fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

حين يتماهى “الشرطي الصغير” مع الأخ الأكبر… قضيّة شربل نموذجاً

هنا صوت القمع. هنا الدولة البوليسيّة. هنا لبنان، حيث الدولة ساهرة على راحة قادتها، وأمراء حرب أمس حاكمون بأمر الله اليوم بقوّة نصوصٍ بالية لا يزال تعديلها أمراً عسيراً. دينُ الدولة اللبنانيّة ليس الإسلام، كما في دول الجوار، ولا المسيحيّة، كما في دولٍ أبعد. لها دينٌ من نوعٍ آخر يحتّم عليها الدفاع عن أنبياء وقدّيسين/ات ليسوا بحاجةٍ إلى من يدافع عنهم، فيما يجيز لها في الوقت نفسه إذلال الأفراد، وتقييد حريّاتهم، وسوقهم إلى عدالةٍ ستنصف قاهريهم. هنا عين الدولة الساهرة على تطبيق القوانين، إذا صدف أن امتدّت بين الموادّ 383 و 389 من قانون العقوبات وسواها من الموادّ التي تتناول جرائم القدح والذمّ والمسّ برئاسة الجمهوريّة، بعباراتٍ فضفاضة يسهل استغلالها لصالح السلطة. بين المسّ بالرموز الدينيّة والتعرّض لرئاسة الجمهويّة خيطٌ رفيعٌ جدًّا، وظيفته تذكير المواطنين/ات بأنّ البابا الأرضي لا يزال امتداداً للبابا العلويّ.

اعتقدنا أنّ قصّة شربل خوري وجوي سليم اكتملت حبكتها وبلغت ذروتها، وأنّ الأمور عادت إلى ما يشبه مجراها بعد رجوع شربل إلى عمله يوم الاثنين. كتب شربل خوري المنشور الشهير الذي تضمّن استهزاءً من عجيبة للقدّيس شربل وتعليقاً ساخراً من جوي، فأنجب نقاشاً افتراضيّاً عقيماً. احتدم الخلاف، فتدخّل القضاء لصالح المعتدين والمُهدّدين. ظننّا أنّ المشهد، على قسوته، قد انتهى. ولكن كان للبيان تتمّة. فيوم الأربعاء 1 آب، وبعد يومين على عودة شربل إلى عمله، تضامنت “شركة مكتبة لبنان ناشرون” مع مار شربل، أو بالأحرى مع السلطة، فرشّت الملح على الجراح عبر تبليغه بقرار صرفه من الشركة التي عمل فيها في قسم الإحصائيّات لمدّة ثلاث سنوات. استاء مدير الشركة، حبيب الصايغ، من البلبلة التي أثارها شربل، وربّما أيضاً من مشاركته في الاعتصام الذي نُفّذ في 24 تمّوز الفائت تحت شعار #ضدّ_القمع رفضاً لملاحقة الأفراد والناشطين/ات على خلفيّة تعليقاتٍ منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي واستدعائهم من مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتيّة.

لم يلمس شربل أي بوادر لتضامن جماعي مع قضيّته في مكان عمله، كما وُوجه بقرار صرف تعسّفي يعكس طاعة شرطيّ صغيرٍ لدولة بوليسيّةٍ أكبر.

خسر شربل عمله في شركة تبيّن أنّها لم تكن تحترم أبسط الحقوق العمّاليّة من ضمان صحّي واجتماعي، وأخبر “درج” أنّه حتّى الساعة، لم يستلم الأوراق التي وقّع عليها بعد إعلامه بخبر صرفه من العمل. في المقابل، شدّد شربل على تمسّكه بقناعاته وعدم تراجعه عن حقوقه المكفولة بالقانون، لافتاً إلى أنّ الدعوى المرفوعة ضدّه من قبل المركز الكاثوليكي للإعلام وكلّ الإساءات اللفظيّة والجسديّة التي تعرّض لها وممارسات الترهيب المتفشّية في البلاد لن تنال من عزيمته.

منذ انتخاب الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهوريّة، أشارت تقارير حقوقيّة عديدة إلى تصاعد وتيرة استدعاءات روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين/ات الحقوقيّين/ات والتحقيق معهم لمجرّد تعبيرهم عن آرائهم السياسيّة واستهزائهم بالطبقة الحاكمة وانتقادهم الرؤساء، وأعربت عن قلقها إزاء تقييد حريّة التعبير في لبنان. وكان تقريرٌ صادر عن لجنة حقوق الإنسان النيابيّة وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في لبنان ألمح في العام 2008 إلى هشاشة الحالة السائدة وإمكانيّة تضييق مساحة الحريّات في لبنان عبر قوله إنّ “سيف التضييق يبقى مسلّطاً في ظلّ وجود موادّ قانونيّة مجحفة، كما يُخشى أن يكون التيّار اللّيبرالي الحالي عرضةً للتقويض تبعاً لتبدّل الظروف والسلطات السياسيّة مستقبلاً”. وفي هذا السياق، أكّد مركز الدفاع عن الحريّات والإعلاميّة والثقافيّة، سكايز، لـ”درج” أنّ عدد الاستدعاءات في ارتفاع ومعظمها نُفّذت على خلفيّة انتقاد رئيس الجمهوريّة أو أحد قادة التيّار الوطني الحرّ الذي يرأسه النائب جبران باسيل، وهو حزب لبناني معروفٌ “بليبراليّته” المتناقضة التي يفتخر بها تارّةً، ويخفيها طوراً، ليعود ويحتفي بمعتقداته الثقافيّة المُحافِظة والجامدة. وإن اقتفي أثرٌ لسياسة “العصا والجزرة” في ممارسات هذا التيّار، إلا أن تلويحه بالعصا شاع أكثر في الآونة الأخيرة عن طريق لجوئه إلى النيابات العامّة. تلك النيابات العامّة نفسها التي ذاق طعم قمعها طوال سنوات الوصاية السوريّة على لبنان.     

خلال التوقيف، أُجبر عددٌ كبير من الموقوفين/ات على توقيع تعهّدات غير قانونيّة بعدم التعرّض لهذا الدين أو هذه الشخصيّة كشرطٍ للإفراج عنهم، وهو ما وصفته منظّمة العفو الدوليّة “بضربٍ من ضروب الترهيب” التي لا أساس لها في القانون. بالإضافة إلى توقيعه على تعهّدٍ مشابه، مُني شربل بقرار القاضية غادة عون التي منعته بموجبه من استخدام حسابه الخاصّ على فيسبوك لمدّة شهر بحجّة حمايته من التهديدات والشتائم، وهو ما وصفه حقوقيّون/ات بالخطوة غير المسبوقة لكمّ الأفواه والحرمان الجائر من حريّة التعبير وحقّ الردّ.  

اتّحد القانون والقضاء والسلطة الدينيّة والقطاع الخاص وزملاء العمل في جوقةٍ واحدة، ضدّ شربل. لم يكن سلاح القانون كافياً، فأتى العقاب الاجتماعي ليكلّله ويبارك عواقبه. لم يلمس شربل أي بوادر لتضامن جماعي مع قضيّته في مكان عمله، كما وُوجه بقرار صرف تعسّفي يعكس طاعة شرطيّ صغيرٍ لدولة بوليسيّةٍ أكبر. تناسى المركز الكاثوليكي للإعلام والشركة “المسيحيّة” التي عمل فيها قيم التسامح وحقّ الاختلاف وحريّة المعتقد. لم يقترف شربل أي خطأ مهني يُعاتب عليه ولم يوجَّه له أي إنذار رسميّ. فهل يحصّل له القضاء حقّه، أم يهنّئ من حرمه من لقمة عيشه كما سبق وهنّأ من تعرّض له؟

اقرأ أيضاً: لبنان “العهد” يصعّد حملته على الصحافيّين وجديده فداء عيتاني

إقرأ أيضاً