هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

حتى تناول كميات قليلة من الكحول يُضعف الذاكرة

“لا أستطيع حتى أن أتذكر ما حدث في تلك الليلة”, كثيراً ما تقال هذه الجملة كمزحة أو كنداء لطلب المساعدة بين الناس الذين شربوا مؤخراً الكثير من المشروبات الكحولية لدرجة أنهم فقدوا وعيهم. ولكن يوجد أيضاً أدلة على أن مجرد شرب القليل من الكحول، يمكن أن يُضعف الذاكرة بشكل خطير وكذلك القدرة على التعلم.
يقول ماثيو ووكر، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، في بيركلي، يعتبر النوم، ولاسيما مرحلة حركة العين السريعة، التي تحدث خلالها الأحلام، هي المرحلة التي تثبت خلالها الذكريات في أذهاننا. إلا أن الكحول يمنع الوصول إلى تلك المرحلة، ونتيجة لذلك يمكن أن يجعلك تناول المشروبات الكحولية تنسى المعلومات الجديدة التي تعلمتها مؤخراً -حتى لو جرى تناول الكحول  بعد أيام من ذلك التعلم.
ويعد الدليل الأكثر وضوحاً على هذه الظاهرة، هو ما وصفه ووكر في كتابه الأخير “لماذا ننام Why We Sleep”، وهو مأخوذ من دراسة أُجريت عام 2003 من قبل كارلايل سميث، الأستاذ في جامعة ترينت في كندا، إذ قام بدعوة 15 طالباً إلى مختبره وجعلهم يتناولون بعضاً من المشروبات الكحولية.
في البداية، قام كل المشاركين (بوعي) بتعلم درسٍ جديدٍ من نظام التدقيق النحوي. ثم قُسموا إلى ثلاث مجموعات: تناولت المجموعة الأولى خليطاً من عصير البرتقال مع ثلاث أوقية من الفودكا في نفس الليلة التي تلقوا فيها الدرس، وتناولت مجموعة أخرى نفس الخليط بعد يومين، ولكنهم تناولوا عصير البرتقال في الليلة التي تلقوا فيها الدرس والليلة التي تليها. أما المجموعة الأخيرة وهي مجموعة المقارنة التي لم تشرب أي كحول على الإطلاق في أي من الليالي.
أعيد اختبارهم بعد بضعة أيام، عندما كانوا جميعاً واعين. المجموعة التي شربت الكحول في نفس اليوم الذي تلقت فيه الدرس، وربما كما هو متوقع، كان أداؤهم في الاختبار أسوأ من مجموعة المقارنة التي لم تتناول أي كحول. والمجموعة التي تناولت الكحول في نفس الليلة، نسي أفرادها 50 في المئة مما تعلموه. ولكن المثير للدهشة، أن المجموعة التي تناولت الكحول في الليلة الثالثة كان أداء أفرادها  أسوأ من مجموعة المقارنة أيضاً. وعلى الرغم من أنهم قضوا ليلتين مريحتين من النوم بدون تناول أي كحول، بين اليوم الذي تلقوا فيه الدرس والليلة التي ثملوا فيها قليلاً، فقد نسوا ما يقرب 40 في المئة مما تعلموه. يوضح ووكر ذلك قائلاً، هذا يعني أنك إذا كنت طالباً جامعياً، أو في أي بيئة حيث تتعلم مواد جديدة، لا يمكنك أن تتصرف كملاك طوال الأسبوع وتشرب الكحول في عطلة نهاية الأسبوع حتى الثمالة دون أن تعاني من العواقب. يقول ووكر: “تظل الذكريات هشة ومعرضة لخطر  تأثير الكحول لعدة أيام”.
يوجد الآن العديد من التحفظات على هذه الدراسة: لقد تناولت الدراسة 13 شخصاً فقط، وهو ما لن يكون مقنعاً بالمقارنة بالتجارب التي تُجرى في الوقت الحاضر، كما أنها لم تأخذ بعين الاعتبار الأشياء الأخرى التي يمكن أن تؤثر على ذاكرة المشاركين. وقام سميث، على الرغم من أنه لا يزال أستاذ فخري في علم النفس، بإجراء دراسة عن التخاطر الذهني أثناء الأحلام، وهو موضوع هامشي للغاية. ويعترف سميث بأن حجم العينة كان صغيراً، وأن الدراسات المتعلقة بالتخاطر الذهني أثناء الأحلام تعد غير تقليدية.لكنه يتمسك بالنتائج التي توصل إليها بشأن الآثار الضارة للكحول على الذاكرة، مشيراً إلى أنه يمكن للكحول  أن يقلل من عدد حركات العين التي تحدث خلال مرحلة حركة العين السريعة. وأضاف “إنها مرحلة شديدة الحساسية من النوم”.
كما قام أيضاً بإجراء تجربة أخرى، بينت أن مجرد تناول المشروبات الكحولية مباشرةً بعد تعلم شيئٍ جديداً لا يضعف الذاكرة. ولكن تناولها مباشرةً قبل النوم يضعف الذاكرة. وقال “يمكنك تناول المشروبات الكحولية، ولكن تأكد فقط من أن هناك وقت كاف لعملية التمثيل الغذائي وخروجها من جسدك قبل أن تذهب إلى النوم”، وأضاف “ربما يجب أن تشرب في فترة ما بعد الظهر”.
في الآونة الأخيرة، قامت آنيا توبيوالا، وهي باحثة عيادية رفيعة المستوى في الطب النفسي، في جامعة أكسفورد، بالاطلاع على بعض الدراسات التي تبين أن الاستهلاك الخفيف للكحول من المفترض أن يحمي من التدهور المعرفي. ولكن في سياق ممارستها، كانت ترى أيضاً بعض حالات كبار السن الذين كانوا يتناولون المشروبات الكحولية بشكلٍ معتدل – لنقل إنهم كانوا يتشاركون في زجاجة نبيذ في الليل، والذين يعانون من مشاكل في الذاكرة.
أرادت أن تعرف ما إذا كان تناول المشروبات الكحولية يساعد أو يضر أدمغتهم. لذلك فحصت مع زملائها 550 شخصاً كانوا جزءاً من دراسة وايتهول الثانية الشهيرة، التي قامت بدراسة صحة موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا. وكان معظم المشاركين يتناولون المشروبات الكحولية بشكل معتدل على مدى 30 عاماً. وطوال تلك الفترة، تم سؤالهم عن المقدار الذي يتناولونه من المشروبات الكحولية وإعطائهم اختبارات الوظائف الإدراكية. وأعطتهم توبيوالا وزملاؤها بعض الاختبارات المعرفية الإضافية وقاموا بفحص أدمغتهم.
وجد الباحثون أنه كلما شرب المشاركون، كلما صغر حجم الحُصيْن لديهم، وهي منطقة في المخ مسؤولة عن الذاكرة، وكلما ساءت حالة المادة “العازلة” حول المحور العصبي من الخلايا العصبية في منطقة أخرى مسؤولة عن الذاكرة في المخ تسمى الجسم الثفني. لم يساعد على الإطلاق تناول المشروبات الكحولية بكميات قليلة، أو مجرد تناول كأسين من الشراب في الأسبوع. وأولئك الذين شربوا أكثر من 21 وحدة كحولية أسبوعياً، أو نصف لتر من البيرة يومياً، عانوا من  انخفاض بنسبة 16 في المئة في “الطلاقة في استخدام المفردات اللغوية”، أو عدد الكلمات التي يستطيعون التفكير فيها بدون استعداد. وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين يشربون كميات قليلة من الكحول ليسوا أفضل من المُمتنعين عن تناول المشروبات الكحولية في الطلاقة في استخدام المفردات اللغوية.
وجدت توبيوالا وزملاؤها هذه الآثار حتى في الرجال الذين اعتادوا على تناول كميات “معتدلة”، أو ما بين حوالي خمس وسبع عبوات من البيرة في الأسبوع. وهذا يمثل “حوالي 14 إلى 21 وحدة كحولية في الأسبوع”. (يُعتقد أن مقدار “الوحدة” هي مشروب واحد؟ وقد يكون ذلك لأن كؤوس النبيذ قد كبر حجمها عدة مرات في السنوات الأخيرة.)
وماذا عن تلك الدراسات التي وجدت أن استهلاك الكحول بكميات قليلة قد يكون مفيداً للدماغ؟ قالت توبيوالا، إنها قد تكون قد أهملت مراعاة أن الأشخاص الذين يتناولون الكحول غالباً ما يكونوا أكثر ثراءً وأفضل تعليماً من الأشخاص الذين امتنعوا عن تناوله، أو أنهم قد يطلبون من المشاركين أن يتذكروا الكمية التي كانوا يتناولونها منذ سنوات، وهو مقياس غير موثوق به إلى حد ما.
إلى جانب هذين التحليلين، وجدت بعض التحاليل الأخرى، أن الشباب الذين يتناولون المشروبات الكحولية بكثافة هم أسوأ في تذكر أشياء مثل إغلاق الباب أو إرسال خطاب، من الممتنعين أو الذين يشربون بكميات قليلة. ووجد بحث آخر أن الطلاب الذين يتناولون في المتوسط حوالي تسعة مشروبات كحولية في الأسبوع، يجدون صعوبة في أداء اختبارات الذاكرة المرتبطة بالكلمات. وقد أكدت دراسة أُخرى على علاقة تناول المشروبات الكحولية بالنوم، وأظهرت أن طلاب الجامعات الذين يسهرون ويتناولون الكثير من المشروبات الكحولية ولا ينالون قسطاً كافياً من النوم خلال الليل، غالباً ما يشعرون بالنعاس والتعب خلال النهار، وأدائهم يكون سيئاً في الاختبارات.
وهذا أبعد ما يكون عن مجموع الآثار السلبية للكحول -حتى على النوم فقط. ولأن الكحول يمنع الوصول إلى مرحلة حركة العين السريعة كثيراً، فيشير ووكر إلى “إن بعض مدمني الكحول يصلون إلى مرحلة حركة العين السريعة أثناء استيقاظهم، ولذلك يبدؤون في المعاناة من أحلام اليقظة والهلوسة”. 
تزداد المشكلة في موسم العطلات والاحتفالات مثل الآن. فتمثل عبئاً مرهقاً، على الرغم من كونه احتفالياً، واجتماعياً. وعلى الرغم من ذلك فأنت، بالطبع، لست مرغماً على تناول الكحول للانخراط في المجتمع أو الاحتفال أو للسيطرة على توترك. لقد نشرت مؤخراً دعوة على موقع تويتر للحصول على نصائح متعلقة بإدارة الإجهاد من الأشخاص الذين امتنعوا عن تناول المشروبات الكحولية، وكان لديهم الكثير من الأفكار. وسألت أيضاً الباحثين الذين أجريت معهم مقابلات، كيف قاموا بتعديل سلوكهم بناءً على النتائج التي توصلوا إليها.
قالت توبيوالا إنها اعتادت أن تشرب كأساً من النبيذ يومياً، ولكن الآن تتناول فقط ثلاثة أو أربعة في الأسبوع. وقال ووكر إنه لا يشرب في المساء – ولكن مرة أخرى،هو لا يشرب على الإطلاق. كما أنه يعطي نفسه “فرصة نوم غير قابلة للتفاوض” لمدة ثماني ساعات في الليل، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بأشياء أخرى.
وقال “إن الانتظام في النوم يعتبر وضع ميؤوس منه في الوقت الراهن”. وأضاف، ولكن “النوم هو أفضل بوليصة للتأمين الصحي يمكن أن تتخيلها”.
هذه الموضوع تمت ترجمته عن موقع the atlantic وللاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

إقرأ أيضاً