fbpx

هنا القصة الثالثة

هنادي الخطيب

مقالات الكاتب

درعا… وجهة الندب الجديدة

يقول المثل الأميركي: “إن خدعتني مرة فعار عليك، وإن خدعتني مرتين فعار علي”، حسناً، كم من المرات علينا أن نخدع، وكم من الوعود علينا أن نصدق ممن يسمون أصدقاء سوريا وخصوصاً أميركا، وهل وقوف الفصائل عاجزة عن حماية أي مدني، وعن توفير خيمة لنازح واحد، وعن التصريح عن الوعود الحقيقية التي تلقوها، سوف يغير الخاتمة؟

أكثر من أسبوع على بدء الهجوم على درعا، ولا ندري كم من الوقت ستستمر تلك الهجمة، ولكن ما نعرفه جيداً هو النتيجة الحتمية المتكررة، الباصات الخضراء، استسلام غير مشروط، شهداء مدنيون وغير مدنيين، وعشرات آلاف النازحين والمشردين.

قبل درعا كانت الغوطة، وقبلها حلب ومضايا وداريا، سيناريو يتكرر، من دون أي تغيير في أي تفصيل، وعود من الدول الصديقة وأميركا هي الدولة الصديقة في ما يحدث في درعا، سحب للوعود، تعنت من الفصائل وشعارات رنانة وكبيرة، ينتهي كل ذلك بإعلان روسيا الهجوم، واتباع سياسة الأرض المحروقة، لتبدأ عمليات كم الأفواه والتشبيح على كل من يجرؤ على السؤال عن سبب تكرار السيناريو، أو كل من يحاول أن يفكر منطقياً ويطرح حلول أخرى تجنب المدنيين القتل والتهجير والدفن تحت الأنقاض.

بعد أسبوع من الهجوم، صرحت الأمم المتحدة بأن عدد الهاربين من القصف الروسي وقصف النظام أصبح عشرات الآلاف، اتجهوا إلى القرى الحدودية مع الأردن، ومع إغلاق الأردن حدودها وعدم السماح بإدخال أولئك البشر المنكوبين، سنسأل الفصائل المتباهية بشعاراتها، ماذا أنتم فاعلون الآن؟

 

نتذكر جميعنا، امتناع فصائل الجنوب عن التحرك أو إطلاق رصاصة واحدة، على رغم استغاثات الغوطة قبل سقوطها، والحجة كانت بحسب تصريحات قادة تلك الفصائل أن الولايات المتحدة الأميركية وعدتهم بحمايتهم إن لم يتدخلو بما يحدث في الغوطة، وأنها ستحافظ على اتفاق خفض التصعيد في الجنوب، وكانت تلك الوعود أكثر من كافية بالنسبة إليهم، فالتزمت الجبهة الجنوبية الصمت، وسقطت الغوطة بعد أن سوّى نظام الأسد وروسيا بيوتها بالأرض، وبعد أن قصف دوما بالكلور ومن ثم انصاعت الفصائل بعد أن ملأت الإعلام ضجيجاً عن الصمود والتصدي، وبدأت الفضائح بعد السقوط بالتوالي.

بعيداً من الغوطة، قريباً من السيناريو ذاته في درعا، وبنظرة سريعة إلى الأحداث ومن دون الحاجة إلى التفكير طويلاً، سندرك أن ما سيحدث في درعا سبق أن حصل في بقية المدن التي انتهى سكانها ما بين الموت ومراكز الإيواء وإدلب. أما الغريب والذي يأبى العقل أن يفهمه فهو أن يحافظ الجميع، قادة الفصائل الذين أعدموا واعتقلوا في بداية الشهر الجاري كل من شكوا بأنه تواصل مع روسيا للاطلاع على شروط المصالحة الممكن تطبيقها في درعا وريفها، يحافظ على إطلاق شعارات التصدي والصمود، وبمساعدة وتزكية من متنطحين للدفاع عن الصمود، وهو صمود نظري بلا أي مقومات، سيخوضون معركة او اثنتين وسيتوحش القصف الروسي كالعادة، هل من عاقل سوري اليوم يظن أن ثمة انتصار يمكن أن تحرزه المعارضة المسلحة؟

الوحيدون الذي فوجئوا بموقف أميركا ورسالتها التي وجهتها إلى فصائل الجنوب، هم الفصائل أنفسهم والناطقون باسمهم وباسم حوارن من دون أن يدري أحد من حوران من نصبهم للكلام باسمهم، أما السوريين على طول الأرض وعرضها فإن سحب أميركا وعدها كان أمراً متوقعاً، فأميركا ما قبل ترامب ساعدت النظام ونقضت عهودها للشعب السوري، وما بعد ترامب غسلت يدها من الموضوع السوري وسلمته برمته إلى روسيا، متجاهلة وضاربة بعرض الحائط كل ما يمكن أن يقال عن حقوق الإنسان والجرائم بحق الإنسانية التي تمارسها روسيا والنظام في سوريا، فعن أي وعود أميركية يتحدثون؟

كعادتنا في كل مصيبة تحدث، وكلما اتخذ قرار روسي بتهجير منطقة والسيطرة عليها، نبدأ بالندب، ونلقي المسؤولية على التخاذل الدولي وتخلي أميركا عن المنكوبين، وكأن أحداً في هذا العالم بما في ذلك الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية لديه أدنى اهتمام بما يقوله أولئك، أو كأن تلك الشعارات ستمنع القصف الروسي، لتصبح التساؤلات السابقة جريمة، وكل من يحاول التذكير بها أو التنبيه من السيناريو المعروف الذي سيحدث، خائن تارة ومتخاذل تارة أخرى، وبالطبع سيصبح هدفاً سهلاً للشتيمة وتشويه السمعة، إذاً هل يحق لنا أن نسأل ماذا وراء كل ذلك التعنت؟

هل كانت ثمة شكوك حقيقية باشتراك روسيا بالهجوم على درعا، على رغم أن الإعلام الروسي والسوري المقرب من النظام يتوعد درعا منذ شهر مارس/ آذار أثناء الهجوم على الغوطة، وهل ثمة أي أمل بأن روسيا ستتخلى عن النظام اليوم، ولماذا؟

 

لا مشكلة لدى موسكو بالإعلان عن خروقات لاتفاق الهدنة في درعا، وإعلان قاعدة حميميم الروسية أن المنطقة الجنوبية خرجت من مناطق خفض التصعيد لا يحتاج إلى كثير من الجهد، ولا دول ضامنة حقيقية ترفع الصوت في وجه أميركا، فإيران مع روسيا في الخندق ذاته، وتركيا تلتزم الصمت من دون أن يطالبها أي سوري بموقف، فالقرار أصبح واضحاً، لن يتركوا حجراً على حجر، سيتوجهون إلى تنفيذ ما يلزم وفقاً للتفاهمات الثلاثية مع واشنطن وتل أبيب وعمان.

سنخرج من معركة درعا، بلا معبر وبلا معتقلين، بلا بيوت ولا بشر، بلا مصالحات، ولكن مهجرين ونازحين، ولن يعتذر أحد، لا أميركا التي تصرفت بشكل روتيني ومكرر، وعود خلبية وسحب وعود، لن تعتذر روسيا لأنها تقتل السوريين منذ سنوات بطريقة ممنهجة ومنظمة، لن يعتذر العالم لأنه اعتاد رؤية الموت السوري، لن يعتذر المطبلون ومطلقو الشعارات الرنانة التي أُثبت أنها مجرد كلمات ترمى لحصد شعبية وهمية، لن تعتذر الفصائل لأنها رفضت الجلوس على طاولة التفاوض على أمل حقن بعض الدماء.

 

إقرأ أيضاً