fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج

daraj sal

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

حوران الجنوب السوري: “قصة موت معلن”

عندما كنا، نحن الشباب الصغار من مخيم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا، نشاهد العمال المياومين السوريين جالسين في وسط ساحة النجمة في المدينة يعرضون قدراتهم المهنية والبدنية لأصحاب العمل الذين كانوا يأتون بسياراتهم لانتقاء العمال بحسب طبيعة العمل الذي يحتاجونهم لتأديته، لم يكن الناس في ذلك الزمن من نهايات الستينيات يسمونهم سوريين، بل كانوا معروفين بـ(الحوارنة)، نسبة إلى حوران في الجنوب السوري. لا أدري لماذا أطلقت هذه التسمية المناطقية عليهم بدلاً من هويتهم الوطنية. كنا نظنّ أن الموجات الأولى من العمال السوريين الذين وفدوا إلى لبنان بحثاً عن أي عمل يؤمن لعائلاتهم عيشاً كريما في بلادهم كانت انطلاقاً من حوران أو ربما كانت سوريا تعيش أزمة اقتصادية أو أن  جفافاً أصاب الأرض في سهل حوران  أو أن عسفاً لحق بالحوارنة من الملاك الكبار أو من النظام، ما دفع الناس إلى الهجرة إلى لبنان بحثاً عن عمل.
وعلى ما قدم هؤلاء العمال في صيدا والجوار من جهد لم تكن أجورهم عادلة ولحقهم من المهانة والاستغلال والاستعلاء الكثير حتى باتت تسمية الحوارنة تشي بنوع من النظرة الدونية والسخرية من أحوالهم المعيشية وجلوسهم في ساحة النجمة تحت الشمس أو في البرد القارس كمتسولين، على رغم أنهم لم يطلبوا سوى العمل الذي كانوا يتقنونه خصوصاً في البساتين أو البناء.
هذا المشهد للعمال السوريين لا يشبهه مشهد في لبنان. فلم يقعد في الساحات غيرهم. بعد سنوات شاهدت فيلماً قصيراً للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي بعنوان “الملجأ” ذكرني بمشاهدي الأولى في ساحة النجمة في صيدا، فقد قدم لنا المخرج حياة العمال الفلسطينيين من غزة الذين كانوا يقفون في شارع معين في إسرائيل يعرضون قدراتهم المهنية والبدنية لأصحاب العمل الإسرائيليين اليهود.

اقرأ أيضاً: عن صديقة الفلسطينيين الإسرائيلية فيلتسيا لانغر

اليوم، والجنوب السوري يذبح علانية أمام أنظار العالم وبتواطؤ أميركي وإسرائيلي، بالبراميل المتفجرة من نظام الأسد والطائرات الروسية ومشاركة الإيرانيين وميليشيات “حزب الله” وتغلق أمام أهله الملاذات الآمنة على الحدود الأردنية، في مشهد ربما سيكون خلاصة الكارثة السورية خلال السنوات السبع الأخيرة. اتضح أخيراً وكأننا في مشهد يذكرنا برواية غارثيا غبريل ماركيز “قصة موت معلن”، حيث جميع أهل القرية يعرفون ويصمتون عن الجريمة التي ستحصل. العالم اليوم يعرف إلى أين يسير ركب القتلة الروس والإيرانيين وميليشياتهم وجيش النظام في إنهاء تلك البقعة من سوريا وتحطيمها بشراً وعمراناً.
حوران التي سميت باللغة الآرامية حوريم بلد الكهوف وسماها الآشوريون حورانو أي النقرة واليونان والرومان أورنتيس، والتي ورد ذكرها في التوراة باسم باشان أو باثان أي بلد العجول السمينة، كما سميت بلاد العمالقة في حين سماها العرب حوران بمعنى الملجأ أو الكهف، لا يجد أهلها ملجأ من القتل أو كهفاً للنزوح.
في حوران الشاسعة بدأت ثورة السوريين ضد نظام الاستبداد السوري وكان الطفل الشهيد حمزة الخطيب أول الشهداء من الأطفال في أقبية الدم الأسدية واليوم تصلنا أسماء الشهداء من الأطفال والرجال والنساء من حوران التي صارت لقمة سائغة للنظام وداعميه ونتذكر أن هؤلاء القتلى هم بالضبط أحفاد شهداء سقطوا برصاص ومشانق المستعمر الفرنسي في عشرينات القرن الماضي، وقبل ذلك من الدولة العثمانية التي فتكت بالأهالي وجوّعتهم بعد أن كان سهل حوران إهراء روما القديمة، التي اعتمدت على قمحه وخيرات أرضه، وكأن قدر السوريين الملازم مواجهة الطغاة والمستعمرين مع اختلاف هوياتهم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
اليوم نستحضر ما قاله شاعر الأردن الكبير في الأربعينات مصطفى وهبي التل (عرار) عن حوران وأهلها الثائرين على الظلم والاستعمار:
بحوران اجعلوا قبري لعلّي
أشمُّ أريجها بعد الفناء

اقرأ أيضاً: فلسطينيو لبنان والإنتخابات اللبنانية

 

 

إقرأ أيضاً