fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

درعا في ظل النظام: الشرطة الروسية تحمي المعارضين

مضت عدة أسابيع منذ أحكمت قوات النظام السوري، بدعم روسي، سيطرتها على محافظة درعا، بعد مواجهات عسكرية انتهت بانخراط غالبية الفصائل المقاتلة في التسوية. بموجب ذلك عاد أكثر من 750 ألف نسمة إلى العيش تحت سلطة النظام مجددًا بعد ستة أعوام من سلطة المعارضة عليهم، العودة التي يُخشى أن تدفع أجهزة النظام الأمنية لعمليات انتقام بحق أهالي المحافظة التي أشعلت شرارة الاحتجاجات الشعبية في آذار/مارس 2011.

صحيح أن الخارطة السورية باتت تُظهر المنطقة الجنوبية وقد صُبغت باللون الأحمر، الذي يشير إلى سيطرة قوات النظام، إلا أن الملامح الجديدة للمشهد الذي أفضت إليه هذه المنطقة يبدو أكثر تعقيدًا، فالتأثير الروسي والإقليمي يظهر بقوة من خلال ضبط النظام عسكريًا وتقييد تحركه وتواجده بشكل كبير. فـ “الجيش السوري” في درعا، على عكس جميع المناطق التي استطاع السيطرة عليها سابقًا، عاد إلى الثكنات العسكرية التي كان فيها قبيل اندلاع الاحتجاجات في عام 2011 مباشرة، واختفت المظاهر العسكرية والآليات المجنزرة، بشكل شبه كامل، من داخل المدن والبلدات، كما سُمح للآلاف من الأهالي بالعودة إلى منازلهم في عدة بلدات وقرى وأحياء كانت قوات النظام قد هجّرتهم منها لعدة سنوات.

في درعا، نجحت “الشرطة العسكرية الروسية” بتجنيد المئات من مقاتلي فصائل المعارضة سابقًا ودمجهم بهيئة “قوى أمن داخلي” بالتنسيق مع “اللجنة الأمنية والعسكرية للمنطقة الجنوبية” التي أوجدها النظام في المنطقة، فيما يبدو أنها اجراءات روسية، أُتفق عليها إقليميًا في وقت سابق، هدفها إرساء حالة من الاستقرار والاطمئنان الأمني.

المساعي الروسية في لعب دور الضابط والضامن الأمني والعسكري للنظام، أدّت إلى بثّ حالة من الارتياح العام بين شريحة واسعة من الأهالي، انعكست بشكل مباشر على أعداد المُهجّرين الذين لم يتجاوز عددهم الـ 10 آلاف، بينما كانت التوقّعات قبل أسابيع تتحدث عن مئات الآلاف الذين قد يختارون التهجّير على العودة إلى سلطة النظام مرّة أخرى.

مقاتلون من الفصائل المسلحة الذين قبلوا بالتسوية برعاية روسيا

بالتزامن مع هذا “الضبط الأمني والعسكري”، بدأت المديريات الخدمية التابعة للنظام نشاطها بشكل ملحوظ، على مستوى إصلاح وترميم شبكات الكهرباء والمياه وتعبيد الطرقات، مع تكثيف الجهود نحو إعادة تشغيل معبر نصيب الحدودي مع الأردن، والذي سيدير عجلة الاقتصاد في كامل المنطقة الجنوبية، كما سيّر الهلال الأحمر السوري العديد من قوافل الإغاثة والإسعاف للمناطق المنكوبة.

“الاستقرار” الذي يظهر أن روسيا تريد أن تثبته على طريقتها تخللته حوادث عدة أقدمت عليها قوات النظام بحيث سجلت عدة انتهاكات بحقّ مدنيين، وتركزت بشكل خاص في البلدات والقرى التي كانت تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة حوض اليرموك. هناك، أُعدم وأُعتقل العشرات من المدنيين بذريعة انتمائهم للتنظيم، بالإضافة الى عمليات تهجير واسعة في قرى حوش حماد والشياح وهمان في منطقة اللجاة، وبدء عمليات تجريف المنازل وتدميرها، دون تقديم مبررات أو تعويضات. لاحقاً عملت القوات الروسية على نقل من تبقى من أهالي تلك القرى إلى مراكز إيواء مؤقتة في ريف درعا.

التجاذب أو ربما التنسيق بين الشرطة الروسية وأفرع النظام الأمنية، تسبّبت في ارتباك سكان المنطقة وحيرتهم ازاء كيفية تفسير ما يحصل وكيف سينعكس على مستقبل المنطقة وأهلها. مصعب الكور، وهو من سكان مدينة درعا، يتابع بقلق ما يحصل ويعتبر أن روسيا ستنشغل لاحقاً بجبهات أخرى في شمال سوريا وأن هذا،” قد يفسح المجال لتمدد النفوذ الإيراني وعودة أفرع النظام إلى نشاطها القديم مرة أخرى”، معتبرًا أن تطوع المئات وربما الآلاف من مقاتلي المعارضة سابقًا في وحدات النظام العسكرية والأمنية، قد يشكّل ضمانًا مستقبليًا لمنع تكرار الانتهاكات من جديد.

هذا الرأي خالفته وجهة نظر أخرى، تعتقد بأن النظام قد انتهى فعليًا وأن كامل خيوط المشهد السوري باتت في القبضة الروسية، وذلك بحسب القيادي السابق في أحد الفصائل المعارضة المسلحة، محمد النابلسي، والذي نقل، في حديثه مع “درج”، عن الجانب الروسي تقديمه وعوداً، إبان مفاوضات التسوية بأن، “روسيا تحمل تفويضًا واتفاقًا دوليًا ينهي الصراع السوري ويؤمن عملية التسوية السياسية بالكامل”، مضيفًا أن روسيا نقلت لهم أنها ” تتحكم في كامل مفاصل النظام السوري عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا”، ودعت ممثلي فصائل المعارضة والهيئات المدنية في تلك المفاوضات إلى البقاء في مدنهم وبلداتهم تحت الضمان الروسي بالحل الشامل على مستوى سوريا خلال أشهر قليلة.

لا يمكن لمن يتابع المشهد الأمني والعسكري والمدني لمحافظة درعا خلال الأسابيع الأولى من استعادة النظام لسيطرته الكاملة عليها، إلا أن يلمس دورًا إقليميًا ودوليًا يبدو أكبر من النظام ومعارضيه معًا، ما يبدو بمثابة تنفيذ اتفاق على تسوية الوضع السوري، وإرساء حالة من الاستقرار تمنع الانجرار نحو العنف مجددًا، ليبقى التحدي أمام نجاح هذا “الاتفاق”، هو مدى انضباط أفرع النظام الأمنية وفك قبضتها عن ارتكاب الانتهاكات.

إقرأ أيضاً