fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

مقالات الكاتب

“داعش” يطل برأسه في العراق والسلطات تلجأ إلى “التجربة المصرية”  

شكل النصر العسكري على “داعش”، والذي تمثل باستعادة المدن الكبرى والمساحات التي كانت تحت قبضة التنظيم وفي مقدمها الموصل، الإنجاز الرئيسي لرئيس الوزراء حيدر العبادي وقائمته الانتخابية “النصر” التي حلت ثالثةً بعد قائمتي الصدر “سائرون” والحشد الشعبي “الفتح” في انتخابات الـ12 من أيار/مايو الماضي. إلا أن عودة هذا التنظيم إلى النشاط في جنوب كركوك وغربها، أوقعت الحكومة في حرج بالغ بسبب تعرض النصر لخطر الضياع والتفتيت، ما يعني تعرض الجسر الذي يمكن أن يعبر عليه العبادي لنيل ولاية ثانية إلى خطر الهدم، بخاصة بعد إعلان المرجعية وصولها إلى اليأس من وجود “آذان صاغية” لمطالبها الجماهيرية.

عمليات “داعش” الأخيرة بعد إعلان النصر، تنوعت بين عمليات خطف على الطرق الرئيسية، وتفجير سيارات مفخخة، ونصب السيطرات (الحواجز) الوهمية، والاعتماد على الفرق الجوالة، وحرب العصابات والاستنزاف، إضافة إلى نشر إصدارات مرئية لمقاتليه وملامح بعيدة لمضافاتهم، في “ولاية كركوك” المفترضة، ما يعني أن زوال “الدولة الإسلامية” بشكل عملي والنصر عليها عسكرياً، لا يعني انتهاء خطر التنظيم أو استئصال جذوره التي يبدو أنها تنمو ببطء مجدداً في ظل تراكم الأزمات في بلاد الرافدين، حيث أفادت الأرقام التي سجلتها بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بمقتلِ ما مجموعه 76 مدنياً عراقياً وإصابة 129 آخرين، جرّاء أعمال “الإرهاب والعنف والنزاع المسلح” خلال شهر يونيو/ حزيران المنصرم، على رغم اعلان النصر.

اقرأ أيضاً: أصدقاء طهران يحتفون بالحوثيين داخل معلم “بعثي” في بغداد

وبعد انتشار أخبار عن ظهور جماعة “الرايات البيض” في أطراف بلدة طوزخورماتو جنوب كركوك بمحاذاة حدود إقليم كردستان لفترة من الوقت، تصدرت خروقات “داعش” في جنوب كركوك وغربها نشرات الأخبار خلال الأيام الماضية، بدءاً من إجبار قرى تابعة للأقلية الدينية “الكاكائية” الكُردية على إخلاء مناطقها تحت التهديد، وصولاً إلى اختطاف 6 مواطنين على طريق كركوك- بغداد، وإعدامهم، بعد نشر فيديو مصور لهم على وكالة “أعماق” الناطقة باسم التنظيم، عبر تطبيق “تلغرام”، في 23 حزيران/ يونيو، وتضمن الشريط تهديداً من “داعش” بإعدامهم ما لم يتم إطلاق سراح من سماهم التنظيم “المعتقلات من أهل السنة” خلال ثلاثة أيام. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان أساليب عمل التنظيم الموروثة من “القاعدة” في مواجهة خصومه قبل إعلان “الخلافة” وبعده. إلا أن الحكومة العراقية رفضت الخضوع لهذا الابتزاز، والتفاوض مع “داعش”، وانتهت القضية بقتل المخطوفين ورميهم في أرض بعيدة بعد التنكيل بهم، وسط استنفار شعبي وإعلامي لمعرفة مصيرهم، والتفاعل مع مناشدات ذويهم لفك احتجازهم. أعقبت تلك العملية محاولة تفجير مركز فرز الأصوات وسط مدينة كركوك بسيارة مفخخة يقودها انتحاري حملت بصمات التنظيم.

أقدمت وزارة العدل العراقية، على إعدام 13 مداناً بالإرهاب

 

محللون أمنيون أعربوا عن صدمتهم من عودة “داعش” إلى النشاط في عمق الأراضي العراقية وتشكيله “مثلث موت” بين محافظات كركوك، وصلاح الدين، وديالى المعروفة بـ “المتنازع عليها” بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، بسبب الخلاف على هوية تلك المناطق، فيما كانت الأنظار تتجه أساساً إلى بادية الأنبار والمناطق الغربية للعراق كمنطقة محتملة لظهور “داعش” من جديد بسبب محاذاتها مناطق نفوذ “داعش” وسيطرته على الضفة السورية، شرق البلاد في ما يعرف بآخر معاقل “أرض التمكين”.

اقرأ أيضاً: هل استهدفت إسرائيل مقاتلين عراقيين موالين لطهران داخل سوريا؟

مسؤولون عراقيون كشفوا عن أن المعلومات الاستخباراتية، تشير إلى وجود ما يقارب 700 مقاتل من “داعش” في المناطق التابعة لمحافظتي نينوى وصلاح الدين، يعيشون بصورة مستقرة في “مضافات”، موزعة داخل حدود هاتين المحافظتين المحاذيتين لكركوك، ويقومون بأنشطة عسكرية بالتواصل مع قواتهم من داخل سوريا، إضافة إلى عدد من الخلايا النائمة داخل المدن العراقية، وسط شبه إجماع بين المحللين ومتابعي شؤون الجماعات الإسلامية، على براعة التنظيم في استغلال الأزمات، والفراغات الأمنية، والحواضن الريفية الزراعية مثل أطراف كركوك لإقناعهم بالانضمام إلى دعايته التي تتمثل في رفع المظلومية والتهميش عن “أهل السنة” وإحياء “الخلافة”. وذلك وسط بيئة يتصارع فيها العرب والأكراد والتركمان على خلفية قضايا شائكة تتعلق بالهوية والأرض وتوزيع الثروات والموارد، وكيفية تقاسم السلطة في “مناطق النزاع”.

ورداً على نشاطات “داعش” الأخيرة، وفي مواجهة الجبهة التي فتحها في جنوب كركوك وغربها، لجأت السلطات العراقية التي يقودها العبادي إلى استخدام التجربة المصرية وتكرارها في الرد على الصدمات التي خلفها “داعش” في الشارع العراقي، حيث أقدمت وزارة العدل العراقية، على إعدام 13 مداناً بالإرهاب ممن اكتسبت أحكامهم درجة القطعية، ونسقت الحكومة العراقية مع التحالف الدولي لضرب مواقع مفترضة لـ”داعش” في تلال حمرين التي تحولت معقلاً للتنظيم بين ديإلى وكركوك، وسط تكرار هجمات سلاح الجو العراقي ضد مواقع مفترضة لـ”داعش” داخل العمق السوري، في مشهد مكرر للقصف المصري على مواقع للمسلحين في ليبيا بعد الهجوم على حافلة للأقباط في حزيران العام الماضي. إلا أن مسؤولين عسكريين سابقين يشددون على استحالة فرض الأمن في تلك المناطق الريفية الرخوة من دون مساعدة المختارين والتشكيلات الاجتماعية وأهالي القرى الصغيرة المنتشرة بالقرب من تلك الوديان والتلال والأرض الوعرة، التي تصل لنحو 230 قرية، يسكنها حوالى 15 ألف مواطن، خضعوا لقبضة “داعش” بعد 2014، وما زالوا يعانون من وجود مخبرين وعيون وفلول للتنظيم. كما جردتهم القوات الأمنية من السلاح، وتحيطهم مساحات أراضٍ خالية من المراقبة، شكلت أرضية خصبة لاستعمال “داعش” التكتيك القتالي الذي يعتمد على القتال بطريقة الأشباح والفرق الجوالة واستخدام المناورة والإنهاك والاستنزاف والتمويل الذاتي والعمليات النوعية، بحسب المطلعين على شؤون التنظيم.

اقرأ أيضاً: العراق: أميركا التقت الحشد وخطوة بارزانية نحو طهران

إقرأ أيضاً