هنا القصة الثالثة

خالد سليمان

مقالات الكاتب

حذاء النائبة العراقية في موسم غسل الذنوب الانتخابي

تقول النائبة في البرلمان العراقي حنان الفتلاوي في حوار تلفزيوني دار جزء كبير منه حول شرائها حقيبة نسائية، يقال إن سعرها يتجاوز ثلاثة آلاف دولار، إنها سوف تعرض حذاءها في أي ندوة تقيمها لاحقاً، كي تلهي الناس وتخلّص نفسها من قصة الحقيبة وممتلكاتها الأخرى. لا تخلو المشاحنات العراقية حول الانتخابات النيابية المقبلة، والتي ستُجرى في الثاني عشر من شهر مايو/ أيار المقبل، من مثل هذا الحوار الذي لجأت فيه السيدة الفتلاوي إلى “الكندرة” وسيلةً لإنهاء وباء الحقيبة الذي لطالما لاحقها أينما ذهبت. وهي في الأصل قصة غرابة الحياة السياسية في مرحلة ما بعد نظام صدام حسين، إذ يريد الجميع التخلص من أعباء النتائج الكارثية التي نتجت عنها ووضعت البلاد على رأس قوائم الفساد والفوضى وتراجع الخدمات الصحية والتربوية والبنى التحتية إلى أدنى المستويات عالمياً. ولا يدلّ تحويل شراء حقيبة غالية الثمن إلى قصة يتداولها الجميع في القنوات الإعلامية كما في وسائل التواصل الاجتماعي، سوى على واقع مزرٍ يعيشه العراقيون، الشباب بينهم تحديداً.

لو دخل متابع إلى شبكة “فيسبوك” واستمع الى الناخبين، يكتشف أن مطالب العراقيين ما زالت تقتصر على أشياء كانت تشغل المُستعمر البريطاني في أوائل عشرينات القرن الماضي، مثل التعليم وتبليط الشوارع وتقديم الخدمات الصحية. والجميع اليوم يحاول غسل ذنوبه مما وصلت إليه البلاد من الغرائب، تختلط فيها صورة حقيبة غالية الثمن بصور النفايات في المدن العراقية. وبالتالي فإن التخلص من الماضي الثقيل الغارق في الفساد المعلن، هو الطريقة المثلى أمام القوائم والكيانات الانتخابية لكسب أصوات المواطنين، وذلك من خلال الاعترافات الشخصية بالفشل، وفيه، النيل من الآخرين.

ولأن التحرر من ماض اقتضته السياسة الطائفية القائمة على إفقار المجتمع على جميع المستويات، لا يجدي شيئاً بعد خراب البصرة، يجدر بمتابع الشأن العراقي اللجوء إلى الماضي ذاته، ليكتشف مدى العبث السياسي في عراق يسبح في الحضيض. بعد عام من احتلال “داعش” الموصل وصلاح الدين وأجزاء من ديالى والأنبار، خرج رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في مقابلة تلفزيونية ليقول: “أنا أعتقد أن هذه الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي ألّا يكون لها أي دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً”. ويسأل المراقبون اليوم، ولكن لماذا يشارك المالكي في الانتخابات المقبلة، أليس هو من قال: وأنا منهم، أي من الفاشلين، وأين هي الأجيال الجديدة التي تحدث عنها في المقابلة المذكورة؟

وما تمكن ملاحظته في سياق الحديث عن هذا الماضي المليء بالغرائب العراقية، هو إعادة نشر صور ومواقف كثيرة على شبكة “فيسبوك” قبل بدء الحملات الانتخابية الرسمية. يشير هذا الحس الاجتماعي في إعلان حملة المواطن الانتخابية الخاصة به، إلى أن الآتي لن يكون سوى تكرار لما حدث قبل أربع سنوات من الآن. مرشحة من قائمة التيار المدني تمزج الكلمات بالبكاء والدموع بين حشد صغير وتقول: “انتخبوا (الزين) ولا تظلوا ساكتين، يؤلمني أن أرى شيخاً عراقياً يستجدي، يؤلمني أن أرى طفلاً عراقياً نائماً في الشارع، أو عراقياً ينام في تابوت، رأيته على فيسبوك”. كتب مواطن عراقي على “فيسبوك” حول هذا المشهد الانتخابي المستلهم من البكائيات قائلاً: “طرق لكسب أصوات الناس، مرشحة عن التيار المدني تبكي على حال العراق بطريقة جديدة لكسب تعاطف الناس… خطيه متألمة على الشعب..”. إنه مشهد تمثيلي آخر، ينتظر العراقيون المزيد منه في الموسم الآتي من هجرة الأنظار نحو “العرس الانتخابي” كما درجت التسمية في اللغة السياسية في بلاد العجائب.

وتسود عودة إلى المجالس الشعبية وإلقاء الشعر الشعبي على أجواء الحملات الانتخابية، إذ يلجأ المرشحون إلى بيئاتهم العشائرية حتى داخل المدن. ويقيمون حفلات لإعلان “الولاء”، يرقص المشاركون فيها ويغنيون، فضلاً عن ارتجال أصناف من الشعر الشعبي، إذ أصبح مادة دسمة للمدح والتمجيد في الثقافة السياسية العراقية. ولكن هناك نوع آخر من ارتجال الشعر الشعبي ينظمه الناقمون على المُتَسَيّدين في السياسة باللهجة المحكية العراقية، إذ يمكن اعتباره وصفاً دقيقاً لحلم الوصول إلى قاعة مجلس الشعب في بغداد. ويقول ناظم عراقي لمثل هذا الشعر الشعبي الارتجالي: (يا مرشح عمي رحمه لوالديك/ لا تواعدنه وترد تخلف وعد/ كول أني مرشح وبلكن أفوز/ وحالي حال اللي ترس جيبه وكعد).

الناشطون العراقيون بدأوا حملاتهم النقدية الساخرة على المرشحين الجدد من خلال استعادة صور مرشحي الانتخابات السابقة، ذاك أن الحملات الدعائية الحالية، إضافة إلى أنها موسم لغسل للذنوب، تعيد للأذهان حفلات الوعود وأربع سنوات أخرى من الانتظار.

إقرأ أيضاً