هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

جميع المتابعين على السوشيال ميديا هم متابعون وهميون

في يومٍ مشرقٍ من أيام صيف عام 2015، جلستُ مع مصمم الألعاب بينيت فودي، نحتسي بعض الكوكتيلات الباردة، بينما كنّا ننتظر شرائح اللحم المشوية في أحد المطاعم في قلب مدينة مانهاتن. لم نكن نعيش حياة باذخة، لكننا توقفنا لتقييم نجاحاتنا المهنية المتصاعدة. من بين تلك النجاحات، كان يبدو أن كلاً منا قد أصبح ذائع الصيت على تويتر. ولذلك تساءلت مستعجباً، “من أين جاء كل هؤلاء المتابعون؟”. لقد حصل كلٌ منا على عشرات الآلاف من المعجبين كما هو واضح على مدار العام السابق تقريباً.
فودي، استرالي متواضع، حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الأخلاقية، ويصنع الآن ألعاب فيديو تعتمد في الأساس على استغلال لاعبيها. حذرني فودي من الفرح والاغترار بكثرة المتابعين، وعلل ذلك قائلاً: “لقد أُضفنا إلى قائمة الحسابات التي يُوصى بها لمستخدمي تويتر الجدد أثناء عملية الاشتراك. وبذلك فإن العديد من أتباعنا الجدد هم أعضاء وهميون، وحساباتهم تم إنشاؤها لأغراض البيع، أو الازعاج للآخرين، وقد تابعونا بصورة تلقائية.
على الرغم من أن المتابعين ربما كانوا متابعين وهميين، إلا أنه كان هناك تأثير حقيقي لكثرة المتابعين: فقد أصبحت أنا وفودي أكثر شعبية وأكثر أهمية من أقراننا الآخرين. حتى أن أحد زملاء فودي في جامعة نيويورك، حيره حصول فودي على كل هؤلاء المتابعين على تويتر، وثارت حفيظته لدرجة أنه انزوى بفودي ليسأله ما إذا كان يشتري هؤلاء الأتباع. في حين كانت المسألة برمتها بمثابة صندوق باندورا احتفظت به مخفياً بعناية، وأحكمت إغلاقه.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، فتحت صحيفة نيويورك تايمز. ولاحظت أن الصحيفة قد أجرت تحقيقاً شاملاً حول الشركات التي تبيع المتابعين على تويتر وكذلك إعادة التغريدات، ومن هم الناس الذين يشترونها. ولكن من المسلم به أيضاً أن المتابعين “الحقيقيين” موجودون بالفعل وذو قيمة مؤثرة. والمشكلة مع تويتر، بل ومع وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام، ليست أن هذا التأثير مزورٌ بالكامل. ولكنه يبدو أكثر تأثيراً وأهميةً مما هو عليه خاصة في بداية الأمر.
على الرغم من شكوك زميل فودي، لم أشتر أنا ولا فودي أي متابعين في أي وقت من الأوقات. جديرٌ بالذكر أن الأمر لا يرجع لانعدام الفرص. إذ أن ديفومي، الشركة الرئيسية التي تم كشفها في تحقيق التايمز، ليست سوى واحدة من عشرات الشركات التي تبيع المتابعين الوهميين، وكذا نقرات الإعجاب، وإعادة النشر على خدمات الشبكات الاجتماعية مثل تويتر، وفيسبوك، ويوتيوب، وانستغرام. ولا تكلف سوى بنسات في كل مرة، خاصة عند شراء تلك الأشياء بكميات كبيرة.
في الواقع، أصبحت مسألة المتابعين الوهميين أكثر تطوراً وتعقيداً منذ بداية تعاملي معها  في عام 2015. في ذلك الوقت، كانت الحسابات الجديدة على تويتر في الغالب تضع صورة “بيض” ،وهي الصورة التي كان يضعها موقع تويتر فيما سبق مكان صورة الشخص الافتراضية، إلى جانب أسماء مستخدمين يتم إنشاؤها بشكل عشوائي. أما في عام 2017، بدأ تويتر في تقليل إمكانية رؤية هؤلاء المستخدمين. الخطوة التي اتُخذت في الغالب في محاولة للحد من المضايقات، إذ أن بعض المراهقين غالباً ما يُنشئون حسابات جديدة عندما يتم حجبهم أو الإبلاغ عنهم من قبل الأشخاص الذين يستهدفونهم أو يزعجونهم. لكنه أجبر أيضاً سوق المحتالين على الخضوع لقواعد لعبته. وتصف التايمز بعض التكتيكات الناجحة التي تلت ذلك: مثل نسخ الصور والبيانات الشخصية، وتغيير أسماء المستخدمين بشكل غير مرئي، ثم تسجيل النتائج كآلات للمتابعة وإعادة التغريد للعملاء الذين يدفعون الأموال في سبيل ذلك.
تقارن صحيفة التايمز بين المشاهير والوكلاء الذين يخدمونهم، والأشخاص العاديين الأبرياء الذين تُنتحل شخصياتهم وحساباتهم في بعض الأحيان لخلق أتباع وهميين.
وتعترف صحيفة التايمز بالأسباب التي تدفع الناس والشركات لشراء المتابعين. فهناك ضغط، حقيقي أو متخيل، لإظهار بعض التأثير. وهو التأثير الذي يولد المزيد من التأثير، وقفزة بداية لتأسيس أعمال تجارية ناجحة أو صفحة شخصية تحتل مكانة مناسبة داخل هذا المجال.
الأسوأ من ذلك، هو أن الرغبة في زيادة التأثير منتشرة على صعيد أكبر من مجرد المشاهير والشركات. فكما إنه من السهل أن تنظر بعين ساخرة إلى الأثرياء والمشاهير لشرائهم تلك الشهرة الوهمية بدلاً من العمل من أجل الحصول عليها، من الممكن أن تؤثر على أشخاص عاديين. تستشهد التايمز ببعض المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعية، وهم فئة من الناس – بعضهم من العائلات المشهورة والبعض الآخر مجهولين – الذين يمكنهم كسب المال مباشرة من الترويج للمنتجات والخدمات على شبكات مثل تويتر وإنستغرام. ولكن يتنافس الجميع على إنشاء “علامة تجارية شخصية” ذات مصداقية وقيمة على الإنترنت على نحو متزايد، حتى لو كان ما يقدمونه مجرد عمل عادي.
في حين أصبح العمل أكثر صعوبة، ومع تغلغل الإنترنت إلى كل درب من دروب الحياة، فإن الحاجة – أو على الأقل الإحساس القوي بالحاجة- إلى أن يكون هناك قدر وقيمة للهوية على الإنترنت قد زاد. تتطلب العديد من الوظائف المكتبية العادية والمملة في كثير من الأحيان نوعاً ما من النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وإظهار مصداقية الصفحات والحسابات الشخصية على منصات مثل تويتر. إن وظيفة “مدير وسائل التواصل الاجتماعي”، التي لم يكن يسمع بها أحد في يوم من الأيام، تفتخر الآن بتحقيق نسبة 9 في المئة من النمو في خلال 10 سنوات، وفقاً لموقع CNN Money  (والذي يصنف الوظيفة أيضاً في المرتبة “سي” من حيث الارتياح الشخصي والمنفعة للمجتمع).
بالنسبة للأشخاص الذين يرتبط منتج عملهم ارتباطاً وثيقاً بشخصيتهم، أصبح الظهور بشكل مؤثر عبر الإنترنت أمراً أكثر أهمية أيضاً. لقد كنت أنا وبينيت فودي متحمسين جداً لما لدينا من شهرة نسبية على تويتر، يرجع ذلك بشكل نسبي إلى بعض النرجسية، وبنسبة أخرى لأنه بدا كمنصة محسنة بالنسبة لنا كمبدعين. على سبيل المثال، إذا كان لدي 100 ألف متابع، وأردت كتابة اقتراح كتاب على تويتر، فإن هؤلاء المتابعين يمثلون دليلاً للناشرين الذين قد يشتروا كتابي. في عالم مثالي، هذا يعني أن لدي منصة يمكن من خلالها تعزيز هذا الكتاب إلى حشد من المشترين المهتمين. ولكن على المدى القصير، فإنه يساعدني في الغالب كي أبدو أن لدي مثل هذا المنبر الذي يساعدني في اتمام الصفقة.
هذا النوع من المناورات قصيرة الأمد والتي تهدف لتحقيق نجاح تراكمي كانت محصورة على الدوام على مجالات المبيعات والتمويل. في تلك المجالات يكون التملق والعدائية المزيفة من صفات المغامرين الطموحين. لكن اليوم، الجميع مغامرون، في وظائفهم اليومية، في أعمالهم الإضافية (نسميها مغامرات جانبية الآن)، وحتى في حياتهم الشخصية. أصبحت الهوايات أدوات كامنة للشهرة المستقبلية وتحقيق الربح.
واليوم كل شيء هو “مبيعات” قبل أن يكون أي شيء آخر. لهذا السبب، ليس هناك ما يسمى بالمتابع المزيف. المتابع المثالي قد يكون مهتماً بأفكار حساب معين وتأثيره والمنتجات والخدمات التي يعرضها. لكن قبل كل هذا، للمتابع مهمة أساسية واحدة، هي أن يزيد عدد متابعي الحساب بمقدار واحد على أمل أن هذا الرقم الجديد سيتزايد أكثر فأكثر. إنه السعي المأساوي نحو اللامعنى والتكرار اللانهائي.
مع ذلك، يعد ذلك نشاطاً اجتماعياً ذا شعبية بما يكفي ليصير له معنى مشروعاً وإن كان محفوظاً وخفياً. في 2014 نشر عالم البيانات جيلاد لوتان تحليلاً لتجربته الشخصية في شراء المتابعين. مقابل 5 دولار، أضاف 4000 حساب آلي إلى حسابه، أكثر من ضعف عدد متابعيه في ذلك الوقت (وصل عدد متابعيه إلى 18 ألفاً اليوم). باعتباره عالم بيانات أظهر لوتان أن قيمة هؤلاء المتابعين كانت ضئيلة بالنسبة له من الناحية الشخصية والمهنية. كانوا منفصلين عن شبكته الطبيعية والعضوية من العلاقات وكانوا منفصلين عن بعضهم البعض.  ومع ذلك أنتجوا قيمة حقيقية أيضاً. قال لوتان أن نقاطه في مؤشر كلاوت، وهو مؤشر لقياس التأثير على مواقع التواصل الاجتماعي، قد زادت. استثمرت شركة مايكروسوفت في كلاوت وبدأت باستخدام بيانات الخدمة في محرك البحث الخاص بها. ولذلك رفع المتابعون الجدد مركز لوتان في نتائج البحث. كما أن الأمر بعث فيه شعوراً جيداً. كتب قائلاً “على الرغم من معرفتي أن الأمر مزيف بنسبة 100% إلا أن التشويق بعث في شعوراً بالإثارة، وفي نهاية الأمر الحصول على 6000 آلاف متابع، بكل صراحة منحني شعوراً رائعاً”.
في أعقاب كشف صحيفة التايمز، فإن التأثير الحقيقي للحسابات المزيفة سينحسر على الأرجح، بقدر ما. وقد تصبح خدمات مثل  TwitterAudit، التي تستطيع البحث في الحسابات عن المتابعين المشكوك فيهم وحساب نسبة المتابعين المزيفين، أكثر انتشاراً. وهو ما قد يجعل جهات التوظيف وشبكات التأثير والمستخدمين العاديين أكثر اطلاعاً على مدى زيف شركات الإنترنت. قد يتأثر “المؤثرون” المحترفون بهذه التغيرات لكن الأشخاص العاديين لن يتأثروا على الأرجح.
و الإحتيال ليس المشكلة القصوى للنشاطات المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي. المغامرة آفة في حد ذاتها. تمثل الشهوة المحرمة التي تجذب الكثيرين إلى مدارها.
الجاني هو الأرقام نفسها، وليس الأكاذيب التي تروجها، ولا الأرباح الناتجة من وراء فعل ذلك. السبب الوحيد لأن يكون هناك سوق، ناهيك عن سوق سوداء للتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي هو أن هذه المنصات هي سوق رئيسي للاهتمام، وليس للأفكار أو المنتجات أو الخدمات. لهذا يعدُّ تويتر المتابعين والإعجاب وإعادة نشر التغريدات، وبقية الأشياء بهذه الطريقة البارزة.
ربما يظهر سوق جديد، لأولئك الأغنياء والفخورين والمغرورين الذين يسعون للخلاص من سباق القوارض الرقمي المستبد هذا: مقابل رسوم ضخمة قد يخفي تويتر عداد المتابعين وإعادة التغريدات وكل القياسات الرقمية الأخرى من حسابات معينة. سيكون هذا هو الترف الحقيقي لحياة الإنترنت ناهيك عن أنه سيكون الحل الأكثر فساداً لمشكلة الزيف المخادع. لإنهاء معضلة المتابعين وإعادة التغريدات، دون وضع الحصان أمام عربة صناعة مواقع التواصل الاجتماعي.
ما هو الشيء الأفضل من مليون متابع؟ عداد فارغ يحررك من الرغبة في الاهتمام.

*إيان بوغوست.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع the atlantice ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً