fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

دور النشر والرواية السورية

 ضاهر عيطة

عادة ما تكون الثورات أشبه بحراك مباغت، يخلخل الثوابت، ويخرج المخبوء  والمقموع إلى العلن، وهذا ما أحدثته الثورة السورية، حيث مزقت الأقنعة، وكشفت النقاب عن أشكال ومضامين الزيف والخداع، والقمع الذي مورس على السوريين لعقود طويلة.

امتد أثر الحراك السوري نحو الفكر والثقافة والأدب، إذ كانت أدوات هذه الفنون، قبل الثورة، محتكرة إلا فيما ندر لصالح جهات  شللية، أو حزبية، أو أمنية، تبث بمعظمها، خطابًا قمعيًا، تضليليًا، تنفيسيًا، خفي تارة، وصريح تارة أخرى، يتم عبره التسويق لسياسة النظام الحاكم في سوريا، وبدورها تقوم تلك بالترويج  لأفراد تلك الجهات، جاعلة منهم نجومًا دون غيرهم، في الشعر والفن التشكيلي والرواية والسينما والمسرح.

وجوه النظام احتكروا، ولا زالوا يحتكرون، معظم المنابر  والمعارض والندوات والتكريمات والمكافئات والسفرات والتمثيل في المحافل العربية والدولية، وقد اشتغل هذا النظام على جعلهم إيقونات، لئلا تظهر أصوات تخالف أصواتهم. هذه السياسة نجحت إلى حد كبير، خصوصًا وأن سوريا، وعبر  خمس عقود لم تنجب شعراء وروائيين وفنانين، إلا بالقدر الذي يمكن عده على أصابع اليد الواحدة، وإن ظهرت محاولات لشباب وشابات، بين حين وآخر، وغردت خارج سرب مثقفي وكتبة السلطة، يتم وئدها، بالتجاهل والتعالي عليها تارة، وتارة أخرى يتم قمعها بشكل مباشر، فتحدث تلقائيًا  عملية إخصاء، لاستمرار تكريس هؤلاء المحتكرين لأدوات الفنون. هذا ما حدث تمامًا من خلال أسطرة تجربة القائد الأوحد، والأب الأوحد، والمفكر الأوحد، والحزب الأوحد، لئلا يخرج أي قائد أو حزب أو فكر  من رحم المجتمع السوري. لكن مع انطلاق الثورة، تغير كل شيء، وتحطمت سطوة تلك الأصنام والأساطير التي أسست لمفهوم العجز في بنية المجتمع السوري ، فنتج عن ذلك ولادات إبداعية متعددة لشبات وشباب، على كافة الصعد، وفي فترة زمنية قياسية، ومن وسط هذا الجحيم، ظهر عشرات الروائيات والروائيين، ومثلهم في معظم  أنواع الفنون والأداب، غناءً وشعرًا ورسمًا ومسرحًا وموسيقى ونحتًا، ولكونها ولادات من رحم الثورة، راحت، وعبر المنتج الفني، تخلخل الثوابت الفكرية والفنية والأدبية التي كانت سائدة ما قبل الثورة. وكان من الطبيعي، مع تفجر هذه الطاقات. وانطلاقًا من رغبة الآخر  معرفة ما يجري في سوريا، والإستفادة منه ربحيًا، أبدت دور النشر العربية اهتمامًا بالمنتج الأدبي السوري، وخصوصًا تلك التي مقرها في لبنان والأردن ومصر، وكان للرواية النصيب الأكبر. و على مدار سبع سنين من عمر الثورة، لم نكد نلحظ تدنى إهتمام دور النشر تلك تجاه المنتج السوري، إذ تكفي الإشار إلى عدد الروايات الصادرة عنها، ليتبين لنا أن وتيرة الأصدارات لم تتوقف، كذلك فإن دور النشر  لم تشح بوجهها عن الأدب السوري، رغم الإحباطات و الإنتكاسات التي أصابت الثورة السورية. ولعل دور النشر وجدت في الانتاجات الثقافية تلك، إنعكاسًا ومحاكاة لتلك الاخفاقات والانتكاسات وقد تبدت واضحة في المنتج الروائي، سواء في تيماته، و مواضيعه التي حاكت بمعظمها مجريات أحداث الثورة السورية، مع تناولها للتاريخ القمعي الذي دأبت عليه العصابات الأسدية، ويكفي الاستدلال على الأسماء الشابة و عناوين نتاجهم الروائي، حتى تتأكد لنا حقيقة تلك الولادات.

هذا الكم من النتاج الثقافي السوري يشير إلى أن أن دور النشر لم تتأثر سلبًا بمجريات الأحداث السياسية، ولا بما حل بالثورة السورية من انتكاسات واخفاقات، ويؤكد فعلًا أن لدى السوريين ما يكتبون عنه لمئتي سنة، كما صرح الروائي خالد خليفة في أكثر من مرة.  ولم تكن الرواية وحدها من حظيت بهذا الإهتمام من قبل دور النشر، فكان لدواوين الشعر حيزًا لا بأس به، مما أتاح المجال أيضًا للتعرف على عشرات الشاعرات والشعراء من جيل شاب، لم نكد نسمع لهم صوتًا قبل الثورة، ولا أظن أنه كان لتلك الإبدعات والأسماء أن تخرج إلى النور في ظل نظام القمع والإخصاء، بل يمكن القول: إن ظهور هذا العدد الكبير  من الأسماء الشابة المشتغلة في حقل الأدب والفكر والفن، هو بحد ذاته أنجاز ثوري، يمهد لغد متحرر من الجهل والتابوهات والقمع. بالتأكيد يحتاج الأمر إلى وقت لتقييم تلك التجارب، دون اغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه العلاقات الشخصية، والمصالح، ووسائل الإعلام، في اشهار كاتب والتعتيم على آخر، وذلك يحتاج إلى بحث مطول لا يسعنا التطرق إليه هنا، ولكن ما يلفت الإنتباه في سياق موضوعنا، هو أن معظم دور النشر ، والسورية منها تحديدًا، والتي نقلت أعمالها إلى دول عربية، استمرت في سياسة تكريس الأسماء التي كانت مكرسة قبل إنطلاقة الثورة، وأشاحت النظر عن نتاجات الجيل الشاب، وكأن  سياسة الإخصاء الموروثة عن حكم آل الأسد، لازالت تعشعش في ثنايا هذه المؤسسات حتى وإن كانت تعنى بالأدب والفن. بالعموم، إن تجربة الشتات و اللجوء التي اضطر إليها أصحاب تلك الطاقات الإبداعية وغيرهم من السوريين، لا بد وأن ينتج عنها إجابيات كثيرة، تمكنهم من الإطلاع على ثقافات وتجارب جديدة، بعد عقود من التعتيم الذي فرض عليهم، كذلك فإن اطلاع المحيط الثقافي الغربي على النتاج الثقافي السوري، لا بد وأن يغير النظرة الغربية المتعاطفة مع من تعتبرهم لاجئين، ومع منتجهم الإبداعي، إلى تقييم أكثر اقعية، بعيدًا عن التعاطف والشفقة.

 

إقرأ أيضاً