fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

دموع نصر الله ودموع السنيورة

أجهش السيّد حسن نصر الله بالبكاء في خلال إحيائه ليالي عاشوراء في “مجمّع سيّد الشهداء” في الضاحية الجنوبيّة من بيروت. فعندما بدأ الأمين العامّ لحزب الله باستعراض سيرة الإمام الحسين، وفيما كان يردّد: “سنقول للإمام الحسين كما قال أئمّتنا من هوان الدنيا على الله سبحانه وتعالى”، لم يستطع تمالك دموعه فبدأ بالبكاء مباشرة على هواء قناة “المنار”.

قبل سنوات قليلة كان السيّد العراقيّ الراحل محمّد باقر الحكيم قد ذهب أبعد من ذلك: ففيما كان يعدّد مآسي أهل البيت، لا سيّما الإمام الحسين، راح يبكي ويلطم حتّى فقد كلّ سيطرة على النفس وكاد يقع أرضاً لو لم يلتفّ حوله محازبوه ويرفعوه عنها.

هذه الحالة التي يصنعها خليط من التماهي والوجد ومشاعر الذنب مفهومة في الأديان عموماً، لا في الشيعيّة وحدها. وهي مستثناة من المعادلة الذكوريّة التقليديّة من أنّ “الرجل لا يبكي”. فالشكّ لا يرقى إلى “رجولة” قادة كالحكيم ونصر الله (الذي لم يبكِ نجله) تُبكيهم استعادة تلك التجربة.

لكنّ دموع الأخير ذكّرتْ لبنانيّين كثيرين، من باب المقارنة، بدموع ذرفها في 2006 فؤاد السنيورة. فرئيس حكومة لبنان يومذاك أبكاه الدمار والموت اللذان كانت الحرب الإسرائيليّة تُنزلانه ببلده. إنّها، إذا صحّ القول، دموع وطنيّة وزمنيّة في مقابل دموع دينيّة وطائفيّة.

كذلك، وأيضاً في مجال المقارنة، عوملت دموع نصر الله باحترام حتّى من بعض خصومه السياسيّين. ذاك أنّ ارتباطها، على نحو أو آخر، بالمقدّس، يُلزم الآخرين بهذا الاحترام. لكنّ دموع السنيورة قابلها خصومه السياسيّون بالسخرية والاتّهام بالجبن والخنوع.

والحال أنّ الخيار بين دموع الأوّل ودموع الثاني ليس مجرّد خيار سياسيّ. إنّه يضع على المحكّ نظام الأولويّات في التبويب وفي التنزيه: هل الرأس فيه هو الدين (حيث لا ينطبق مبدأ “الرجل لا يبكي”) أم الوطنيّة (حيث يُعمل بهذا المبدأ بكثير من السينيكيّة والانتهازيّة).

وما دام من الشائع اعتبار أنّ السياسيّين “يمثّلون” مواقفهم و”يفتعلون” مشاعرهم، بما يتلاءم مع ما يريده الجمهور، فلا بأس بأن نفترض (ولو بنسبة 5 في المئة) أنّ السنيورة ونصر الله “ألّفا” دموعهما تأليفاً. لكنْ حتّى في ظلّ هذه الفرضيّة الضئيلة والمستبعَدة، لا تتغيّر المعاني والدلالات كثيراً: فأحدهما كان مهتمّاً بمخاطبة حساسيّة وطنيّة، مدارها بلدٌ يتعرّض للتدمير ومواطنون لنا (نعرفهم) يموتون أمامنا، والثاني بدا مهتمّاً بمخاطبة حساسيّة طائفيّة لجماعة بعينها، مدارها موت حصل قبل 14 قرناً.

أمّا التأثّر بهذا أو ذاك فهو، مرّة أخرى، خيار مطروح دوماً على اللبنانيّين في ما خصّ نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم المحيط.


الرئيس فؤاد السنيورة يبكي (الدقيقة 1:22) أمام وزاء الخارجيّة العرب بعد قصف بلدة حولا الجنوبيّة خلال حرب تمّوز 2006

إقرأ أيضاً