fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

جريدة السفير الناجي الوحيد من فضيحة عيتاني

في قضية زياد عيتاني، ثمة فضيحة موازية يحاول الإعلام اللبناني مداراتها، عبر استهوال فعلة الأجهزة الأمنية. فالإعلام اللبناني مع استثناءآت قليلة ونسبية، كان شريكاً في جريمة الاعتداء على عيتاني. وسائل الإعلام الرئيسة، كانت جزءاً من حفلة أعدّتها الأجهزة الأمنية. جريدة الأخبار الأكثر تأثيراً في بيروت، تولت مهمة نشر التسريبات المتتالية للأجهزة الأمنية، وتحول مراسلها الأمني والقضائي، إلى محقق غير نزيه، ولم يطرح على نفسه مهمة التدقيق في أي معلومة تصله من الجهة التي لفقت القضية لعيتاني. ومحطة الـ”نيو تي في”، أوكلت مهمة متابعة القضية إلى برنامج يُقارب الصحافة الصفراء، فاستقبلت مقدمته “خبراء” في كشف العملاء قال أحدهم، إنه وصل لتوه من دمشق واطلع على تفاصيل القضية. ولم يكن لدى المذيعة أي شك في أن زياد عيتاني عميل لإسرائيل.
والحال أن افتتاح جردة حول شكل تناول الإعلام اللبناني لقضية عيتاني بجريدة الأخبار، ثم بـ”نيو تي في”، له موجبات أخرى غير موجبات تناول السقطة المهنية، ذاك أن “الأخبار” تطرح على نفسها مهمة رصد أي مساعٍ “تطبيعية”، وهي مهمة تم ابتذالها على نحو رهيب بقصّة عيتاني. فالجهاز الأمني الذي ورّط “الأخبار” بتلفيقته، تولى من جهة أخرى إهانة تلك الوظيفة التي انتدبت الصحيفة نفسها لها. تحوّلت “العمالة” إلى نكتة، وصارت كوليت، الشخصية المختلقة، البطلة الكاريكاتورية لحكاية الممانعة كلها. والغريب فعلاً، أن لا الصحيفة ولا محطة التلفزيون طرحا على نفسيهما مهمة محاسبة من تسبب لهما بهذه السقطة، ولم تكشف الصحيفة ولا المحطة عن إجراءآت اتخذت بحق المتسببين فيها. الأخبار استعاضت عن المحاسبة وعن الاعتذار، بإعادة كتابة القصة من وجهة نظر جهاز الأمن الذي كشف عن فضيحة قرينه، وبإعلان تمسكها بمهمة تعقب قصص العملاء والمطبعين، والـ”نيو تي في” لم تشعر بالحاجة لأي خطوة.
وإذا كان هذا حال “ام الصبي”، أي وسائل إعلام الممانعة، فما بالك بوسائل الإعلام الأخرى، ذاك أن محطة المستقبل مثلاً، شعرت بالحاجة إلى التخفف من عبء “بيروتي عميل”، وأضيف إلى شعورها هذا أن ما سربه الجهاز الأمني الذي أوقف عيتاني، تضمن أن أحد المهام الموكلة إلى الأخير من قبل الموساد، هي مراقبة وزير الداخلية نهاد المشنوق، والمستقبل بحاجة ماسة إلى قصة تقول أن اسرائيل تستهدفه، فكان أن تبنى بدوره رواية الأمن ووظفها في مهمتي “تبرئة بيروت من إبنها العميل”، والردّ على رواية حزب الله، المشككة بصلابة عدائه لإسرائيل، وما الطلب من عيتاني مراقبة المشنوق إلا دليل على قلق اسرائيل من المستقبل.
جريدة النهار بدورها، شاركت في جلد عيتاني على رغم حذرها المعهود في تناول وكتابة الأخبار الأمنية والقضائية. فالصحيفة عنونت خبرها عن زياد في ذلك اليوم بـ:” زياد عياني: مسرحيته الأخيرة تعامل مع العدو” وفي تفاصيل الخبر أن “عيتاني كان على صلة وثيقة بعدد من اليساريين، وناصر المعارضة السورية لكن تواصله مع اسرائيل ترك صدمة كبيرة!”. والنهار بدورها تشعر بالحاجة لدفع تهمٍ “تطبيعية”، سبق أن ساقتها ضدها جماعات الممانعة، فتخففت في ذلك اليوم من شرطها المهني، وانساقت وراء قصة أمن الدولة عن الفنان عيتاني.
لكن الأمر لم يقتصر على وسائل إعلامٍ تبنت رواية جهاز الأمن الملفقة، فالصمت الذي سقط على أصحاب الأصوات العالية، كان بدوره جزءاً من تراجيديا الإعلام اللبناني، ذاك أننا كنا أمام رواية رسمية لكنها شديدة الركاكة إلى حدّ الضحك، وعلى رغم ذلك لم تستدرج هذه الرواية همم صحافيين لكشف الفضيحة. في بيان أمن الدولة وردت هذه العبارة مثلاً: ” من المهام التي كُلف بها العمل على تأسيس نواة لبنانية تُمهّد لتمرير التطبيع مع اسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين”. ووصلت بنا البارانويا نحن الصحفيين إلى حدّ أن قال أحدنا: “اتصل بي زياد قبل يومين من توقيفه، وتحدث معي في أمور عادية، علي أن أعيد التفكير فيها. ربما مرر في محادثته أفكاراً تطبيعية”.
كنا أمام قضية على هذا القدر من الوضوح والجلاء، ولم يدفعنا ذلك إلى القيام بأبسط مهمة يمكن أن يفكر صحافي فيها، وهي تقصي حقيقة بديهية من نوع أن التطبيع ليس من مهمة الموساد، وأن “الفكر الصهيوني” يتوسل طرقاً أخرى في توسعه وانتشاره.
في “درج” أيضاً نستحق جزءاً من المحاسبة، ذاك أننا نشرنا شكوكنا برواية جهاز الأمن عن عيتاني ولم نسقط في فخ اتهامه، إلا أننا توقفنا عند ذلك، ولم نبادر بالقدر الكافي ازاء حقيقة أن هناك مواطناً لبنانياً يستحق جهداً استقصائياً لكشف براءته. وحين نشر صديقنا فداء عيتاني تحقيقه على مدونته (بانتظار غودو)، وهو محضر براءة زياد الأول، علمنا أن فداء لم يشأ أن يُرسل تحقيقه لأي وسيلة إعلامٍ لبنانية لعلمه بمحاذير نشرها، وهذا ما يضعنا في “درج” في موقع مساءلة أنفسنا أيضاً. لماذا لم يفكر فداء بـ”درج” حين كتب تحقيقه. الجواب عندنا وليس عنده، ذاك أننا لم نُشعرهُ بأننا نتّسع لما كتبه.
ومثلما تشعر أجهزة أمنية أن إثبات نجاحها صار مقتصراً على مدى قدرتها على “كشف العملاء”، وأن هذا هو المدخل الوحيد لتكريس حضورها، تشعر أيضاً معظم الصحافة اللبنانية، أن أي مقاومة تبديها حيال قصة ركيكة من نوع قصة عيتاني، سترتد عليها تهماً بضعف مناعتها “التطبيعية”. وهذا مؤشر على أن لا إعلام في لبنان، وأن الناجي الوحيد من فضيحة عيتاني كان جريدة السفير، ذاك أنها أقفلت قبل أن تقع الكارثة.

إقرأ أيضاً