هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

حملة اعتقالات واسعة:السعودية “تكبح” مسيرة الإصلاحات

شهدت المملكة العربية السعودية نهضة اجتماعية على مدى الشهور القليلة الماضية. ونجح ولي العهد السعودي الأمير الشاب محمد بن سلمان في إبهار العالم برؤيته الحديثة للمملكة. أقامت السعودية لأول مرة في تاريخها حفلات موسيقية وفتحت دور سينما وسط وعود بالمزيد من التغييرات. وسمحت المملكة للمرأة السعودية بحضور مباريات كرة القدم في الملاعب. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، اتخذ الأمير بن سلمان قراراً طموحاً بإلغاء حظر قيادة السيدات السيارات داخل البلاد، ومن المقرر أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 24 يونيو/ حزيران.

فجأة انتهى كل شيء، إذ صدرت تقارير تشير إلى احتجاز ناشطات سعوديات كن يضغطن من أجل تغيير هذه السياسات. وأفادت تقارير أخرى باحتجاز 13 ناشطاً سياسياً، معظمهم من النساء. بغض النظر عن مسألة قيادة السيارات، أطلق هؤلاء الشباب حملة ضد ما يسمى بقواعد “الوصاية” التي تفرض على النساء السعوديات الحصول على إذن من أحد رجال العائلة قبل مزاولة أنشطة حياتية كثيرة، مثل السفر. أحد المحتجزين الناشطة لجين الهذلول، التي شاركت في قمة “عالم واحد من الشباب” عام 2016 مع ميغان مركل، التي تزوجت السبت من الأمير الإنكليزي “هاري”.

إذاً ما الذي يحدث في المملكة؟ ربما يريد الأمير الشاب تثبيط أي احتجاجات شعبية تسعى لمزيد من التغييرات الاجتماعية أو السياسية. (أخبرني مسؤول أميركي أن الاعتقالات السعودية تعكس أسلوب الأمير الشاب في الحكم، حتى لو لم يكن اسمه مرتبطاً علنياً بهم). ومن المرجح أن تثير موجة الإصلاحات التي بدأها بن سلمان استياء المجتمع السعودي الذي يهيمن عليه الذكور، ويتبع منهجاً إسلامياً صارماً. وتشير قرارات الاعتقال الأخيرة إلى أن بن سلمان يحتاج إلى إعادة التفكير في خططه المستقبلية الكبرى.

إذاً ما الذي يحدث في المملكة؟ ربما يريد الأمير الشاب تثبيط أي احتجاجات شعبية تسعى لمزيد من التغييرات الاجتماعية أو السياسية.

يرتبط اسم محمد بن سلمان داخل المملكة بالحاكم الديكتاتوري السابق للعراق صدام حسين. وفي المجمل، يشار إلى “صدام الجيد” الذي أجرى عدداً من التحديثات في السبعينات، عندما شغل منصب نائب الرئيس. وعلى رغم قسوة صدام خلال تلك الحقبة، إلا أنه نال احترام الجميع. وفي الثمانينات والتسعينات، تغيرت شخصية صدام ونشر الرعب بين الناس. تحدثت إلى عدد من السعوديين الذين عبروا عن مخاوفهم من تحول شخصية بن سليمان بالطريقة ذاتها.

يتداول سفراء الدول الأجنبية في الرياض قصة مشهورة عن بن سلمان، تدعى “قصة الرصاصة”. عندما كان محمد بن سلمان يبلغ من العمر 22 سنة وقبل عشر سنوات تقريباً، أراد خوض تجربة العمل التجاري، وفي إحدى المناسبات، أراد من قاض سعودي تحرير صفقة ما، لكنه رفض لوجود مشكلة في العقد. هنا أخرج بن سلمان رصاصة من جيبه ووضعها على مكتب القاضي، قائلاً: “وقع العقد وإلا ستكون هذه الرصاصة من نصيبك”. نفذ القاضي بالفعل ما طلبه الأمير، لكنه اشتكى للملك السابق عبد الله، الذي  منع محمد بن سلمان من دخول الديوان الملكي.

مثل هذه القصص والمخاوف المتعلقة بمحمد بن سلمان تشير إلى أن ولي العهد الصاعد نزق وأنه عازم على إعادة تشكيل المملكة بعجالة. ربما يعتقد ولي العهد الآن أن حركة الإصلاح التي بدأها خرجت عن سيطرته. أو ربما يرى أنه تحرك بسرعة كبيرة، ما يزعج النخبة القديمة التي تحتاج الآن إلى التهدئة. أو ربما نصحه والده أو أخبره بأن عليه أن يأخذ الأمور بروية.
وقد ظهرت في الشهر الماضي خلال القمة العربية التي استضافها الملك سلمان في مدينة الظهران احتمالية مواجهة محمد بن سلمان معارضة قوية. وركز الاجتماع على قرار الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس. وكرر البيان الختامي للاجتماع العديد من السطور المعتادة حول دعم الفلسطينيين.
لم يكن هذا مفاجئاً، ربما باستثناء حقيقة أن محمد بن سلمان- الذي حضر القمة كمساند لوالده- عاد لتوه من جولة مدتها ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة، أسر فيها مجتمع المستثمرين ورجال الأعمال وكذلك قادة المجتمع اليهودي الأميركي، وفق ما أفادت التقارير.
وبحسب ما ورد، أخبر محمد بن سلمان المجموعة الأخيرة بأن مسألة مصير الفلسطينيين لا تحتل مرتبة مهمة بين أهم مئة قضية تشغل السعوديين العاديين وهو ما جعلهم يصدمون.
أولئك الذين التقوا بمحمد بن سلمان يقولون إنه يشبه بيل كلينتون من حيث البراعة في التعاطي والعمل مع أولئك الذين لا يتفق معهم في الرأي. ومع ذلك، فهو نادراً ما يغير رأيه.
هذا أمر مؤسف، لأنه مشهور أيضاً باتخاذ قرارات سيئة. من بينها احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، والحرب المستمرة التي تشنها المملكة العربية السعودية على اليمن ضد القبائل الحوثية المدعومة من إيران، والصدع الديبلوماسي مع قطر، والقبض على ما يقارب 400 من الأمراء ورجال الأعمال المتهمين بالفساد. إضافة إلى ذلك، فإن رؤية 2030 الخاصة بخطة التحول الاقتصادي في المملكة، تسير بخطى بطيئة جداً.
محور الخطة هو البيع الجزئي لشركة النفط “أرامكو السعودية” التي تمتلكها الدولة. لكن هذا الأمر تأجل. وفي هذه الأثناء، تستمر فضائح محمد بن سلمان المخجلة في الظهور إلى العلن.
يبدو أن محمد بن سلمان لا يهتم بالتغيير بشكل حقيقي. فاعتقال الناشطين، هي الطريقة التي كانت تستخدمها المملكة العربية السعودية في الماضي وستظل تستخدمها. عام 1990 تم اعتقال عشرات النساء لقيادتهن في طريق الرياض. لكن اليوم من المفترض أن تكون المملكة العربية السعودية  في ظل وجود محمد بن سلمان مختلفة عن ذي قبل. يأمل العالم بأن ينشأ محمد بن سلمان مملكة عربية سعودية حديثة، قادرة على فصل نفسها عن أسسها الثيوقراطية المحافظة. لكن بعد هذه الاعتقالات الأخيرة، فإن قدرته على تلبية تلك الآمال أصبحت موضع شك.

  • المقال مترجم عن موقع the atlantic ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً