fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

دراما رمضان: أن نشاهد بعين القاتل

بثت روسيا خلال السنوات الماضية، عبر إعلامها الرسميّ، مجموعة من الفيديوهات، الملتقطة بواسطة طائرات من دون طيار drones، والتي تصور حجم الخراب، الذي شهدته مناطق مختلفة في سوريا، كحمص وحلب وريف دمشق. هذه الوثائق، تنتمي إلى عين القاتل، ذي السيادة على السماء، التي يتحرك فيها بحريّة. أتت الصور، كامتداد للجهود العسكريّة وسياسات التدمير، التي مارسها النظام السوريّ وحلفاؤه، إذ أعادوا تكوين جغرافيا المُدن/ الأرض، عبر سلطة التحديق من أعلى، وهذا ما نراه في عدد من المسلسلات الرمضانيّة، التي تبنت سياسات “السماء” السابقة، واستخدمت اللقطات الجويّة ذاتها أو تبّنت تقنيّتها، بوصفها جزءاً من التجهيز staging، لمسرح الأحداث، والفضاء الذي تدور فيه الحكايات المتخيّلة.

صور مساحات الدمار التي يلتقطها “الدرون”، نشاهدها في مسلسل “فوضى”– إنتاج سما الفن الدوليّة- بوصفها جسور الانتقال، بين فضاءات “الأمن”، وفضاءات “الخراب”، التي تدور فيها مجموعة من “الحكايات”. هناك ما يدعو إلى السؤال عن هذه اللقطات ومدى “واقعيّتها”، المستقاة من لحظة تاريخيّة، وجهود سياسية ممنهجة، لا تنتمي إلى الإنتاج “الفنيّ” لبناء مسرح الأحداث، فهذه “الجسور” تصل بين “الواقعي- العُلويّ- السلطويّ” و”المتخيّل- الأرضيّ- الدرامي”. من خلال مثل تلك اللقطات ننتقل من تحديق القاتل السياسي في تفاصيل الخراب، بوصفها مساحات لصناعة الحقيقة الدراميّة، إذ نشاهد تأثير التدمير في شروط الحياة، سواء عبر حكايات المهجرين الافتراضيّة، أو من سقطت عليهم قذيفة “إرهابيّة”، فهذا الخراب الأرضيّ، ليس زخرفة أو مساحة مجانية للأداء وحسب، بل يتحكم بمصائر الشخصيات، ويحرّك أفعالها ضمن المسلسل، كما ينسحب تأثيره على صناع هذه الحكايات أنفسهم. يصف سمير حسين، مخرج “فوضى” في تصريح له، أن التصوير كان في منطقة محاذية لريف دمشق حيث “المعارك” قائمة، ويقول إنه طلب فتح نوافذ المنزل الذي كان مقراً لفريق العمل، خوفاً من أن يتحطم ما تبقى منها، جراء الضغط في حال سقطت قذيفة قريبة.

الحكايات “الافتراضيّة” التي تدور ضمن هذه المساحات، مسيّسة، توارب أسباب الدمار وتتحاشاها، تسلّم بما حصل، وتنتج أدواراً جديدة، منحرفة قليلاً عن حكايات المهجّرين التي نراها في الأخبار والفيديوات المسربة، والتي تشير بوضوح إلى من هدم المنازل، وهنا تكمن سياسة هذا “الخراب”. فبعد أن ينتهي تصوير المشهد، تبقى هذه المساحات خاضعة للسلطة السياسيّة، التي تنظم نهبها، وتتيح أحياناً لمن فقدوا بيوتهم أن يتأمّلوا حجارتها، بعكس المؤدين الذين ينصرفون إلى حياتهم “الطبيعيّة”، فالخراب ليس اصطناعياً، إنما يختزن تاريخ من كانوا “أحياء” هناك، الذين يستطيعون تمييز منازلهم من أعلى، المنازل ذاتها التي أصبحت جزءاً من “بروباغاندا” الترفيه والتسلية.

تحاول المنتجات الثقافيّة السابقة، أن “تبيّض” وجه النظام السوري، وهنا فإن كلمة”تبيّض” ليست كلمة عشوائيّة، بل تعني الجهود السياسية والنصية والفنيّة والمؤسساتيّة، لإنتاج حكايات، تدّعي محاكاة “حقيقة” ما حدث. نرى ذلك بوضوح في مشهد من مسلسل “روزانا”- إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي- الذي نرى فيه لقاء تلفزيونياً، مع خبير اقتصادي يدعو إلى التقشف، وأن على المواطن، أن يتحمل الظروف التي تمر بها البلاد. المشهد مصور في استديو للتلفزيون السوري “الحقيقي”، ويطل على ساحة الأمويين في دمشق، حيث الحياة “طبيعيّة” ومستمرة. مكونات هذا المشهد الرمزية، تحوي في الخلفية حقيقة سياسية لا تنتمي إلى المتخيّل، إذ تلتقط الكاميرا “حياة” أفراد، لا يعرفون أنهم جزء من “الكادر”، هم يؤدون أدوارهم اليومية، المناسبة جداً للحكاية المسيّسة، هم خاضعون، ويؤدون الطاعة بدقة، إذ تتطابق أدوراهم اليوميّة مع  الصورة المتخيلة “للحقيقة” التي يسعى النظام إلى إنتاجها، فالكاميرا تبدد المسافة بين الواقعيّ والمتخيّل، بل وتجعلهما متطابقين، ما يؤكد امتداد الهيمنة حتى على المتخيّل، بوصفه جزءاً من جهود “التبييض”.

تحضر الهيمنة الرمزيّة في هذه المسلسلات بشكل طبيعيّ، إذ نرى في “فوضى” مثلاً، رموز النظام السوري، كالعلم السوري النظامي على أبواب المحلات، وصور بشار الأسد في الفضاءات العامة. هي جزء من المكونات الثقافيّة للفضاء العام، وتمثل المعالم الرمزيّة للشارع السوريّ، كما أنها لا تشكل أي تهديد، لكن هذه الفضاءات خارجية، وملكية تكوينها تعود إلى أجهزة الدولة، التي تحدد شكلها. قد ينتقد البعض ذلك بالقول إن “الشارع في سوريا شكله هكذا!”، وهنا المشكلة، فـ”حقيقة” النظام وفضاءاته، حاضرة ضمن هذه المساحات المرئيّة “المتخيّلة”، والتي يتم الترويج لها على أنها تحاكي الواقع، ما يجعل الحكايات، تسليماً بهذه الرموز، والشرط السياسي الذي أنتجها، بوصفه “الطبيعي” الذي لا داعي لمساءلته.

يمتد هذا “التبييض” إلى أجساد الأفراد أنفسهم وهوياتهم، كحالة محمد فواز، الذي وجد صورة ابنه “الشهيد” علاء فواز، في أحد كوادر مسلسل “الولادة من الخاصرة- منبر الموت”، “إنتاج مؤسسة كلاكيت” عام 2013، هذه الصورة وثيقة، التقطها الأب بنفسه لابنه الذي قضى بسبب قصف نظام الأسد بحسب تعبيره، لكنها ضمن المسلسل، تحضر بوصفها جزءاً من حقيقة النظام، وحربه على الإرهاب.

نرى عين القاتل أيضاً، في إحدى اللقطات– insert- في مسلسل “روزانا”، في نهاية الحلقة الأولى، حيث نشاهد من وجهة نظر دبابة تابعة للجيش السوريّ، كيف تقوم بإطلاق قذيفة وهدم بناء، هذه الصور مأخوذة من “البروباغاندا” الروسيّة، التي تبث ضمن الأخبار الجديّة، إذ نرى أنفسنا لثانية فقط، وضمن “الترفيه” في موقع من تسبب بالدمار، بوصفه “مُحرراً”،  بحث بسيط على الانترنت، يكشف أن اللقطات مأخوذة من دبابة كانت في داريا، في ريف دمشق، التي شهدت حملة وحشيّة انتهت بتدميرها وتهجير أهلها.

يعكس استخدام اللقطات السباقة ما يسمى necro-ethics، أو أخلاقيات الموت، فنحن حين نرى بعين ذاك الذي يمتلك سلطة تعريض الحياة لقوة الموت، نتعرف إلى الحقيقة التي يروّج لها. فهذه اللقطات، تسجّل ما لا ينتمي إلى الخيال، بل إلى شروط الحياة الذي خلقتها السيادة، وجهودها في توزيع الأدوار بين من يستحقون الحياة، ومن قضوا في الخراب، بوصفهم أعداء لا بد من موتهم، فالمساحات السياسية التي تشكل خشبة الأحداث، تختزن شروط السلطة، وآليات الاستثناء التي تمارسها، لضبط حياة الأفراد بالصورة التي تريدها.

 

إقرأ أيضاً