هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني

مقالات الكاتب

ذكرى النكبة: الموت في المعازل أو على السياج

حتى كتابة هذه السطور، كان 41 فلسطينياً قد قضوا برصاص الجيش الإسرائيلي قرب السياج الفاصل بين قطاع غزّة والأراضي المحتلة عام 1948، إضافة إلى أكثر من ألف جريح. وسائل الإعلام الإسرائيلية التي احتفلت بافتتاح السفارة الأميركية في القدس بالتزامن مع إطلاق النار على رؤوس المتظاهرين الفلسطينيين عشية ذكرى نكبتهم ونشوء دولة اسرائيل، رددت المقولة الفقيرة إلى المعنى وإلى الأخلاق عن “حق اسرائيل في الدفاع عن حدودها”، فيما ذهب المتحدثون الرسميون الإسرائيليون إلى التشديد على تحميل الضحية المسؤولية عن مصيرها.
الصحافيون الإسرائيليون لجأوا إلى مقولاتهم القديمة عن أن حركة “حماس” تستخدم المدنيين كرهائن لها وتدفعهم إلى موتهم المحتوم على الشريط الشائك بسبب زرعها “ايديولوجيا الكراهية” على ما رأى بن – درور يميني (“يديعوت أحرونوت”) فيما ذهب رئيس معهد “ميمري” الذي يرصد وسائل الإعلام في المنطقة يغال كمرون (“اسرائيل ها يوم”) إلى القاء اللائمة على الفلسطينيين في فشل عملية السلام لرفضهم اجراء المراجعة الأيديولوجية الضرورية بعد مئة عام من الصراع. مضمون هذه المراجعة يجب أن يقتصر على نقطة واحدة: تخلي منظمة التحرير عن حق العودة. غني عن البيان أن التخلي هذا لا يترافق مع تعويضات واعتراف إسرائيل بما ارتكبته من اقتلاع وتهجير وتطهير عرقي على مدى عقود، ما يتيح وصف أي تسوية مقبلة بأنها “عادلة”.

يطرح “المعتدلون” الإسرائيليون، خيار وقف التظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية مقابل البحث في تحسين الأوضاع المعيشية في غزّة

الأفدح من آراء الكتّاب الإسرائيليين يظهر في تعليقات القرّاء على مواقع الصحف. أكثرية ساحقة تؤيد قتل الفلسطينيين بذرائع الدفاع عن الحدود ومنع اختراق الإرهابيين لها أو حتى من دون أي ذريعة، ما يصور حقيقة الإنهيار الكامل لما سمّي ذات يوم “معسكر السلام” وافتقاره إلى قاعدة جدية تساهم لجم في التغول الإسرائيلي المعتمد على القوة ومنطق الغلبة و”الإبادة السياسية”.
إلقاء اللوم على الأيديولوجيا التي يتبناها الفلسطينيون سواء تلخصت في التمسك بحق العودة أو بممارسة الكفاح المسلح، لا يفي الواقع حقه. فالانقسام العميق بين حركتي “فتح” و”حماس” وجولات الصراعات الدامية والحوارات الفاشلة بينهما لا يدين فقط الحركتين اللتين تسببتا في ترك الساحة خالية لسياسات الاستيطان والاستفراد الإسرائيلية. ولا يخدم كثيراً فهم الحالة الفلسطينية الراهنة لوم التخلي العربي عن فلسطين. ناهيك عن الرفض الإسرائيلي الصريح لكل ما من شأنه أن يمنح السلام فرصة.
إفلاس الخيارين التفاوضي والمسلح والتجاوب الضئيل مع تجارب المقاومة الشعبية السلمية في عدد من نقاط الاحتكاك مع المستوطنات في الضفة الغربية، يعلن صعوبة استنباط أساليب جديدة في ظل الوضع الحالي. بيد أن ما كابده الفلسطينيون قبل اطلاقهم مقاومتهم المسلحة في 1965 لم يكن هيّنا أيضاً وتمكنوا في تلك المرحلة من إعادة قضيتهم إلى مركز الإهتمام الدولي. بداهة أن الظروف تغيرت من ذلك الحين وأن الوضعين الفلسطيني والعربي اسوأ بأشواط مما كانا عليه أواسط الستينات، لكن ذلك لا ينفي أن الظلم التاريخي الذي نزِل بالفلسطينيين لم يُرفع بعد.

وليس من أهمية كبيرة اليوم للسؤال عما يمكن أن تسفر عنه الحشود الفلسطينية قرب السياج الشائك في غزّة ولا عن المشروع السياسي الذي تستظل هذه التظاهرات بظله. فالاستثمار السياسي للتضحيات الفلسطينية لم يأت منذ أعوام بعيدة بنتيجة تُذكر. لكن المسألة لا تختصر بما يمكن أن يستفيد منه السياسي الفلسطيني، المسلح أو المفاوض، بعد ذلك الإفلاس المشهود. بل الأجدى بالمراقبة هو مستوى اليأس الذي يعيشه الفلسطينيون المحاصرون بالأسوار العالية وبالمستوطنين المسلحين، من أمامهم وبفشل قياداتهم على اختلافها، من ورائهم.
يطرح “المعتدلون” الإسرائيليون، خيار وقف التظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية مقابل البحث في تحسين الأوضاع المعيشية في غزّة (الضفة موضوع مختلف). وفي رأيهم ان الفلسطينيين يسببون الأذى لأنفسهم عندما يضرمون النار بخطوط الغاز أو بالمعابر بين غزّة وأراضي الـ 48 ويفاقمون من معاناتهم. يتجاهل هذا القول عمق المأساة التي تجاوزت أولوية تأمين لقمة الخبز ولو من خلال العمل عند المحتل، إلى الأسئلة الكبيرة عن معنى حياة لا تشبه الحياة وعن أفق لا ينفتح إلا على زوارق حربية إسرائيلية تحتل البحر وطائرات تستبيح السماء ومستوطنون لا يحد إجرامهم وغطرستهم قانون أو عُرف.
بعض الشبان الفلسطينيين الذين تحدثت وسائل الاعلام إليهم ساووا بين حياة في معازلهم المحاصرة وبين الموت برصاص الإسرائيليين. مفضلين موتاً مع كرامة. لا معنى لرفع المزيد من الشعارات بعد كلام كهذا.

إقرأ أيضاً