fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم درويش

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

“حين غمرتني رائحة صابون الغار” : حرية الغرب الباردة ولا سجن الشرق الدافئ!

محطة قطارات زفولا 23 نيسان/ابريل 2018 مساء، تفتح عينيك فجأة على صوت السائق الذي يردد بنبرة نزقة نبأ وصولنا إلى زفولا. زفولا؟ تسأل نفسك لوهلة. ألم تكن ذاهباً إلى عنتاب؟! ترى الناس يتدافعون بسرعة من عربات القطار، تفرك عينيك، تضبّ الصابونة الصغيرة التي أهداك إياها صديقك قبل قليل في أوترخت، والنائمة الآن بين كفيك بكيسها الورقي الأليف، وتنهض.

رائحة الغار التي على يديك تملأك. تمشي خلف الناس بين صحو ونوم. تغادر القطار إلى الدرج الطويل المؤدي إلى الطبقة السفلية من المحطة. الناس عيونهم إلى الأرض. ترفع يدك إلى رأسك. رائحة الغار تملأك من جديد. كتف أحدهم يحتك بزندك. شيء يشبه الحزن يتقطر في القلب. لا تعرف لماذا، ولا تسأل. عيناك اللتان إلى الأرض ترتفعان قليلاً. رائحة الغار تعبق أكثر. المحطة تصير سوقاً عتيقاً مسقوفاً. ناس بثياب ملونة يمشون ببطء وهم يتأملون واجهات المحال ويقلبون أصناف السكاكر والبهارات. يتفحصون أنواع الأقمشة بخجل، ويجربون حلي الذهب أو يتفرجون عليها من خلف واجهات زجاجية صغيرة.

رائحة الغار لا تظل وحدها. الرائحة تستحضر روائح أخرى؛ البهار، الكمون الزعتر. تسحب نفساً عميقاً لتتنشق الروائح. لتتذوقها. الطعم ينزل إلى القلب. أيضاً لا تسأل كيف. أذناك تائهتان بين أصوات الباعة العالية وضحكاتهم وإلحاح الزبائن الذين يحاولون تخفيض سعر قطعة ما. عيناك تتنقلان بين رجال مسلمين يغسلون أقدامهم على حافة جامع قريب أو راهبة فرنسيسكانية بثوب بني بإزار أبيض تخرج من كنيسة أليفة.

المشهد بدا طويلاً كفاية، لكنه مرّ بوقت قصير استغرقه مسيرك إلى باب المحطة الخارجي الذي تسير منه إلى دراجتك المركونة في الخارج والتي ستقودها بعد قليل في شوارع زفولا. في أيام أخرى تملك مشاعر مختلفة في مثل هذه اللحظات عن هذه التي تملكها اليوم. رائحة صابون الغار فعلت فعلها! تقطع التذكرة لتخرج من المحطة فتتذكر عيني صديقك الذي أهداك هذه الصابونة وتبتسم.

أحياناً تظن أن الماضي نائم في قلبك. لكن أدنى تفصيل قادر على أن يوقظه، كرائحة صابون الغار هذه. هذه الرائحة لا تحملك إلى تلك الأسواق البعيدة فحسب، بل أيضاً إلى قطار تختلط محطاته مما بين أوترخت وزفولا إلى ما بين حلب وعنتاب.

الألفة التي تخلقها مع الأمكنة والناس هنا شيء آخر مختلف لا يمنع وحشتك أن تكبر فيك كل يوم أكثر. أن تحس نفسك كل يوم مختلفاً. دفء الحياة هناك. الناس الشغوفون العاطفيون. قرب الناس من بعضهم بعضاً. الاستمتاع بالحياة فقط بالمشاركة مع الآخرين. “بالناس المسرّة” كقول وأسلوب حياة. كلها أشياء يصعب شرحها هنا. يصعب إيجادها على رسلها. كلها أشياء تجعلك تكتشف أنك كلما اندمجت أكثر كلما قلّ اندماجك.

تأخذك أيضاً إلى صديقك الذي أهداك هذه الصابونة الصغيرة في أوترخت. هناك وأنتما تسيران على مهل، تلمحان حارة صغيرة ضيقة يتسلق الورد حيطانها. تذكران بعضكما بحارات حلب القديمة وتلتقطان صورة للحارة الأليفة. التقاط الصور ليس من باب أن نحفظ لحظة نعيشها، بل لنؤكد لأنفسنا أن هذا الذي يظل يدور في القلب على شكل ذاكرة أو نسيان لن يتوه. سيظل يقرع باب القلب ومع أي تفصيل صغير هنا تفتح له فترى هشاشة ما تسعى إلى خلقه من اندماج.

الألفة التي تخلقها مع الأمكنة والناس هنا شيء آخر مختلف لا يمنع وحشتك أن تكبر فيك كل يوم أكثر. أن تحس نفسك كل يوم مختلفاً. دفء الحياة هناك. الناس الشغوفون العاطفيون. قرب الناس من بعضهم بعضاً. الاستمتاع بالحياة فقط بالمشاركة مع الآخرين. “بالناس المسرّة” كقول وأسلوب حياة. كلها أشياء يصعب شرحها هنا. يصعب إيجادها على رسلها. كلها أشياء تجعلك تكتشف أنك كلما اندمجت أكثر كلما قلّ اندماجك. إنه لربما كان منسوب هولنديتك في يومك الأول هنا أعلى بكثير مما هو عليه الآن. إنه ينقص كل يوم. في البداية كنت هولندياً أكثر مما أنت عليه اليوم.

فالحارة الصغيرة الآن في أوترخت بوردها الذي يزين الحيطان لا تُسمعك أصواتاً. فقط حين تتأملها ثم تغمض عينيك تأتيك أصوات نسوة بعيدات يتحدثن أو ينشرن الغسيل وروائح أطعمة حلوة ومرة وأطفال يركضون على الأدراج وبين البيوت. معظم البيوت أبوابها مفتوحة. ألفتها مفتوحة. الشمس خلف الأبواب تنزل على عرائش الياسمين والعنب. وعلى حواف النوافذ العالية حمام يبني عشاً ويروح يهدل كأنه يصلي ليبارك البيوت وناسها.

لذا ستستصعب هذا المساء أن تترك رائحة صابون الغار التي تملأك الآن، تفلت منك. الرائحة تأتيك من عيني صديقك الشرقيتين النابضتين بالشغف والحياة، حتى آخر دكان صابون في السوق المسقوف في حلب القديمة والتي صارت بأسواقها وناسها وعيونهم وقصصهم أثراً بعد عين. أكان عليك حقا أن تقطع كل هذه الدروب إذاً بين شرق وغرب، أن تغرق في ماء أسود، ثم أن تنجو منه، أن تلعب لعبة الاندماج المؤذية، أنت وسواك من سوريين يشاركونك التجربة والغربة نفسيهما؟ كيف تبرر أنت وهم لأنفسكم هذا الألم اليومي؟

تهرب من السؤال ومن جوابه. تأخذ دراجتك من مكانها خلف المحطة وتقودها من هناك عبر شوارع زفولا الأليفة إلى البيت. الأسئلة، الروائح، عينا صديقك الشرق أوسطيتين، تجول في رأسك. تلمح برج الكنيسة الباسيلية فتزفر نفساً عميقاً من الارتياح. البرج بات رمزاً لكل مشاعر الحرية والأمان التي صنعتها وعشتها في هولندا، إلا أنه أيضاً بات معادلاً موضوعياً لقلعة حلب التي توسطت المدينة القديمة وكانت في مرأى نظرك يومياً منذ تعلمت المشي.

تصل البيت وترمي الدراجة الزرقاء قرب باب المبنى. رائحة الغار تعود مع عيني صديقك الزيتونيتين الذي يتصل بك ليطمئن إلى وصولك. تسحب جريدة المساء من صندوق البريد وتصعد الدرج إلى المنزل. تقرأ عناوين الجريدة وأنت تفكر في عيني صديقك الزيتونيتين، وهو اللون ذاته الذي في أغنية حلب الشهيرة التي تحكي الفراق والشوق و”درب حلب اللي كله شجر زيتون”. أهل حلب هم الوحيدون الذين على الضد من غالبية العرب يلفظون كلمة شجر بالسين لا بالشين.

زيتون درب حلب أم زيتون عينا صديقك الذي يعيش غربتك نفسها هنا كما عاش قبلاً ألمك ونبذك وخوفك هناك إذاً؟ أيهما أصدق في رواية نفسك الغريبة بين شرق وغرب؟ لماذا استحال علينا أن نأمن أيامنا وألوان أعيننا هناك منذ وجدنا أنفسنا في غفلة عن كل شيء مختلفين. ولم نستطع أن نفتح ألوان أعيننا أو أن نتأملها إلا هنا في هولندا التي على جزيل ما منحتنا إياه وجدنا أنفسنا فيها أيضاً مختلفين!

الهرب من اختلاف إلى آخر مؤلم. الفقد هنا وهناك لربما قدرنا. لكن حتى إن لم ترحمك شروط الاندماج القاسية وسقفها العالي، يبقى أن ثمن الحرية وأن تكون نفسك بلا خوف في مكان ما من هذا العالم، ليس قليلاً. وإلا لِم خضت غمار بحر إيجه الموحش في ليلة خريفية باردة؟

قطار حلب عنتاب المليء بكل روائح حياتنا وألوانها، والذي سار زمناً مديداً على الدرب ذاته الذي كان آخر ما عرفته في تلك البلاد غادر سكته إلى أخرى بين أوترخت وزفولا. لكنه بقي نفسه. على السكة الأولى ذروة حياة افتقدتها منذ كنت طفلاً، ولم تعد تعرف عنها شيئاً إلا مراقبتها ونفسك بوجل والعيش لا من أجلك، بل من أجل آخرين كثيرين.

على السكة الثانية في هولندا حزن برائحة صابون غار أحياناً، إنما أيضاً حريتك ومأمنك عزيزان، وهناك حبيبان بعيون زيتونية من شرق متوسط بعيد، يتنقلان بين الوجهتين ويعيشان ذاتيهما كما لم يستطيعا يوماً. وعندما يغلب برد غربتهما على دفء حريتهما، يرميان دراجتيهما على ضفة الآيسيل ويجلسان هناك، رأس أحدهما على كتف الآخر، وأقدامهما العارية تلاعب صفحة الماء حيث تتماوج شمس ربيعية دافئة، فيغمرهما سلام يكتشفان جدته كأنهما يخلقانه، ويعد أحدهم الآخر بأن يكون له كل ما يفتقده من ذلك الشرق في هولندا. أن يكون له وطن!

 

إقرأ أيضاً