fbpx

هنا القصة الثالثة

وائل السواح- كاتب سوري

وائل السواح- كاتب سوري

مقالات الكاتب

حين صرت مسيحياً لستّة أشهر

يتابع الكاتب السوري وائل السوّاح في هذه المقالة الإضاءة على جوانب أخرى لليسار السوري الجديد والمجتمع السوري في سبعينات القرن الفائت، إثر أول حملة اعتقالات كبرى يقوم بها النظام  البعثي على اليسار الجديد.

أقام أحمد جمّول عندي بضعة أيام. حين شنّ النظام السوري حملته على الرابطة، كان أحمد الوحيد من لجنة العمل الموجود في دمشق. الأربعة الآخرون كانوا في مهمّة في بيروت. وأحمد، المثقّف الفوضوي الذي يعرف ماركس وكونت ولوكاكش وغارودي وألتوسير جيداً جداً، لم يكن يعرف في شؤون التنظيم كثيراً، ولم يكن يعنى بذلك. جهله بقضايا التنظيم والعلاقات الخليوية والخيطية ساهم في إزكاء حملة الاعتقالات، فهو لم يخبر الرفاق بالحملة في الوقت المناسب لكي يتواروا عن الأنظار. وشكّل ذلك له في الأيام التالية إشكالاً مع أعضاء لجنة العمل حين يعودون من بيروت. أبو حسين (عبّاس عبّاس) وأبو علي (فاتح جاموس)، ومعهم عضو شاب في الهيئة المركزية هو نهاد نحّاس، تولوا لملمة الخيوط بدل تشتتها ورأب الصدوع وتضميد الجروح.

نام أحمد على الكنبة، ولم يكن ثمّة مشكلة، فأمّ الياس كانت سيّدة طيّبة، لم تمانع في استقبالي صديقاً، كما لم تمانع في استقبالي شقيقتي التي كانت تسكن في المدينة الجامعية. لم تكن أختي تماماً. كانت صديقتي، ولكن أم الياس لم تكن توافق على دخول فتيات غريبات إلى غرفتي.

كنت قد نقلت إلى الغرفة منذ أيام فقط، بعد أن طردني في مساء أحد الأيام من شهر شباط/فبراير 1977 مناضل شيوعي بكداشي عنيد من غرفة كنت أستأجرها في بيته، على رغم أنني لم أقصّر يوماً بدفع أجرتها. كان المناضل قاصّاً متواضعاً، جعل منه الحزب الشيوعي البكداشي علماً من أعلام الأدب السوري، تماماً كما توّج شاعراً آخر، أيمن أبو شعر، كأهمّ شاعر في سوريا. يتمتّع أبو شعر بالقدرة على التمثيل والخطابة والإلقاء الجميل، ولكن ينقصه الشعر. أما رفيقي الشيوعي فكانت تنقصه الموهبة والحضور معاً. ولكنّه كان يمتلك كلّ ما يؤهله ليحتلّ بعد سنوات منصباً مهمّاً في وزارة الثقافة، المدير العام للهيئة العامة السورية للكتاب. وحين كرّمته وزارة الثقافة في حكومة النظام قبل سنة، أهدى التكريم إلى “أرواح الشهداء من جنود الجيش العربي السوري الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل أن يواصل بلدهم رسالته الحضارية ومن أجل أن ينعم أطفاله بحياة كريمة وأن يستمر أدباؤه وفنانوه في رسم لوحاتهم وعزف أنغامهم وتنفيذ مسرحياتهم وأفلامهم وكتابة نصوصهم.”

ألقى بي رفيقي القديم على قارعة الطريق: حرفياً. جئت ذات يوم إلى البيت، فوجدت كتبي وملابسي وأوراقي على درج البناية، وقد غيّر قفل البيت. تركت كلّ شيء ومضيت إلى مقهاي المفضّل، “الإيتوال”. هنالك وجدت صديقي العتيق عدنان جرجوس (ما عدت أعرف عن أخباره شيئاً)، وكالعادة جاء لنصرتي.

“ما بك؟”، سألني عدنان.
“-طردني صديقي م. من غرفتي.
– كيف؟” سألني، فشرحت له.

تأمّلني للحظة، وقال لي: “أعرف عائلة تؤجّر غرفة في بيتها، بشرطين اثنين: دفع الإيجار مقدّماً وأن تكون مسيحياً”

كان لعدنان القدرة على إخراج الحلول من تحت أظافره، ومن دون جهد كبير. قلت من دون تردد: سأدفع الإيجار وسأصبح مسيحياً. ذهبت برفقته إلى بيت العائلة في الزبلطاني، وقدّمني الصديق إليهم: صديقي وائل طالب جامعي وكاتب قصة من حي الحميدية بحمص. حي الحميدية كان الحيّ المسيحي الرئيسي في حمص. صاحبة البيت أم الياس كانت أرملة في نحو السبعين من العمر، تعيش في البيت مع ابنتها العزباء. ابنها البكر كان يعمل في منطقة نائية، مدينة الطبقة، مهندساً أو مساعد مهندس.

“-أين بيتكم في الحميدية”
-وادي السايح؟”

كنت أعرف المنطقة جيداً فقد كانت هي منطقتي الحزبية في الحزب الشيوعي (البكداشي) وفيها كان أعزّ أصدقائي في المرحلة الثانوية، ماهر باخص، وفيها أيضاً انتخبت عضواً في اللجنة الفرعية للحزب، لأنني المسلم الوحيد في المنظمة. ابتسمت أم الياس. لم أعرف لماذا، ولكنني في اليوم التالي نقلت ثيابي وكتبي. علقت ثيابي القليلة ورتبت كتبي وحرصت أن أضع الكتاب المقدّس فوق بقية الكتب لتراه أم الياس وابنتها، ثم علقت على الحائط أيقونة صغيرة استعرتها من صديقي عدنان جرجوس، بجوار صورتين كبيرتين لغيفارا وكارل ماركس، ورتبّت أشرطة فيروز والشيخ إمام وكلايدرمان، بجوار جهاز الكاسيت الصغير المتهالك القديم. السيدة وابنتها كانتا شديدتي اللطف، وغالباً ما دعتاني إلى غداء أو عشاء شهي وقدمتا لي الشاي كل يوم. وفي مرات كثيرة كانتا تستضيفان سيّدات أخريات من الحارة، فتصل ثرثرتهنّ إلى أذنيّ، وهنّ يتحدثن عن أزواجهن وأبنائهن والطبخ والمسلسل الأسبوعي. مساء أحد الأيام، سمعت نقراً على باب غرفتي. فتحت. كانت ابنة صاحبة البيت.

“مرحبا.. ماما تقول لو أنك تقرأ لنا بعض آيات الكتاب المقدّس لجاراتنا”.

تخيّلت كلّ شيء، إلا تلك اللّحظة. ماذا أختار؟ كيف أتلو الآيات؟ أترتيلاً كما نتلو القرآن، أمّا تعبيرياً كما أقرأ قصصي في الأمسيات الأدبية؟ حملتُ الكتاب المقدّس وخرجت إلى الصالة. قرأت لهم من إنجيل يوحنا، لأنني كنت أحبه أكثر. “قال لهم يسوع: املأوا الأجران ماء. فملأوها إلى فوق. ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ. فقدموا. فلمّا ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمراً، ولم يكن يعلم من أين هي، لكن الخدّام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا، دعا رئيس العريس، وقال له: كل إنسان إنّما يضع الخمر الجيدة أولاً، ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن”. وكنت أشعر بالعرق يتصبّب من جبيني، وكانت الجارات يستمعن، وشبح ابتسامة على شفاههن، فيزداد ارتباكي ولا أفهم.

لم يكن لدي مشكلة مع الله. في مراهقتي ألحدت، ثمّ نسيت ذلك. كانت علاقة أبناء جيلي مع الله غريبة ومتناقضة. بعضنا يضع الإلحاد أولويّة له، يدافع عنه وينظّر له. بعضنا الآخر كان يضع ذلك كلّه وراء ظهره، ويضع قبله عشرات القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والمعيشية. ومع ذلك، بقي الله رفيقاً دائماً لنا. بالنسبة إلي، كنت دائماً أفضّل إله جدتي.

كانت جدتي لأمّي (أم يوسف) تبكي إذا ذكرت الله، ولكنها لم تكن تصلّي دائماً، ولم أرها يوماً تصوم. كانت تقول لي إن الله ليس في حاجة إلى أن نجوع ونركع، فهو أسمى من ذلك بكثير. تلوت مرّة وكنت تلميذاً في الصف الرابع سورة الضحى، فانخرطت في بكاء مرير. وكانت ترتدي ما تلبسه نساء سوريا في مطلع القرن الفائت، فتغطي وجهها بمنديل إذا خرجت إلى الشارع، ولكنها حين يأتي أبناؤها بأصدقائهم، تقبلهم كما تقبل أبناءها، وهي مدركة أن الله يستطيع أن يميز بين قبلة وقبلة. وكان والدي حجّاً في الفقه الحنفي في حمص، بينما كانت زوجته (أمي) وابنته (أختي) تمشيان سافرتين، رافعتي الرأس في شوارعها. وكان الرجال يشربون الخمر باعتدال، ثم إذا جاء رمضان، عملوا “تكريزة رمضان”، فشربوا تلك اللّيلة ما حلا لهم، ثم اغتسلوا وصاموا رمضان من دون كحول، وعادوا إلى الخمر بُعيد رمضان بأيام. وكانت أجمل خمارات المدينة الجميلة التي ولدت فيها، حمص، تقابل جامعاً قديماً، وما كان ذلك يسبب أي شكوى، حتى قام إسلاميو التكفير بالطلب إلى السلطات فأغلقوا الخمارة. وفي هذا التقابل قال شاعر حمص الكبير عبد القادر الحصني:

وحمصُ الهزيعُ الأخيرُ من اللّيلِ
بعد انغلاق الحواني على الخمرِ
قبل انشقاق الأذان عن الفجرِ
تخبرني أنَّ همّي يزيدُ
وتنقصُ واحدةً أضلعي

بتلك الروح، لم يكن لدي مانع في أن أكون مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً، ليس فقط لأستأجر الغرفة عند أم الياس، ولكن، لأن تلك الروح كانت جزءاً من طبيعتي، من حياتي، ومن إنسانيتي.

جاءت فادية لزيارتي بعد أيام، رأت أحمد. لم أكن رأيتها منذ بداية الحملة، ولم تكن فادية قد غدت رفيقة بعد، وهي أدركت أن شيئاً لا بدّ أن يكون وقع، ولكنها لم تسأل. وأحمد الفوضوي تنظيمياً، لكن الحريص أمنياً، حزم حقيبته الصغيرة، وترك البيت. وبعد أسابيع حزمت أمتعتي وكتبي وأيقونة صديقي عدنان وصورتي غيفارا وماركس ومضيت أنا أيضاً. ولكن ليس لأسباب أمنية.

في يوم جاء ابن السيدة صاحبة البيت وكان يعمل في الطبقة مهندس نفط. وكان في البداية لطيفاً كأمه وشقيقته. تعشينا معاً، وحدثته عن بيتي في الحميدية بحمص وكنيسة أم الزنار القريبة منه، ثم دخلت غرفتي. في اليوم التالي خرجت كالعادة إلى الجامعة. ويبدو أنه دخل غرفتي في غيابي، ورأى الصور والكتب وأشرطة الشيخ إمام. في اليوم التالي جاءتني السيدة صاحبة البيت، وقالت لي وهي تحاول مغالبة عصبيّتها: “شوف يا ابني: مسلم ومشيناها، قلنا آدمي، بس شيوعي كمان؟ هاي كتيرة كتير. معك لآخر الشهر لتسلم الغرفة.”

جارتنا أم وليد المسلمة سمعت بالقصة، فصعدت إلى شقة أم الياس ودخلت كالعاصفة، وقالت لي بصوت آمر: “ضب غراضك”! لم أناقشها. انتظرتني حتى حزمت الكتب والملابس الصور واشرطة الشيخ إمام، وساعدتني في حمل أشيائي إلى شقتها في الطابق الأسفل، وبقيت هناك أقل من سنة. إسلام أم وليد كان كإسلام جدتي، فهي – في الستين – ترتدي في البيت ثوباً من دون أكمام وتضع مكياجاً رخيصاً، تدخن بشراهة ولا تصلي إلا في رمضان. في الحارة، ثمّة من همس بأذني أن أمها كانت تعمل مومساً، وأن زوجها أحبّها وتزوّجها، فتركت الكار، والتزمت في البيت. سواء أكانت مومساً أم لا، بالنسبة إلي كانت منقذتي التي أوتني وأطعمتني وجبة ساخنة كلّ يوم، وسقتني كوباً من الشاي الصباحي، قبل أن أخرج إلى الجامعة، أو إلى العمل، في ما بعد.

العمل؟ نعم. كانت السنة الدراسية تقترب من نهايتها، ما يعني أنني سأعود في الصيف إلى حمص، توفيراً للنفقات. كانت فكرة أن أترك دمشق، والرفاق، وفادية، وأميرة، ومظفر، وعلي الجندي، وممدوح عدوان، مريعة. كنت قد بدأت أكتسب بعض الشهرة ككاتب وصحفي. نشرت قصصي في الثورة والبعث والموقف الأدبي جريدة اتحاد الطلبة، ونشرت مقالات نقدية عن هاني الراهب وحسيب كيالي وعبد الله عبد وصلاح دهني. حدثان سيلازمان ذاكرتي طويلاً جاءا نتاجاً لمقالين كتبتهما في جريدة البعث. الأول كان مقالة طويلة عن قصّة لهاني الراهب، والثاني عن مجموعة قصصية للأطفال للأديب الجميل الساخر حسيب كيالي. مقالتي عن هاني كانت سبباً في صداقة طويلة بيني وبينه. وسمّاني، مداعباً، أحسن ناقد في سوريا. مقالتي عن حسيب كيالي، في أي حال ولّدت عليّ نقمته. فكتب في زاويته الأسبوعية مقالاً مزلزلاً. أتذكر حتى اللحظة عبارته الافتتاحية: “جلس الولد الصغير يفكر: ماذا سأكتب اليوم؟ ماذا ستكتب اليوم يا عين عمّك؟” ثمّ من دون أي شفقة مسح بي الأرض، من دون أن يرفّ له جفن. الغريب أنني أحسست بالغبطة وليس بالاستياء، فأن يتنازل عملاق كحسيب كيالي للرد على ناقد في الواحدة والعشرين كان يعني أن ما أكتبه فيه شيء من الأهمية. قصصت مقالة كيالي، وأريتها بفخر لأخي سحبان واصدقائي، ورفاق التنظيم.

بعد سنتين أو ثلاثاً، كنت في مكتب سحبان، في مجلّة الحياة المسرحية. دخل رجل مهيب بنظارتين سوداوين سميكتين، سلّم على سحبان ومازحه، ثم طلب قهوة من الحاجب، وجلس. بعد هنيهة التفت إلي.

“مرحبا”. قال
“أهلا أستاذ.” أجبت
والتفت الرجل إلى سحبان، وسأله: “ما رح تعرّفنا؟”
وسحبان الذي بوغت برهة لذيذة، لم يكن يتوقّع أننا لم نلتقِ من قبل.
“هذا أخي وائل”، وللتأكيد، أضاف بلؤم: “وائل السوّاح.”
ثمّ إلي: “الأستاذ حسيب كيالي.”

تمنيت لحظتها لو أن فوهة كبيرة في الأرض تتلقفني وتأخذني بعيداً عن الحياة المسرحية وأخي سحبان وحسيب كيّالي، ولكنّ الرجل المبتسم الجميل، هتف بي: “أهذا أنت”؟ ثّم أغرب في ضحكة مديدة، قبل أن يقول: “تعال إلى هنا”، وأخذني بين ذراعين قويتين في عناق مديد.

إقرأ أيضاً:
شاي أسود غامق مع قليل من السكّر
“حين قرأنا خبر موت رياض الصالح ونحن في سجن تدمر”
اليسار السوري: قيادة ثورية ولكن من دون نساء

إقرأ أيضاً