هنا القصة الثالثة

زهير درهم

مقالات الكاتب

رأيتُ فان غوخ يرسم في صنعاء

تعيش اليمن الذكرى الثالثة للحرب وسط مشهد قاتم سياسياً وأمنياً. مع ذلك، هناك مساحات صغيرة يستغلها اليمنيون للتمسك بالحياة. هذا النص عن محاولات ابداعية في صنعاء…
كان يوم جميلاً. صحونا باكراً، التقطنا صورة جماعية قبل الانطلاق إلى الفعالية التي نظمها صديقي الفنان مراد سبيع وهو غني عن التعريف، فمراد من الرسامين التشكيليين الذين برزوا في اليمن في السنوات الأخيرة وعرف بنشاطه الفني خصوصاً في الرسم على جدران صنعاء كنوع من الاحتجاج السلمي على الحرب والانقسام وباتت له شهرة عالمية وليس فقط في اليمن. انطلقنا انا ومراد وبعدما أخذنا وجبة خفيفة في جولة الرويشان. كانت وقتها مشاركتي الأولى في فعالية رسم، والفعالية كانت في أكثر من مدينة كتعز والحديدة ومأرب وعدن، إضافةً إلى صنعاء. وأيضاً باريس وكوريا ومدغشقر. والشيء الجميل بالنسبة إليّ أني للمرة الأولى أشارك في فعالية تنعشني وتخرجني مع الألوان، أتجول وأفتش عن ملامح جديدة لقلبي.
دعوني أكمل لكم القصة
فجأة جاءت صبيةٌ لا أعرفها ولا أعرف من تكون، غير أني أدري أنها جاءت لترسم وتشارك في الفعالية، وطلبت مني أن أحضّر لها لوناً أزرق، ولم أكن أعرف ماذا سترسم. لكن في مطلق الأحوال، الأزرق يبهجني. من دون تردد ذهبت لأساعدها، وأحضرت اللون الأزرق وطلوته على الجدار كما طلبت مني. أنا لا أستطيع الرسم، ولكنّني أحب الألوان وأحَبّها إلى قلبي، الأزرق. قال الشاعر حسن المروني: لو لم يكن أجمل الألوان أزرقها ما اختاره الله لون للسماواتِ أمسكت الفتاة الفرشاة، وباشرت بالرسم، وهكذا بدأت تظهر ملامح اللوحة رويداً رويداً. ربما رسمت اللوحة بالفرشاة، حتى تبتعد من الطبع كما أنها لم تستخدم بخاخ الرنج. تفاصيل كثيرة عرفتها وأنا أتأمّل لوحتها تتشكّل، فيما غادر كل الذين يرسمون على الجدران، لم يبقَ أحد سوى منظمي الفعالية، والفتاة وأنا. أدركت صعوبة العمل الجبار التي تقوم به. فعلاً ليس من السهل أن ترسم بالفرشاة هذه الرسمة على الجدار. أكمل أكمل وماذا بعد! اصبروا عليا
وقلت لنفسي وأنا أنظر في ملامح اللوحة، هل هذه إحدى لوحات الرسام الهولندي فينسنت فان غوخ؟ وكنت اعرف اسمها: “ليلة النجوم المضيئة”. ذهبت إليها وسألت: هذه الرسمة لفان غوخ؟ قالت الفتاة “نعم، لأني معجبة بأعماله (كتييير كتييير)”.
أنا لم أصدق ولم أستوعب كلامها، وقلت في نفسي، “قد تكون الفتاة متأثرةً برسومات فان غوخ، لكن هل يعقل أن تستطيع رسمها؟”.
ثم أخرجت من حقيبتها حجراً رُسم عليها فان غوخ. يا إلهي ما كل ذلك الألوان وتفاصيل الوجه على الحجر وكأن الحجر يتكلم، وقد كنت محظوظاً جداً.
لماذا محظوظ؟
انا أول شخص في ذلك اليوم شاهد الحجر يتكلم. وكانت تتزايد عندي اللهفة والسعادة كلما كانت اللوحة توشك على الاكتمال. طلبت مني أن أضع النجوم على اللوحة باللون الأصفر، طبعاً شعور جميل أن تشارك بالألوان إلى جانب فنانة ومساعدتها بكل ما تطلب. بدأت أرسم النجوم باللون الأصفر وكنت في قمة السعادة، وكأن اللون الأصفر نجوم أضعها في السماء، لا على جدار. الوقت كان 12 ظهراً والشمس كانت قوية، لم أشعر بحرارتها لا أدري لماذا، وكذلك الفتاة أوشكت على إنجاز لوحتها. ولكن أليس لديها اسم؟ نعم صحيح الفتاة، صدقوني لم أعرف اسمها. كل هذا الوقت لم تعرف اسمها؟ لالا أنا سألتها وقالت اسمها أكثر من مرّة، إنما صوتها خفيفاً لم أستطيع سماعه. الحقيقة أنني عرفت اسمها من ألوانها وتأكدت أن الفنان لا يحتاج إلى اسم، فقط رسوماتهم وألوانهم تتكلم عنها.وأخيراً اكتملت لوحة الجدار. كيف أصف لكم اللوحة؟ وكيف أصف لكم شعوري وسعادتي وأنا بجانبها وبجانب الفتاة الجميلة؟ اللوحة: بعد كل ما تعلمته ودرسته وكل ما قرأته، لم أجد وصفاً للوحة، ولا لجمال الفتاة التي رسمتها! الفتاة حتى بعد أن اكتملت من لوحتها لم تعرف اسمها؟ نعم لم أعرف اسمها ولا من أي بلاد، فقط أعرف أن اللوحة لفينسنت فان غوخ، وأعرف أن اللوحة صارت في جولة الرويشان. وصدقوني لست أنا فقط كل من مر وشاهد اللوحة سيقسم بأن فان غوخ لم يمت، أما أنا فكنت مبتهجاً وسعيداً لأنّ فان غوخ كان يسكن في صنعاء.
أما الفتاة التي رسمت اللوحة فعرفت ان اسمها علياء سليمة.

إقرأ أيضاً