هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

حتى لا تموت نساء العرب

“أم مروان” سيدة سورية ثلاثينية أم لأربعة أطفال، قتلها زوجها بدم بارد لأنها قررت الطلاق والزواج من غيره. و”أم عثمان” شابة سودانية توفيت وهي تهب الحياة لطفلها الرابع بسبب عدم توفر الخدمات الصحية اللازمة في الوقت المناسب. و”جنى” طفلة يمنية، لكنها عروس توفيت قبل أن تكمل شهراً على زواجها من رجل يكبرها بأربعة أضعاف عمرها. هذا غيض من فيض حكايات تحدث في بلاد العرب بينما يجتمع في نيويورك صناع القرارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والباحثون والمثقفون المهتمون بشؤون المرأة خلال الدورة الـ62 لـ “لجنة وضع المرأة”، المحفل السنوي الذي تنظمه لجنة مختصة في الأمم المتحدة بهدف الوقوف على حال النساء وعلى تقدم الدول في سياساتها، والمجتمعات في ممارساتها في ما يخص المرأة.

وبما أنني من بلاد سكنتها حضارات كان لها مساهمات في رقي البشر، من الفراعنة إلى الآشوريين والفينيقيين والعرب وغيرهم، فقد جمعتني لقاءات مختلفة مع الوزراء والمسؤولين والكتاب والمثقفين العرب لم ألحظ خلالها إلا تقديراً عالياً للمرأة وحباً منقطع النظير لبناتهم يعبرون عنه في الخطابات العلنية أو الرسمية. كما يتغنى ذوو المذاهب السياسية والمشارب الدينية على اختلافها، بتاريخ العرب والمسملين الذي أنصف المرأة وأعطاها حقها بحسب أصحاب القلم. لكن تكاد مصطلحات مثل المرأة نصف المجتمع والمرأة هي الرفيقة والشريكة والأم والأخت والبنت المعززة المكرمة، تخلو من معانيها بالمقارنة مع الإحصاءات والبيانات التي تشير إلى أن أعلى نسب وفيات من الأمهات في العالم هي في منطقتنا، وأعلى انتشار للممارسات المضرّة بالنساء كالزواج المبكر وزواج الطفلات والختان، يتركز في البلاد العربية، إضافةً إلى تفشّي ممارسات تصنّف تحت العنف المبني على النوع الاجتماعي، التي تمثل حدثاً يومياً عندنا. كيف إذاً نفسر الفرق بين المحكي والمعاش؟

تعلمت خلال عملي في “صندوق الأمم المتحدة للسكان”، وهي المنظمة المعنية بالصحة والحقوق الإنجابية أن الصحة الإنجابية هي مسألة إنقاذ حياة وليست مجرد خدمات صحية اعتيادية، وأن مناهضة الزواج المبكر هي مسألة حفاظ على روح طفلة وليست مجرد محاولة لتحسين نوعية حياتها، ومناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي هي فعلاً مسألة احترام نصف المجتمع وليست ترفاً. لذلك فإن التركيز على الحقوق الإنجابية يعني حق الفرد، وبالأحرى المرأة، في أن تختار توقيتاً يناسبها لكي تحمل وتنجب، وأيضاً أن تختار عدد الأطفال الذين ترغب في إنحابهم، إن رغبت أصلاً. أما الجانب الصحي فيتمثل في حق كل امرأة بالوصول إلى الرعاية الطبية المتعلقة بالصحة الإنجابية، سواء كانت أدوات منع الحمل السليمة والمقدمة من قبل جهات طبية مختصة، أو الرعاية الطبية أثناء الحمل والولادة لضمان صحة الأم والجنين في جميع المراحل.

يركز صندوق السكان على مفهوم الصحة الإنجابية كجزء أساسي من السياسات الصحية عموماً، وجزء لا يتجزأ من الخدمات الطبية التي توفرها الدول في المرافق الصحية العامة. كما يركز على أهمية توفير المعلومات ونشر الوعي حول الصحة والإنجاب وتنظيم الأسرة والحمل والولادة، وخصوصاً أثناء الأزمات الإنسانية حين تنشغل المنظمات الإغاثية بتوفير المأوى والطعام، ويتم عموماً إهمال احتياجات النساء الإنجابية. فكثيراً ما أسمع جملاً تهكمية على شاكلة “هل هذا وقت الحمل والإنجاب، تحت الخيمة؟”. أولاً، لكل فرد الحق في اختيار وقت الحمل حتى تحت الخيمة، إنما السؤال يجب أن يكون: هل اختارت المرأة أن تحمل وهل كانت لديها معلومات كافية عن خيارات تنظيم حملها وإمكان الوصول إليها بسهولة؟ هل ناقشت إمكان الحمل بتوافق مع شريكها فتوصلا معاً إلى قرار يناسبهما؟

“أي نقاش هذا ونحن في هذا الوضع المزري؟” أجابتني منال أثناء زيارتي مخيم لاجئين في الأردن أخيراً. “أخاف أن يضربني زوجي إن فتحت معه الموضوع”. منال لاجئة من سورية عمرها 17 عاماً وحامل بطفلها الثاني، هل من عنف لم تتعرض له بعد؟ دعونا نعد: زواج مبكر، حمل ثانٍ لم ترغب فيه، زوج قد يضربها وعيشة في خيمة للاجئين.

أظن أن على العرب ساسةً وحكماءَ وقادة رأي وقيادات دينية أن يعيدوا النظر في قضايا الصحة الإنجابية والعنف المبني على النوع الاجتماعي كحقوق فردية وقضايا مجتمعية، وأيضاً كمنقذات حياة، فالمرأة التي لا تستطيع أن تمارس اختياراتها في شأن حياتها الإنجابية لن تستطيع تربية نشء حر قادر على الاختيار ولا يرى في الموت والحياة خيارات متكافئة. والمراهقة التي لا تستطيع المشاركة في أسرتها ومستقبلها وقرار زواجها وتعليمها وصحتها بما في ذلك حياتها الإنجابية، لن تستطيع المساهمة في قرارت جماعية كأساس للحياة العامة. المجتمع الذي لا يحفظ للمرأة كرامتها وحقها في عيش كريم خال من العنف بما في ذلك عنف الزوج والأب والأخ والحبيب، لن يؤمن أجيالاً مقبلة لا تميل إلى العنف والإرهاب. الحل هو تمتع النساء بحقوقهن كاملة غير منقوصة، والطريق إلى ذلك في حاجة إلى قرار جريء وإرادة سياسية تقوم على سن قوانين واضحة وتخصيص موارد مناسبة من أجل تحقيق ثلاث نتائج مهمة على صعيد صحة المرأة: مجتمع لا تموت فيه أي امرأة وهي تهب الحياة، ومجتمع خال من العنف المبني على النوع الاجتماعي، ومجتمع قادر على توفير كل متطلبات تنظيم الأسرة لتمكين النساء من أن يكون كل حمل لهن مرغوباً وكل ولادة آمنة.

*لؤي شبانه – مدير “صندوق الأمم المتحدة للسكان للمنطقة العربية”

إقرأ أيضاً