fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

“حسابك معي” : قاسم سليماني يخرج عن صمته ويهدد ترامب

الإنجاز الذي حققته، حتى الآن، تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، هو إخراج قائد فيلق القدس في تنظيم الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، عن صمته.

الجنرال صاحب الشخصية الغامضة، الذي يمتهن التخفي، غيّر انقلاب الولايات المتحدة على اتفاق جنيف بشأن برنامج إيران النووي، قواعد لعبته، وأجبره على اللعب على المكشوف.

فقد حذر سليماني في خطاب ألقاه في مدينة همدان، الرئيس الأميركي من حرب قد يبدأها “لكن نحن من سينهيها” أي الحرس الثوري، وأن “حساب واشنطن لن يكون مع طهران بل مع فيلق القدس”، في حال نفذت الولايات المتحدة تهديدها بمنع تصدير النفط الإيراني، وكان الرئيس الإيراني قد حذر في وقت سابق، نظيره الأميركي من “اللعب بذيل الأسد”، مما دفع الأخير إلى تهديد إيران بمواجهة “عواقب لم يعان منها سوى القليل عبر التاريخ”، مضيفا أن الولايات المتحدة لن تظل ساكتة إزاء تصريحات روحاني “المشبعة بالعنف والموت”.

لا شك أن السرية التي يتقن سليماني ممارستها، تضفي على شخصيته هيبة ومهابة مطلوبتين، لذلك يفضل ألا يفارق حياة الظل، لكن أزمة التهديدات الأخيرة، اضطرته إلى أن يتخلى قليلا عن غموضه وعن الحياة المغلقة التي يعيشها، وإذا قسنا عدد تصريحاته وظهوراته الإعلامية منذ أن أصبح الشخصية الإيرانية الأكثر جدلا، نجد أنه أسرف فيها كثيرا في الآونة الأخيرة، بالتحديد بعد دعوات ترامب إلى منع تصدير النفط الإيراني.

من المعروف أن سليماني، لا يهوى الخطابات ولا الأحاديث الصحافية، ولا يحب الكاميرا رغم أن الكاميرا تحبه، ويتعمد الابتعاد الإعلام ونادرا ما يدلي بتصريح. هو يعلم أن شهرته تنبع من تخفيه، من صمته، وليس من ظهوره، لذلك فإن الأخبار والصور المتداولة عن حياته الشخصية قليلة جدا ومكررة، وهي في الوقت نفسه، مدروسة بدقة، بحيث تتناسب وهالة العظمة التي يحيط نفسه بها.

الصمت والابتعاد عن الأنظار ساهما في تحويله من قائد لواء في الحرس الثوري، إلى شخصية تثير اهتمام أجهزة الاستخبارات العالمية، وفي تحريك فضول الكثيرين لتتبع أخباره والاطلاع على تفاصيل حياته الخاصة والعامة.

المواقع الإلكترونية التي يديرها موالون له، أو مروجون، تحرص على إظهاره بهيئة البطل القومي والعالمي، الذي يحارب الإرهاب ويطارده في كل مواقع وجوده، والقائد الميداني الذي يتقدم جنوده على أرض المعركة، خلافا للقادة التقليديين الذين يكتفون بتحليل الخرائط وبالتصريحات، وفي المرات الكثيرة التي يقال فيها إنه قتل في معركة ما أو أصيب بجروح، لا يصدر عنه أي كلام يؤكد الشائعات أو ينفيها، غالبا ما يكون الرد بنشر صورة له محاطا بعدد من الجنود على أرض المعارك التي يقودها.

شارك سليماني في شبابه في الحرب الإيرانية العراقية التي انتهت في العام 1988 بصفقة “كأس السم” كما سماها قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني، والده محمد سليماني الذي مات منذ حوالي السنتين شارك فيها أيضا. للأب والابن صورة كثيرة التداول تجمعهما عند الحدود الإيرانية مع العراق، للدلالة على أن “الجهاد” إرث تتناقله هذه العائلة.

كان نصيب عائلة سليماني من “الحرب المقدسة” كما يسمي الإيرانيون الحرب مع العراق، شهيدا ومفقودا. استشهد شقيقه الأكبر حسين سليماني في معارك سوسنغرد، بينما ضاعت جثة شقيقه الآخر حسن سليماني فوق الأراضي العراقية، ومازالت مفقودة حتى الآن. يقول سليماني عن جثة شقيقه، إن له “وديعة في العراق” وإن والدته الحاجة فاطمة سليماني “ماتت في حسرة ابنها الذي لا قبر له”.

بعد انتهاء الحرب وعودته إلى كرمان مسقط رأسه، كان لايزال بطلا عائدا من الحرب، لكنه سرعان ما تسلم قيادة لواء القدس، الذي بدوره ظل لواء يحمل شهرة استراتيجية بلا أي دور محوري. بدأت قوة سليماني تظهر تزامنا مع الضعف الذي اعترى منصب “المرشدية” بعد وفاة الإمام الخميني وتعيين السيد علي خامنئي مكانه.

عدد كبير من المسؤولين في الدولة يحملونه والحرس الثوري من خلفه، أسباب الخراب الذي وصلت إليه البلاد

قوته تحققت بسبب ضعف المرشد وضعف موقع رئيس الجمهورية أيضا، منذ الولاية الثانية للرئيس الأسبق محمد خاتمي، وصولا إلى الفوضى التي أغرق فيها محمود أحمدي نجاد البلاد، كما ساعده على تبلور قوته وحضوره ظهور الأزمات  المتلاحقة في المنطقة، مثل انفصال حماس، الاحتلال الأميركي للعراق، الانقسام العمودي في لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الحرب السورية وتمرد الحوثيين.

سليماني مكروه من الإيرانيين المعادين للنظام كأي جندي في الحرس أو كالتنظيم نفسه، ومحبوب جدا من قبل من يتسيدهم، من المفتونين بقوة إيران والمؤمنين بتفوقها على شعوب المنطقة. شعبيته لدى الثوريين موضع خوف وحسد بنفس الوقت من رجال الحكم. هم يخشون من صعوده وانتصاراته التي ربما ينوي ترجمتها يوما ما. فربما سيأتي يوم لا تعود فيه السيطرة على ميادين خارج إيران تشبع طموحه، لذلك يبالغون في مدحه، يصفه خامنئي بأنه “مبارك كالشهداء”، وهو بنظر آخرين قنبلة موقوتة لا يعرفون متى وكيف وأين وبمن ستنفجر؟

عدد كبير من المسؤولين في الدولة يحملونه والحرس الثوري من خلفه، أسباب الخراب الذي وصلت إليه البلاد. العقوبات الدولية التي استمرت عقودا، التحدي النووي للإرادة الدولية، عودة العقوبات الأميركية، البطالة، الخسائر الفادحة التي شملت كل القطاعات الاقتصادية، تهاوي العملة الوطنية والاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران من وقت لآخر.

لا يهتم سليماني بأي اتهام موجه ضده، ولا يكلف نفسه عناء الرد على أي هجوم، سواء كان محليا أو دوليا، وحين تكثر الشائعات حوله، تتكفل المواقع الإلكترونية المتخصصة في تلميع صورته، ببث الأخبار والصور اللازمة عنه. أحيانا تعمد هذه المواقع إلى نبش ماضيه الجهادي، فتنشر صوره إبان الحرب العراقية الإيرانية، مع والده وشقيقيه، صورته ضاحكا يتوسط والديه قبل رحليهما، صورته باكيا عند قبر أمه، وصورته شابا يمتطي حصانا، فهو فارس أيضا، وأحيانا تنشر صوره مع ابنته زينب التي غالبا ما يظهر معها في مناسبات تهمها.

يقول عنه شقيقه سهراب إن “الحاج قاسم ليس فردا من عائلتنا فقط، هو ابن هذه البلاد وابن الطائفة الشيعية في العالم”، ويصفه ب”الرجل العاطفي جدا”، علاقته مميزة بابنته زينب، “هي نقطة ضعفه، كذلك أبناء الشهداء الشيعة في العالم، خصوصا أبناء شهيد حزب الله اللبناني عماد مغنية”.

في 11 آذار الماضي نشر موقع عراقي موال للحرس الثوري، صورة قالب حلوى عليه صورة لسليماني، بمناسبة بلوغه الواحدة والستين من العمر وتحته تهنئة باللغة الفارسية “تولدتان مبارك”.

الفرص التي تتيحها الأزمات كثيرة، وسليماني الآن، في طور الاستفادة من واحدة من هذه الفرص، من أجل  تقوية موقعه الاجتماعي والسياسي، وتأمين غطاء للإخفاقات التي منيت بها الدبلوماسية الإيرانية على صعيد عالمي، نتيجة لدوره العسكري في المنطقة، من هذه الزاوية، يمكن القول إن خطاب سليماني اليوم في مدينة همدان الذي رد فيه على تهديدات الرئيس الأميركي، بغض النظر عن ظاهره التهديدي، هو ليس أكثر من انتهازية سياسية مدروسة الدوافع والأهداف.

 

 

إقرأ أيضاً