fbpx

هنا القصة الثالثة

مروان كيالي- صحافي سوري

مقالات الكاتب

خروف على خط عسكري

ساعات قليلة تفصلني عن الحدود اللبنانية آتياً من سوريا، وما إن اجتزت بعض مواقع الحواجز العسكرية السابقة، حتى أيقنت أن حاجز العادلية ما زال قائماً قرب دمشق، وهو الحاجز الذي يحتوي على جهاز “سكانر” (ماسح ضوئي)، فاضطررنا إلى النزول كي تدخل السيارة في نفق “السكانر”.

سيارة “سوزوكي” قديمة تحمل خلفها خروفاً لطيفاً لا يعرف أن النُّزهة التي يقوم بها قد تكون الأخيرة، قبل ذبحه في أحد المسالخ، أو طبخه كأحد النذور.

توقفنا كثيراً عند الحاجز، وكان التفتيش كما في السابق مذللاً ادعاءات السلطة في دمشق عن تخفيف الحواجز والإجراءات الأمنية بشكل عام.

لم يرق للخروف الانتظار فباشر بالـمأمأة رافضاً التوقف. فما كان من العنصر العسكري إلا أن سمح لسائق السيارة الحاملة الخروف بالدخول عبر الخط العسكري، في حين كنا ما زلنا ننتظر بطاقاتنا الشخصية عند غرفة “الفيش”.

اقرأ أيضاً: النظام يبيع وهماً مستحيلاً اسمه “إعادة إعمار سوريا”

عاودنا الانطلاق، ولحقنا بالسيارة المحمّلة بالخروف عند حاجز قصر المؤتمرات. وخلال اللحظات القليلة كان الخروف سعيداً بانجازه ومرتاحاً بسرعة مروره على الحاجز، يُمأمئ سعيداً، ونحن ننظر إليه بشيء من الحسد. هل هو شبّيح؟ سأل أحدهم عن ميول الخروف السياسية. هل لديه بطاقة أمنية أم أنه محسوبٌ على أحد الميليشيات؟ ضحكاتنا تعالت عند الحاجز ما أزعج العنصر العسكري.

“هِنت شو قصتك، شو يلي عم يضحك”، فأجاب السائق مسرعاً، “سبقنا الخروف على الخط العسكري، والناس ينتظرون منذ ربع ساعة”، فأجاب العنصر العسكري بسخرية “إي صير خاروف ومنمرقك على الخط العسكري”. لم تكن المزحة التي لفظها العسكري سوى كلام مبطّن فيه الكثير من الحقد.

عدنا إلى طريقنا وإذ التقينا بالسيارة التي تحمل الخروف عند حاجز طريق المطار. لم يكن الخروف في مزاج جيد، فبدأ يتحرك في مكانه ويُمأمئ بصوتٍ عالٍ، وكأنه شعر بالخطر من الامتياز الذي حصل عليه، فأصبح يقترب بسرعة أكبر من مكان ذبحه.

“سبقنا الخروف على الخط العسكري، والناس ينتظرون منذ ربع ساعة”، فأجاب العنصر العسكري بسخرية “إي صير خاروف ومنمرقك على الخط العسكري”. لم تكن المزحة التي لفظها العسكري سوى كلام مبطّن فيه الكثير من الحقد.

سرنا بالتوازي مع تلك السيارة، هي على الخط العسكري، ونحن على الخط المدني. نراقب تصرفات العناصر التي يصنفونها مضحكة بحسب قاموسهم، فيسألون لمن الخروف، وهل فيه مواد مهربة، وأين الفاتورة الخاصة به. يهمس السائق بعبارات مفتاحية تجاههم مثل “كيفك يا بن العم، كيفك معلمنا، فيضع بعض النقود في يدهم خوفاً من أن يسرقوا “يعفشوا” الخروف.

يذكر أحد الرّكاب أن هذا الخروف ذو سعر مرتفع، “إذ كان سعر الخروف الحي أيام السلم نحو 10000 ليرة سورية، في حين يبلغ اليوم ما بين 40000 و60000 ليرة سورية بحسب وزنه ونوعه. أما سعر كيلو اللحم المذبوح فيتراوح اليوم ما بين 3500 وَ5000 ليرة سورية، ما يعادل سدس راتب أحد الركاب، وربع راتب مسافر آخر، وكل ما أملك كوني عاطل من العمل حالياً. وبذلك يبدو تناول اللحم في الأيام الحالية ضرباً من الخيال”. يقول ذلك مع حسرة من لم يذق طعم لحم الخروف المشوي منذ سنوات.

توافقنا جميعنا على ذلك داخل السيارة، وتذكرنا كؤوس العَرَق البلدي التي كانت تزين طاولة الطعام المليئة بلحم الشواء.

استيقظنا من نقاشنا على صوت مَأمأة الخروف من جديد. واستطاع السائق تجاوزنا بسيارات كثيرة كونه على الخط العسكري وابتعد صوت المأمأة حتى اختفى.

تناسينا أمر الخروف ورحنا في تفكير بعيد من الحال المعيشية التي وصلنا إليها في سوريا، إذ إن ارتفاع الأسعار بلغ حدّاً جنونياً لا يحتمل.

فجأة وصلنا إلى حاجز المتحلق الجنوبي، وسمعنا صوت مأمأة مألوفة. إنه الخروف ذاته في السيارة نفسها، منهكٌ وتعب. لم يكن حينها على الخط العسكري، وكأن الامتياز سحب منه. وجدناه حزيناً ومكسور الخاطر، ينتظر مثقلاً بالهموم مثله مثل أي سوري على الخط المدني. شعرنا بغبطة من دون أي أحقاد سابقة عليه. وقلنا جميعنا “الدنيا دولاب”؛ فلماذا الاستعجال على الذبح وجميعنا يمر بشيء من الموت البطيء. مأمأ الخروف موافقاً، وبقينا على الخط المدني معاً، حتى فارقنا الخروف بعيداً نحو الطريق المؤدي إلى المسلخ.

اقرأ أيضاً: “تعفيش” درعا سبقه “تشويل” حلب: السويداء ليست استثناءً

إقرأ أيضاً