fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

خامنئي لن يمنع لقاء “سرياً” بين روحاني وترامب

المفاجأة التي فجّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي، حول استعداده للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني بدون شروط مسبقة، ليست سابقة في تاريخ العلاقات المتأرجحة بين الولايات المتحدة وإيران. سبق للرئيس الأميركي جورج بوش الأب أن ترجم استعداده لإجراء محادثات مع القيادة الإيرانية، بالاتصال هاتفيّاً بالرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني، ولأسباب تتعلّق بعدم نضوج الفكرة لدى الجانب الإيراني، أو ربما الخوف من العواقب، لم يرفع رفسنجاني السمّاعة!

طالما راوغت القيادة الإيرانية في إجراء محادثات مباشرة وعلنية مع الجانب الأميركي، لكنها لم تتقاعس يوماً عن إجرائها في السر. مير حسين موسوي زعيم الحركة الخضراء القابع منذ أكثر من تسع سنوات في الإقامة الجبرية، سرّب في العام 1988، وكان يومها رئيسا للحكومة، أنه تواصل مع القيادة الأميركية عبر خمس قنوات دبلوماسية، وكشف أن التفاوض مع الولايات المتحدة، كان بمثابة مغامرة بالنسبة للجناح الحاكم في إيران، لكنه في الوقت نفسه كان موضع تنافس.

المحادثات بين الأميركيين والإيرانيين، أخذت طابع السرية، بعد الهجوم على السفارة الأميركية في طهران واحتجاز موظفيها رهائن لدى الحركة الطلابية الثورية. على ضوء هذه الحادثة قرّر قائد الثورة الإمام الخميني، قطع العلاقات مع الولايات المتّحدة الأميركية، ولكنّه لم يمانع من إجراء محادثات سرية، من أجل ابتزازها بالرهائن، وأوكل هذه المهمة لأحد مساعديه وهو بهزاد نبوي، الذي وصل بالقضية إلى خواتيمها السعيدة، وقد كتب رئيس الجمهورية آنذاك، أبو الحسن بني صدر في مذكراته أن الإمام الخميني أرسل الشيخ صادق طبطبائي إلى ألمانيا للقاء معاون وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر، محمّلاً إياه تعهّداً شخصيّاً  بتحرير الرهائن.

على وقع المفاجأة التي فجّرها ترامب، ورغم محاولة تهذيبها أميركيا، يبدو أن مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي لا مانع لديه من تجاوب روحاني مع المبادرة الأميركية، وقد يكون مشجّعاً لإجرائها سرّاً.

يُعدّ الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وعبر كل المناصب التي تقلّب فيها، أكثر مسؤول إيراني أجرى محادثات سريّة مع الأميركيين، وذلك خلال عهدي الرئيسين رونالد ريغان وجورج بوش الأب، وكان شديد التحفّظ والسريّة في هذه المحادثات وحصر هذه المهمّة بشقيقه.

أشهر لقاء سري افتضح أمره بين الأميركيين والإيرانيين، هو سفر مستشار الأمن القومي روبرت ماكفرلين إلى إيران، وكان الرئيس الحالي حسن روحاني أحد مستقبيله في مطار مهرباد في طهران، وقطعوا معاً قالب حلوى على شكل مفتاح، إشارة إلى أن هذه الزيارة هي بمثابة مفتاح للعلاقات بين البلدين. بعد هذه الزيارة الشهيرة، تبادل الطرفان الأسفار، واستمرت بينهما العلاقات السريّة. ويقال إن من سرّب خبر زيارة ماكفرلين إلى طهران هو الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

في عهد بوش الأب، وكان حينها رفسنجاني رئيساً للجمهورية، أجرت إيران مفاوضات سريّة مع الأميركيين أيضاً، أسفرت عن تحرير رهائن أميركيين في لبنان، كان يحتجزهم “حزب الله”.

في أول اجتماع شارك فيه الرئيس محمد خاتمي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعرب عن رغبته في إجراء محادثات مباشرة مع الجانب الأميركي، ولكنه سرعان ما توارى عن الأنظار بعدما أبلغه مساعدوه أن الرئيس الأميركي بيل كلينتون يرغب في ترجمة عمليّة لهذه الخطوة المتقدمة.

زعيم المعارضة مهدي كروبي الموضوع في الإقامة الجبرية أيضاً، خلال مشاركته في قمة إنترفاكس في نيويورك، يوم كان رئيساً للبرلمان الإيراني، التقى عضو مجلس الشيوخ الأميركي آرلن سبكتر وأجريا حديثاً مقتضباً عن العلاقات بين البلدين، ولم تعترض  الجمهورية الإسلامية على هذا اللقاء، وكتبت الصحف الإيرانية يومذاك أن رئيس البرلمان أجرى محادثات مع مسؤول أميركي رفيع المستوى.

أول محادثات علنية بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية، جرت أثناء الحملة الأميركية على أفغانستان، كان التنسيق يومها جارياً على قدم وساق بين البلدين، اللذين اكتشفا الكثير من نقاط الالتقاء بينهما، خصوصاً الاستراتيجية منها.

يُعدّ محمد جواد ظريف منذ كان مندوباً لبلاده في الأمم المتحدة، مفاوضاً لطيفاً مع الأميركيين وكان يلتقي المندوب الأميركي بلا تحفّظات، وزير الخارجية السابق كمال خرازي عقد أكثر من لقاء مع نائب رئيس الولايات المتحدة الأسبق جوزف بايدن على هامش اجتماعات مؤتمر دافوس في سويسرا، سفير إيران في العراق حسين كاظمي قمي التقى أكثر من مرة السفير الأميركي في العراق راين كراكر، سكرتير مجلس الأمن القومي سعيد جليلي التقى بصورة مباشرة مندوب الولايات المتحدة في محادثات جنيف السفير ويليام برنز.

تُعتبر سلطنة عمان، بيت الضيافة الأميركي- الإيراني، حيث ترتّب منذ عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، لقاءات سريّة تجمع وزراء خارجية البلدين، أو وفوداً من وزارتي خارجية البلدين، وآخرها اللقاء الذي جمع وزير الخارجية محمد جواد ظريف بوفد من وزارة الخارجية الأميركية بعد أزمة انقلاب ترامب على الاتفاق النووي.

في عهد الرئيس الحالي حسن روحاني، ولأول مرة بعد قطع العلاقات بين البلدين، بادر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالاتصال بروحاني من أجل الوصول إلى حل في شأن البرنامج النووي الإيراني، وكذلك تعدّدت الاتصالات بين وزيري خارجية البلدين، وأفضى هذا التقارب إلى توقيع اتفاق جنيف، وكان مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي حريصاً على أن يثبت أن هذه اللقاءات والاتصالات والمحادثات المباشرة والعلنية تصب في مصلحة إيران وبرنامجها النووي، رغم أن وزيري خارجية البلدين كانا يتجاوزان دواعي العمل أحياناً وينشغلان بإطلاق النكات والتهنئة بالأعياد الوطنية أحياناً أخرى.

على وقع المفاجأة التي فجّرها ترامب، ورغم محاولة تهذيبها أميركيا، يبدو أن مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي لا مانع لديه من تجاوب روحاني مع المبادرة الأميركية، وقد يكون مشجّعاً لإجرائها سرّاً. كما أن المسؤولين الإيرانيين سواء كانوا محافظين أم وسطيين أكثر ميلاً من المسؤولين الأميركيين إلى تنفيذ دعوة ترامب بأسرع وقت ممكن، ويبدو أنهم مستعدون لإجراء أي نوع من المفاوضات تحت أي سقف وبدون أي شروط، رغم توجّسهم من طمع المفاوض الأميركي في الحصول على المزيد من التنازلات، فالبلاد على حافة الانهيار.

 

إقرأ أيضاً