fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم شفيق

مقالات الكاتب

“رائحة عطنة تقبض روحك”: سجون مصر تزدحم بالوافدين..

“قبض على حسن يوم 4  شباط/فبراير 2018، ولم نستدل على مكان احتجازه ولا مكان وجوده، أو تفاصيل القبض عليه، وطبيعة التهم الموجهة ضده، إذ انقطع الاتصال به، منذ ظهر ذلك اليوم، ما دفع أهلي إلى الشروع بالبحث عنه، بين الأقسام ومراكز الشرطة، بينما ظلت الردود، في كل هذه المواقف، هي إنكار وجوده”، بهذه الكلمات يسرد الصحافي المصري، عبد الرحمن فارس، ما حصل مع شقيقه الأصغر حسن، وهي قصة تبدو متكررة ومشابهة لحوادث القبض الكثيرة التي تستهدف، في الفترة الأخيرة، كثيرين من العاملين في المجال العام، والمحسوبين على ثورة يناير، من نشطاء سياسيين وحقوقيين وصحافيين.

ويضيف فارس لـ”درج”: “انقطاع الاتصال بهاتف شقيقي، كان الدافع وراء الشك والبحث وراء تغيبه، بينما لم نتمكن من معرفة ما حدث له، إلا في مساء يوم اختفائه، من طريق بعض الوسطاء، وبشكل غير مباشر، فتمكنّا من معرفة أنه محتجز، في معسكر الأمن المركزي، في الجيزة”.

ويلفت فارس إلى أن “شقيقه تعرض للاختطاف، أثناء توجهه إلى عمله، من الشارع داخل سيارة “ميكروباص”، وظل مختفياً لمدة ثلاثة عشر يوماً، حتى ظهر بشكل رسمي، للتحقيق معه، في نيابة أمن الدولة العليا، بينما ظل اعتمادنا، طوال الفترة السابقة، في الحصول على معلومات عنه، من خلال، أحد المحاميين الحقوقيين، والذي أبلغنا في عصر اليوم الثاني، انتقال شقيقي إلى مقر أمن الدولة، في الشيخ زايد”.

يواجه حسن”مجموعة من التهم، بحسب شقيقه، وهي الانضمام إلى جماعة محظورة وبث ونشر أخبار كاذبة وتلقي تمويل خارجي.

وبحسب شهادة شقيقه، تعرض الشاب العشريني، طوال فترة الاختفاء القسري، إلى مجموعة من الانتهاكات المخالفة للدستور وحقوق الإنسان، وحتى نصوص القانون، التي تحكم السجون المصرية، وناهيك بعملية اختطافه، باستخدام سيارة “ميكروباص”، وليس سيارة تابعة لوزارة الداخلية، فقد ظل معصوباً بغمامة على عينيه، لمدة ثلاثة عشر يوماً، فضلاً عن، التحقيق معه في النيابة، لمرتين، من دون حضور محامي عنه.

ويروي فارس، أنه لما ظهر شقيقه في السجن، بعد التحقيق معه في النيابة، احتجزوه مع عناصر تنتمي لتنظيم الدولة “داعش”، من دون مبرر، إضافة إلى فرض تضييق عليه في الزيارة، تجاه أسرته. مردفاً، أنه طوال تسعين يوماً، تعرض خلالهم للحبس الانفرادي، في زنزانة قذرة، كما يصفها، في سجن العقرب، شديد الحراسة، حيث لم يكن يرى ضوء النهار، أو يشم هواءً نقياً، سوى 7 مرات، وذلك، أثناء طريق ذهابه وعودته، للعرض على النيابة.

وبحسب ما رصدته الشبكة العربية، أحد المنظمات الحقوقية في القاهرة، فإن أعداد السجون المصرية التي تم إنشاؤها، عقب ثورة الخامس والعشرين كانون الثاني (يناير) 2011، قد تضاعفت عما سبقها، وبلغت نحو 19 سجناً جديداً، بخلاف الأقسام والمراكز الشرطية المنتشرة في أنحاء مصر. وفي ظل عدم وجود قاعدة بيانات محدثة، على موقع وزارة الداخلية الرسمي، منذ عام 2008، وثقت المنظمة أسماء السجون وإحصاءها، وتحديد أعداد الموقوفين فيها.

فخلال حكم المجلس العسكري، دشن سجناً واحداً، وفي حكم الرئيس المعزول، محمد مرسى، وجماعة الإخوان (سجنين)، وانتهاء بفترة حكم الرئيس الموقت، عدلي منصور، والرئيس السيسي (16 سجناً) بإجمالي 19 سجناً. ويقبع فيهم نحو 106 آلاف سجين، ومن بينهم 60 ألف سجين سياسي، وذلك، حتى عام 2016، بحسب تقديرات المنظمة.

 

وثقت منظمة العفو الدولية، 36 حالة لسجناء احتجزوا، رهن الحبس الانفرادي المطول، وإلى أجل غير مسمى، وبينهم ستة عزلوا، بشكل غير مشروع عن العالم الخارجي منذ عام 2013.

 

وصفت “منظمة العفو الدولية” في تقرير صادر عنها، أخيراً، الحبس الانفرادي، في السجون المصرية، بأنه “أحدث وسيلة للتعذيب”. وقد توصلت المنظمة إلى تلك النتيجة، في سياق إعداد تقريرها، ومن خلال نحو 93 مقابلة، مع تسعة سجناء سابقين، وأقارب 27 شخصاً، لا يزالون مسجونين. وأجريت المقابلات في الفترة من مارس\ آذار 2017 إلى مايو\ أيار 2018.

ووثق تقرير المنظمة، الصادر بعنوان: “سحق الإنسانية: إساءة استخدام الحبس الانفرادي في السجون المصرية”، أن عشرات المحتجزين في الحبس الانفرادي، من نشطاء حقوق الإنسان والصحافيين وأعضاء جماعات المعارضة، يتعرضون عمداً لإيذاء بدني رهيب، بما في ذلك الضرب على أيدي حراس السجون، وإجبارهم على غمر رؤوسهم مراراً في أوعية ملوثة بالغائط. وتؤدي المعاناة النفسية والبدنية التي تفرض عليهم عمداً إلى إصابتهم بأعراض من قبيل نوبات الهلع، والارتياب، وفرط الحساسية للمؤثرات الخارجية، إضافة إلى صعوبات في التركيز وفي الذاكرة.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية، 36 حالة لسجناء احتجزوا، رهن الحبس الانفرادي المطول، وإلى أجل غير مسمى، وبينهم ستة عزلوا، بشكل غير مشروع عن العالم الخارجي منذ عام 2013.

تقول ميار الطنطاوي، زوجة الصحافي المصري، هشام جعفر، والمحتجز رهن الحبس الانفرادي، في سجن العقرب: “المرة الأولى التي أرى فيها هشام بعد القبض عليه، كانت حين زرته في المستشفى. ووصف لي زنزانته الانفرادية، وما يشعر به هناك. وأكد أنه لا يستطيع أن يرى أي شيء، في ظلمة الزنزانة. ويعاني من صعوبات في التنفس، لعدم وجود نافذة أو أي مصدر آخر للهواء. وقال إنه يشعر بأنه في قبر، وأنه سيموت هناك. وعندما نقله حراس السجن من ذلك المكان، قال لي إنه عندها فهم معنى أن يولد الإنسان من جديد. ولكن، بعد أن أمضى شهوراً قليلة في المستشفى، أعادوه إلى الحبس الانفرادي مرة أخرى”.

وفي حديثه إلى “درج”، يقول معتز، طالب بإحدى الكليات العلمية، في العقد الثاني من عمره، إنه قبض عليه في منطقة وسط القاهرة، أثناء تظاهرات ذكرى ثورة يناير، قبل أربعة أعوام، بصورة عشوائية، ونفذ العملية عناصر تابعة للشرطة، اندسوا في صفوف المتظاهرين، بملابس مدنية”، مضيفاً، أن “هؤلاء الرجال، كانوا يقومون بالقبض على الشباب، ثمّ ينقلونهم إلى السيارات المتمركزة في الشوارع الجانبية، ويضعونهم داخل عربات الأمن المركزي، ومن ثم، ينتقلون بهم إلى معسكرات الأمن المركزي، أو أقسام الشرطة القريبة، مثل، قسم شرطة قصر النيل، القريب من منطقة التحرير”.

ويوضح معتز أنه تعرض لاعتداء من عناصر مدنيين، يقول إنهم “بلطجية” وجنائيين سابقين، تستخدمهم الشرطة، لقمع المتظاهرين والتنكيل بهم، في الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات، وغيرها من الظروف المشابهة.

وأثناء ترحيله في سيارة الأمن المركزي، تعرض لاعتداء بدني وضُرب، طوال الطريق.

وحين وصل مع المجموعة المقبوض عليها، إلى معسكر الأمن المركزي، في منطقة الدراسة، في القاهرة، تناوب عليهم العساكر والجنود، بشتى صنوف الشتائم والتعذيب الجسدي، كالضرب بأدوات حادة، وآلات موصولة بالكهرباء، متعمّدين إيلامهم بشدة.

وفي أحد أقسام الشرطة، التي انتقل إليها الشاب العشريني، امتنع أفراد القسم والمسؤولين فيه، أياماً عن إخبار عائلته بمكانه. وكانوا يحتجزونه في غرفة، تسمى “الثلاجة”؛ وهي إحدى غرف الأقسام الشرطية، تكون معزولة عن العالم، ومن دون نوافذ وسرية، يبقى فيها المسجونون فترة، حتى إنهاء الإجراءات، مثل تحرير محضر أو الاستقرار على إيداعهم في الحجز.

ويضيف: “تعرضت لصورة مختلفة من التعذيب، حيث التحقت بزنزانة، يُحتجز فيها جنائيون، تعمدوا إهانتي وضربي، والتنكيل بي.”

وإلى ذلك، يشير معتز إلى أن الزنزانة كانت مليئة بالحشرات، نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي، وتفتقر إلى عوامل التهوية الجيدة، كما كانوا يجبرون السجناء على الجلوس بجوار المكان الذي يسمّى حمّاماً، وهو عبارة عن غرفة، لا تتجاوز المتر ونصف المتر؛ “تقف داخلها، بينما نصف جسدك خارجها، وليس فيها سوى صندوق معدني قديم أسود، تنبعث منه رائحة عطنة، تقبض روحك، وأرغموني على النوم فوق أرضية الغرفة، من دون أغطية وفراش.”

وفي ظل الظروف الاستثنائية، التي تشمل الواقع الأمني واضطراباته في القاهرة، ودرجة الاستقطاب السياسي وقمع الأجهزة الأمنية، اللذين بلغا درجةً قاتمة، فقد أضحت السجون الجديدة، التي تم افتتاحها، عقب ثورة يناير، معدة بصورة مختلفة عن سابقتها، لناحية بنائها على مساحات شاسعة من الأفدنة؛ مثل، سجن الجيزة المركزي، الذي تم بناؤه، عام 2015، على مساحة 103.22 فدان، وجاهزة لتبلغ طاقتها الاستيعابية، آلاف المساجين الوافدين.

إقرأ أيضاً