fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

حروب الأسماء: أعلى مراحل السخافة القوميّة

بعد أن أنجزت القوميّة مكاسب بارزة في أوروبا، فقضت على التناثر والتبعثر وأحلّت سوقاً واحدة وهويّة جامعة عليا محلّ الإمارات والمقاطعات الكثيرة، انتهى بها المطاف عاطفةً وحماساً محضين. والعاطفة حين تتراجع إنجازاتها يقوى فيها الرمزيّ على الفعليّ، والشكليّ على المضمون.

في هذا المناخ اكتسبت الأسماء والتسميات أهميّة فائقة. ونعرف أيّة حساسيّة تحرّكها تسمية “الخليج الفارسيّ” (وهو الاسم التاريخيّ) عند عرب الخليج، كما لا يخفي الإيرانيّون استياءهم من تسمية “الخليج العربيّ”. وقد ظهرت، بعد الثورة الإيرانيّة في 1979، أصوات حاولت أن تكون توفيقيّة فاقترحت اسم “الخليج الإسلاميّ” التي لم تلق أيّ قبول لدى الطرفين.

وفي أفريقيا، ما أن استقلّت روديسيا – التي سُمّيت على اسم سيسيل رودُس، فاتحها الإنكليزيّ الذي كان سياسيّاً ورجل أعمال – حتّى أعطي لها اسم زيمبابويّ، كما غيّر موبوتو سيسي سيكو اسم الكونغو فجعله زائير. وفي هذه العودة إلى أسماء مناطق وقبائل سابقة على الزمن الاستعماريّ، اختلط بعض الواقع الفعليّ الذي أريد بعثه بكثير من الأسطرة والميثولوجيّات التي باتت الجماعات، بعد أن تقومنت، تحيكها عن نفسها.

وفي آسيا حصل شيء مشابه. فسيلان صارت سري لانكا، وبورما صارت ميانمار. وفي الهند امتدّ التغيير ليطال أسماء المدن. فقد حلّت مومباي محلّ بومباي، وأصبحت مدراس شنّاي، وكالكوتّا كولكاتا.

أوروبا الجنوبيّة لديها، هي الأخرى، مشكلة من هذا القبيل، مشكلةٌ يقول البعض إنّ الأسبوع الماضي شهد تذليلها والانتصار عليها. لكنّ هذا غير مضمون.

المشكلة بدأت مع تفكّك دولة يوغسلافيا قبل قرابة ثلاثة عقود. على الحدود مع اليونان نشأت دولة صغرى سمّت نفسها جمهوريّة مقدونيا. اليونان ثارت ثائرتهم، خصوصاً وأنّ مقاطعتهم الشماليّة، التي تضمّ المدينة اليونانيّة الثانية، ثيسّالونيكي، تقع فيها.

فمن الذي سينتصر في النهاية: الاسم أم المعنى؟ صعود الهويّات يزكّي الاسم. صعود المصالح يزكّي المعنى. والزمن زمن هويّات ومصالح في آن معاً.

اليونانيّون قالوا: إنّهم يسرقون الاسم، ويسرقون معه اسم القائد التاريخيّ اسكندر المقدونيّ، الفاتح الكبير الذي عاش في القرن الرابع قبل المسيح.

النزاع على الاسم ترافق مع قضيّة أخرى لم يصدّقها إلاّ القوميّون في الجانبين: إنّ التسليم للمقدونيّين بهذا الاسم يعطيهم الحجّة في قضم مقاطعة مقدونيا اليونانيّة. لم ينتبه القوميّون المتحمّسون إلى أنّ سكّان مقدونيا هم الآن أقلّ من 2،2 مليون نسمة، وسكّان اليونان – العضو في الناتو – 11 مليوناً. قوميّو مقدونيا تحمّسوا أيضاً لـ “حقّهم التاريخيّ” في جوارهم اليونانيّ وفي “تحريره”.

فلنتخيّل، على نحو موازٍ، عراقيّين يجتاحهم الخوف من استيلاء الكويت على البصرة، وكويتيّين تجتاحهم الحماسة لتنفيذ هدف كهذا!

على أيّ حال، فالأمم المتّحدة، من خلال مندوبها ماثيو نيميتز، بذلت كلّ الجهود الممكنة لحلّ النزاع ولم توفّق. نيميتز تقدّمت به السنّ واستولى الشيب على شَعره فيما هو يحاول عبثاً تذليل الأزمة التي كُلّف، وهو شابّ، التعاطي معها.

لقد ظلّت أثينا مصرّة، على تقلّب عهودها، على أنّ الاسم الوحيد الذي تقبل به لجارتها الصغرى هو “جمهوريّة مقدونيا اليوغسلافيّة سابقاً”. كذلك حالت دون انتساب الأخيرة إلى الاتّحاد الأوروبيّ وإلى الناتو.

مؤخّراً، ضمّ الاتّحاد الأوروبيّ والناتو جهودهما إلى جهود الأمم المتّحدة، خوفاً من أن تستغلّ روسيا هذا الخلاف وتحاول ملء الفراغ الذي يتسبّب به. فاقم الخوف أنّ مذهب الروم الأرثوذكس يجمع بين أكثريّة الروس واليونان وثلثي المقدونيّين.

بدورهما غلّب رئيسا الحكومتين في أثينا وسكوبيا، ألكسيس تسيبراس وزوران زايف، العقل والمصلحة على العاطفة القوميّة وباشرا التفاوض للوصول إلى حلّ. في هذه الغضون قدّمت سكوبيا تنازلاً يدلّ إلى حسن النيّة بأن غيّرت اسمي مطارها الدوليّ وأوتوسترادها الأطول والأعرض اللذين كانا يحملان اسم إسكندر المقدونيّ.

وبالفعل توصّل رئيسا الحكومتين إلى تسوية معقولة: أن تتسمّى الجمهوريّة الجديدة “جمهوريّة مقدونيا الشماليّة”.

بعد ذاك تتعهّد أثينا عدم الوقوف في طريق انضمام سكوبيا إلى الاتّحاد الأوروبيّ والناتو، شريطة أن تعدّل سكوبيا دستورها وتتخلّص من كلّ إشارة إلى مقدونيا اليونانيّة.

العراقيل، وليست بسيطة، تسارع ظهورها:

في اليونان، طلبت أحزاب المعارضة، وبعضها قوميّ متشدّد، عقد جلسة للتصويت على حجب الثقة بحكومة تسيبراس. التصويت جاء لصالح الحكومة. لكنْ 25 مدينة وبلدة يونانيّة تظاهرت ضدّ الاتّفاق حال تسرّب أخباره. على رأس إحداها وقف الموسيقار الشهير، ابن الثانية والتسعين، ميكيس ثيودوراكيس.

إلى ذلك لا يزال مطلوباً تصديق البرلمان على الاتّفاق الجديد.

في جمهوريّة مقدونيا الشماليّة ينبغي أيضاً أن يصوّت البرلمان ثمّ أن يُجرى استفتاء على الاتّفاق. فإذا جاءت النتيجة إيجابيّة، بدأ تعديل الدستور. لكنْ هناك مشكلة أخرى هي أنّ رئيس الجمهوريّ جورج إيفانوف يرفض التوقيع على الاتّفاق، فيما البرلمان لا يستطيع تجاوزه إلاّ بعد محاولتين فاشلتين.

فمن الذي سينتصر في النهاية: الاسم أم المعنى؟ صعود الهويّات يزكّي الاسم. صعود المصالح يزكّي المعنى. والزمن زمن هويّات ومصالح في آن معاً.

إقرأ أيضاً