fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي عراقي

ياسين طه - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

رجل دين يحرض ضد النساء يثير جدلا في كردستان

سارعت وزارة الثقافة، في إقليم كردستان العراق، إلى إعلان إغلاق قناة تلفزيونية أرضية، تبث من العاصمة إربيل، قبل تحرك الجهات المعنية ضدها قضائياً، على خلفية إطلاقها دعوات تشجع على تعدد الزوجات، واتهامات بانتقاصها من كرامة المرأة الكردية واهانتها. المفاجأة أن الوزارة تراجعت بعد يوم من الإغلاق عن القرار وسمحت بإعادة البثّ تحت الضغوط.

القناة التي أثارت الجدل تحمل اسم “سروشت- الطبيعة”، ويملكها ويديرها رجل دين، منذ خمس سنوات، يدعى الملا مظهر، وهو يحمل شهادة دكتوراه في الشريعة وينتمي إلى التيار الصوفي. هذا الشيخ الذي يلقب نفسه بـ”الخراساني”، أثار ضجة كبيرة خلال رمضان هذا العام بين رواد مواقع التواصل، عبر تحويل قناته إلى منبر لدعوة الرجال إلى تعدد الزوجات والتهكم والهجوم على النساء اللواتي لا يقبلن بالفكرة.

دعوات الملا مظهر، جاءت ضمن برنامج يومي سمّاه “فرحة الصائمين” وتطرق من خلاله إلى مواضيع اجتماعية وعائلية بطريقة مزج فيها بين الفكاهة والهزل والجدية، مبرراً ذلك باستخدام “الحكمة” في الدعوة إلى الله.

لقي البرنامج الرمضاني متابعة واسعة نظراً إلى استخدامه أسلوب السخرية. وقد دافع الملا مظهر عن مبدأ تعدد الزوجات، ودعا الرجال إلى الإقبال على هذا الأمر، “نكاية” بالمرأة الكردية التي تقف ضد “الضرة”، بالطبع بحسب ما كان يقول ويسخر من النساء.

وضمن هذا السياق استقبل الملا مظهر في برنامجه الرمضاني اتصالات هاتفية تضمن بعضها، طلب أرامل معرفة كيفية الحصول على أزواج، وطلب رجال المساعدة في الحصول على زوجة ثانية، في وقائع غير مسبوقة تعد كسراً للواقع الاجتماعي الكردي المحافظ من جهة وتمييزاً ضد المرأة الكردية على نحو بالغ من جهة ثانية.

من خلال هذا البرنامج المسيئ، فتح الملا مظهر النار على النساء الكرديات اللواتي يكرهن “الضرة” ووصفهن بـ “الآغاوات”، وناشد الرجال الأكراد بالزواج من العربيات والتركيات والفارسيات “الجميلات” وفق تعبيره، للانتقام منهن.

التهجّم المفعم بقيم ذكورية تمييزية، والتي كررها الملا مظهر ضد المرأة عموماً وضد المرأة الكردية خصوصاً قدمه بقالب شعبوي واستخدم فيه الكثير من العبارات التقليدية الرائجة ضد النساء، إلى حدّ أنه وصف النساء اللاتي يقفن عائقاً أمام زواج أزواجهن بـ “الديناصورات”.

وحينما اتصلت به ناشطة وقالت له “أنت ابن ديناصور، لأنك ولدت من امرأة في النهاية”، ثار غضباً وقال: “هذه هي الديناصور الحقيقية وخير نموذج لما قلته”، مستهزئاً من طريقتها في الحديث وعدم البدء بالسلام الشرعي، كما أفتى بأن الشيطان وفرعون أكثر إيماناً من النساء اللاتي يلجأن إلى المحاكم والمنظمات المدنية لمنع أزواجهن من الزواج ثانية. وحينما اتصلت به امرأة لإعلان قبولها بزواج زوجها، سجد سجدة الشكر على الهواء ووصف المرأة بنموذج المرأة المؤمنة المحتشمة الأصيلة الملائكية.

المقاطع المنتشرة للملا مظهر على مواقع التواصل أثارت استهجان المنظمات النسوية والناشطات في مجال حقوق المرأة، حيث استنكرت ناشطات في الرأي العام الكردي دفع المجتمع في القرن الواحد والعشرين إلى طرح سؤال “هل المرأة الكردية إنسان أم ديناصور؟”، فيما وصفت اتحادات نسوية خطبه وتوجيهاته بأنها مسيئة للمرأة واختزال لدورها بصفتها خادمة للزوج والأسرة، وتحريض على التعدد والإساءة للقيم المدنية الحديثة، فيما اختارت أخريات اللجوء إلى القضاء ورفع قضية ضده بتهمة إهانة المرأة. لكن وخلافاً لهذا التوجه النسوي اتصلت ببرنامج الملا مظهر نساء أعربن عن الاستعداد للتظاهر والدفاع عنه بعد انتشار خبر إغلاق قناته، خلافاً لأقرانهن الناشطات المدنيات اللواتي طالبن بإبعاده من الحديث حول الشأن الأسري.

لكن التعدد الذي يدعو إليه الملا مظهر وفق الشريعة بشكل مطلق، يمنعه ويقيده قانون الأحوال الشخصية المعدل في إقليم كردستان، الصادر عام 2008،  وهو ينص  على منع الرجال من الزواج مرة ثانية إلا في حالات نادرة.

وعلى رغم دور القانون في التقليل من ظاهرة التعدد في المدن الكردية خلافاً لأنحاء العراق الأخرى، إلا أن الراغبين في التعدد يلجأون إلى المحاكم العراقية في كركوك والأقضية المجاورة لإقليم كردستان من أجل عقد القران والحصول على وثيقة زواج بشكل قانوني، في ظل سريان القانون الاتحادي وسيادته على أنحاء العراق كلها.

وزارة الثقافة الكردية أعلنت أنها لن تنتظر تقديم الدعاوى من قبل المدعي العام أو أي شخص آخر وأنها تغلق قناة الملا مظهر بتهمة “الإساءة إلى المرأة الكردية”، لكنها تراجعت بعد يومين من الإعلان ويوم واحد من إيقاف البث، بعد أن أثار القرار اتهامات بالتضييق على حرية التعبير، واستهداف الدين وأهله في أوساط المتدينين. في المقابل، لجأ الملا مظهر إلى البث الفيسبوكي المباشر لبث برنامجه بدل البث الأرضي، ودعم رجال دين وقنوات دينية أخرى معه ، وسط شكوك بوجود دعم سياسي لهذا الشيخ، إضافة إلى استخدامه لتحويل أنظار الرأي العام من قضايا سياسية راهنة، مثل تزوير الانتخابات إلى مواضيع اجتماعية لا تضر السلطة لكنها تشغل الناس.

وزارة الثقافة بررت السماح بإعادة بث قناة الملا مظهر بتعهده احترام المرأة، وهو أقرّ في إحدى مقابلاته باحتمال ارتكابه “التشهير” حينما وصف المرأة بالديناصور، وأعرب عن استعداده إلى دفع الغرامة المالية إن ثبتت التهمة عليه، لكنه رفض أن يتنازل مرات عدة عن الدعوة إلى تعدد الزوجات بحجة ارتباطها بثوابث الدين.

وفي ظل عدم حسم الموقف من مسألة المساواة بين الرجال والنساء وعدم التعامل بشكل جدي مع قضايا تمييزية ضد المرأة ستبقى ظواهر مسيئة للنساء والمجتمع عموماً من نوع رجل الدين هذا تشغل الرأي العام ولا تلاقي حسماً واضحاً من السلطات..

 

إقرأ أيضاً