الذي يخضع لتحقيق رسمي بتهمة تلقي أموال لحملته الانتخابية من الديكتاتور الليبي معمر القذافي، أو تعيين الرئيس دونالد ترامب ابنته وصهره في البيت الأبيض.

كثيرون، إن لم يكن معظم أولئك الذين يعيشون في البلدان النامية، في جنوب العالم، يرون الغرب، منذ قرن تقريباً، نموذجاً أفضل، وهو المثال الذي يجب يُحتذى. أرقام الهجرة إلى أوروبا وأميركا الشمالية هي شهادة على ذلك. لا أحد يحلم بالهجرة إلى روسيا أو الصين.

الغرب وظّف ريادته العالميّة للدفع باتجاه احترام حقوق الإنسان والحوكمة وسيادة القانون في الدول النامية (السياسة الخارجية هي قصة مختلفة). قليلون كانوا يصدّقون أن أوروبا أو الولايات المتحدة مثاليتان أو مثيرتان، فهما بعيدتان كل البعد من ذلك، ولكنهما على الأقل وضعتا معياراً يستحق المحاكاة. لقد زال القناع جزئياً.

كانت صور تعامل أوروبا مع أزمة اللاجئين في 2014 و2015 نقطة تحوّل. كان هناك بعض المروءة، من قبل أفراد وبلدان مثل اليونان وألمانيا، لكن الكثير كان مخجلاً أيضاً: فقد تم فصل العائلات قسراً، وضُربوا من قبل الشرطة، وجُرح أطفال، وحصلت مواقف فردية قبيحة، مثل تعمّد مصوّرة إسقاط أحد اللاجئين.

أخبرني أحد الوزراء الأوروبيين عن زيارة قام بها إلى بلد أفريقي في وقت ما بعد اشتداد أزمة اللاجئيين، وطُلب منه خلال زيارته معاملة أفضل للاجئين الذي يستضيفهم بلده، ومعظمهم سودانيون وصوماليون. قال الوزير الأفريقي لنظيره الأوروبي، من دون أن يرف له جفن، “رأينا كيف تلقون الطعام عبر السياج للاجئين المحبوسين مثل حيوانات”.
بعبارة أخرى: ليس لك أن تعظنا بعد الآن عن حقوق الإنسان، لأنك أخفقت في اختبار القيادة الأخلاقية عندما كان الأمر يحدث على أرضك.

عندما نرى قصصاً عن الفساد أو المحسوبية اليوم في الغرب، ينبغي أن يكون رد فعلنا: يمكننا أن نفعل ما هو أفضل. إذا قام الغرب بإلقاء نفاياته في البحر، فلننظّف نحن مياهنا

القصص اليومية عن البلاستيك العائم في البحر أو تكدّس القمامة، مثيرة للقلق بالقدر ذاته. إنها جزء من توجه طويل المدى، ما يزيد الإحساس بأنه لا يوجد مثال يحتذى.
الفكرة من وراء الإشارة إلى أن الحكم الأساسي في الغرب ينزلق (وتظل السياسة الخارجية قصة أخرى) هي للتأكيد أنه لا يوجد شيء محدّد مسبقاً أو لا مفر من حدوثه في ما يخص القضايا التي نتعامل معها في بلد مثل لبنان أو في أي مكان في المنطقة. لدينا القوة والمعرفة والقدرة على التغلّب عليها، مثلما فعل الغرب من قبل.

إقرأ أيضاً: عن ثورة زارتنا في بيروت قبل سبع سنوات

قبل أن تُنشئ الولايات المتحدة وكالة حماية البيئة عام 1970، كان الدخان يلفّ المدن، وكانت مدافن القمامة غير منظّمة والملوّثات ملقاة في الأنهار. قبل 45 عاماً، كانت النساء في الولايات المتحدة يحتجن إلى قريب ذكر للمشاركة في التوقيع على عرض عمل، حتى لو كان ابن بالغ من العمر 17 عاماً.

المعركة في ظل المناخ السياسي في منطقتنا أصعب، وفي ظل الجغرافيا السياسية الخانقة، لكنه ليس أصعب من حال أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

تحاول البلدان النامية اللحاق بالركب. وفي بعض الحالات هم متقدّمون. فلم يُلغَ القانون الذي يسمح للمغتصب بالزواج من ضحيته الحامل في فلوريدا إلا في آذار/ مارس الفائت. بينما ألغيت قوانين الزواج من المغتصب في الأردن ولبنان في العام الماضي. وكانت دول أفريقية تقود حملة حظر الأكياس البلاستيكية، متقدّمة على الولايات المتحدة أو أستراليا.

عندما نرى قصصاً عن الفساد أو المحسوبية اليوم في الغرب، ينبغي أن يكون رد فعلنا: يمكننا أن نفعل ما هو أفضل. إذا قام الغرب بإلقاء نفاياته في البحر، فلننظّف نحن مياهنا ونعيد تدوير نفاياتنا. لا يوجد مكان لمعادلة التسليم بالأقدار أو لمغالطة “ماذا عن؟”.

لا شك في أنه لا يزال هناك المزيد من الضوابط في الغرب، حيث سيادة القانون، والتقدم المستمر منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن كما هي الحال في الانتخابات في المجر وفي أميركيا، بإمكان هذه المكاسب أن تتحلل بسرعة. فالقيادة الأخلاقية تحتاج إلى رعاية مستمرة ومتواصلة.

ما تظهره الاتجاهات حول العالم هو أن ما يفرقنا أصبح أقل وضوحاً، لكن ما يوحّدنا، من واشنطن إلى بيروت، ومن باريس إلى إسلام أباد، هو إخفاقاتنا كبشر. لقد حان الوقت لكي يُظهر الغرب بعض التواضع، ولكي يصبح الجنوب العالمي مثالاً يحتذى.

إقرأ أيضاً: منازل بيروت التراثية تحت مطرقة التدمير الممنهج

إقرأ أيضاً