fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم شفيق

مقالات الكاتب

“جمهورية الخوف”المصرية تحجب موقع يوتيوب..

لم تثبت سياسات حجب المواقع الالكترونية فعاليتها في ظل امكانية الالتفاف عليها تقنياً، ومع ذلك تواصل بعض الأنظمة اللجوء الى هذا الاجراء معتقدة أنه زاجر وردعي. فقد قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر، بتأييد حكم محكمة القضاء الإداري، الصادر بإلزام الجهاز القومي، لتنظيم الاتصالات، بغلق موقع “يوتيوب” وحجبه مدة شهر، بعد عرضه فيديو اعتبر “مسيئاً” لنبي الإسلام محمد، علماً أن تاريخ الفيديو يعود لعام 2012.

وكان المحامي محمد حامد سالم رفع دعوى قضائية، طالبت بحجب موقع “يوتيوب” ووقفه داخل مصر، لحين حذف الفيلم، وأي فيلم مناهض للإسلام، بحسب الدعوى، إضافة إلى حجب كل المواقع التي تعرض فيديوهات الفيلم المعني.

وذكر في مبررات دعوته القضائية، أن تلك المقاطع والأفلام، “قد تترتب عليها نتائج، يتعذر تداركها، من استفزاز للمصريين والمسلمين، واستنفارهم واستدراجهم الفتن الطائفية، وأعمال عنف متكررة، بسبب استمرار عرض هذا الفيلم، على موقع “يوتيوب”، عبر شبكة الإنترنت، واستهدافه أطفال المسلمين، لتشويش صورة النبي، في أذهانهم، ونفوسهم لأجيال مقبلة، فضلاً عن التعدي على الثوابت الإسلامية وهيبة الرسول”، كما يقول.

وفي حديثه إلى “درج”، يقول الصحافي المصري والمحلل السياسي، وليد الشيخ: “قيام النظام المصري بحجب يوتيوب بحجة نشر فيديو مسيء للنبي عليه عام  2012، خطوة جديدة، في قمع حرية الرأي والتعبير ومصادرتها، بعد سقوط مصر في القائمة السوداء، في حرية الإعلام بالمرتبة 161 من بين 180 دولة، إضافة إلى حجب ما يقارب من 500 موقع إلكتروني، شملت حتى مواقع مثل: هيومان رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود”.

ويضيف أنه “على رغم أن هناك وسائل مختلفة، لتجاوز حجب يوتيوب والمواقع الإعلامية، إلا أنها تظل قاصرة، ولا تؤثر في الشريحة الأكبر من المتابعين، ممن لا يتمكنون من استخدام وسائل لكسر الحجب، وهو ما انعكس بوضوح على عديد من المواقع المحجوبة، التي اضطرت إلى الإغلاق بعد توقف الإعلانات بسبب الحجب”.

ويرى الشيخ، أن هذا الحجب الأخير، يأتي بعد السعي إلى التحكم في الإعلام، من خلال المؤسسات الإعلامية الرقابية، الموالية للحكومة، وكذلك، السيطرة على معظم القنوات التلفزيونية، والإذاعات والصحف والمواقع الإلكترونية، سواء الحكومية أو الخاصة، التابعة لرجال أعمال موالين للنظام، أو الشبكات الإعلامية، المحسوبة على الأجهزة الأمنية.

تأتي هذه الخطوة في مرحلة تتصاعد فيها مؤشرات سلطوية النظام وتتزايد ثقافة الوصاية على المجتمع من خلال محاولات فرض مزيد من الرقابة وتقييد الحريات، بدعوى القيم والمحافظة على المنظومة الأخلاقية، والسلم الاجتماعي، من جهة، ومغازلة بعض الأطراف المحلية والإقليمية، من جهة أخرى، خصوصاً الداعمة لشرعية النظام السياسية.

وإلى ذلك، يوضح أنه بهذه الخطوات بما فيها حجب الفيديو الشهير “يوتيوب”، فإن الحكومة المصرية، تخالف المادة 57 من الدستور المصري: “تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بأشكالها كافة، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك، وأيضاً المادة 71 “يحظر بأي وجه فرْض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة”.

و”قبل كل ذلك تخالف الحكومة المصرية المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن حرية الرأي والتعبير والنشر، وتتجه إلى طريق دول مثل كوريا الشمالية والصين وبنغلاديش وتركيا”. يقول الشيخ.

تأتي هذه الخطوة في مرحلة تتصاعد فيها مؤشرات سلطوية النظام وتتزايد ثقافة الوصاية على المجتمع من خلال محاولات فرض مزيد من الرقابة وتقييد الحريات، بدعوى القيم والمحافظة على المنظومة الأخلاقية، والسلم الاجتماعي، من جهة، ومغازلة بعض الأطراف المحلية والإقليمية، من جهة أخرى، خصوصاً الداعمة لشرعية النظام السياسية.

بيد أن تلك الخطوة الأخيرة، التي تضاف إلى سلسلة طويلة، من حجب المواقع الصحافية والحقوقية، المحلية والأجنبية، المستمرة، منذ مايو/ أيار العام الماضي، تظل محاولات متواضعة، حتى وإن أثرت في شريحة من المتابعين والجمهور، وذلك، أمام حيل التكنولوجيا، التي تستطيع تفادي عملية الحجب، عبر استخدام، تقنيات مختلفة، ومواقع مختلفة، تسهل عملية الدخول، وفك المواقع المحظورة. لذلك فقد طغى شعور عام باللامبالاة والسخرية بعض الشيئ من خطوة الحجب على اعتبار أن امكانية تجاوز الحجب متاحة.

وتقنية الحجب تمارسها دول عديدة مثل الصين، وفشلت، وكذلك دول في المنطقة مثل السعودية والإمارات، حيث تمارس أنظمتها هذه المحاولات بشكل مستمر، ولكنها، لم تنجح حتى الآن، في وقف اختراق الحظر. هناك دول كثيرة أخرى، حاولت منع المواقع الإباحية، أو المواقع، التي لا تتناسب معها وأخفقت محاولاتها.

وكانت قد وافقت لجنة الاتصالات في البرلمان المصري، أخيراً، بصورة مبدئية، على مشروع قانون حكومي، يستهدف التقييد على مواقع الإنترنت، وتقنين إجراءات حجب المواقع الإلكترونية، التي تقوم بها حالياً السلطات الأمنية مخالفةً القانون.

ومنح التشريع المطروح سلطة التحقيق (النيابة العامة)، الحق في أن تأمر بحجب المواقع الإلكترونية “متى قامت أدلة على قيام موقع يبث داخل مصر، أو خارجها، بوضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أي مواد دعائية، أو ما في حكمها، قد تُشكل تهديداً للأمن القومي المصري، أو تُعرض أمن البلاد أو اقتصادها للخطر”.

وكفل مشروع القانون الحق لجهة التحري والضبط (الشرطة أو ما في حكمها)، سلطة إبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (حكومي)، بحجب أي موقع إلكتروني موقتاً، بحجة وجود خطر وشيك، أو خشية وقوع جريمة، مع إعلام سلطة التحقيق خلال 48 ساعة من تاريخ هذا الإبلاغ، وإصدار المحكمة المختصة قرارها بتأييد الحجب أو رفضه خلال 72 ساعة.

وبحسب “مؤسسة حرية الفكر والتعبير في مصر”، فقد تم حجب 496 موقعاً إلكترونياً في الفترة من 24 أيار 2017 وحتى 1 فبراير/ شباط 2018.

ومن أبرز عمليات الحجب، انضمام موقع منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى عشرات المواقع الإلكترونية المحجوبة، في مصر، وجاء حجب موقع المنظمة الدولية، على خلفية نشر تقرير عن “تعذيب منهجي”، في السجون المصرية.

ولئن تظل عملية الحجب، تقنية يكتنفها الغموض، وهي عالقة بيد مجهول، إذ لا تعلن جهة أنها مصدر هذا القرار من عدمه، ولم يصدر من قبل الجهات الحكومية، أو شركات الاتصالات توضيحاً، حول تفاصيل القرار والجهة المسؤولة عن تنفيذه، لكن، جريدة “المصري اليوم”، في 25 أيار/مايو 2017، نشرت تقريراً من “جهة سيادية”، يعرض تجارب حجب مواقع إلكترونية، في دول عربية وأجنبية، بهدف تبرير الحجب في مصر.

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تصريحاً، قال فيه: “معنديش معلومة، بس فيها إيه لو (الخبر) حقيقي؟ إيه المشكلة؟”.

بينما يتراجع سقف التوقعات في قمع الحريات، في القاهرة، وتتراجع مستويات التعبير في الصحافة، وغيرها، من وسائل الإعلام، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، ونحو درجات غير مسبوقة، ويتهدم كل ذلك فوق الرؤوس، لم يعد ثمة هامش، من دون قيود وحظر، عبر أشكال التضييق والتعسف والحجب المختلفة.

سقف التوقعات الوحيد الذي يرتفع، وتتسع حدود الخيال معه؛ هو ترسانة القوانين والتشريعات العدوانية، ضد الحريات، وانتهاك حقوق المواطنين، في الوصول إلى المعلومة.

 

إقرأ أيضاً