fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

جامعة نيويورك-أبو ظبي: السياسة تطوق الاستقلال التعليمي

تتألق جزيرة السعديات في أبو ظبي في الصور الدعائية الخاصة بها، التي تُظهر المتاحف والفنادق الراقية، والحرم الجامعي ذات الأرضية العشبية الجميلة وملاعب الجولف، والرجال والنساء الإماراتيين المبتسمين. تُعد الجزيرة موطناً لبعض فروع المؤسسات والمعاهد الثقافية والتعليمية الرائدة في العالم الغربي مثل: متحف اللوفر، ومتحف غوغنهايم، وجامعة نيويورك. يصف المسؤولون في دولة الإمارات العربية المتحدة الجزيرة بأنها تجسيد لنفوذهم الثقافي المتزايد والمزدهر، وقال أحد الديبلوماسيين الإماراتيين في افتتاح متحف اللوفر العام الماضي: “لم يعد امتلاك القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدهما كافياً، ما لم تكن قادراً على مشاركة قيمك، فقد أصبح التبادل الثقافي، هو ما تدور حوله القوة الناعمة حالياً”.

إلا أن تقريراً جديداً، يُقدم الذخيرة التي قد يحتاجها النقاد الذين يعتقدون أن الإماراتيين مهتمون فقط باستيراد المؤسسات التي لا تقدم سوى القشرة الخارجية أو لمحة بسيطة عن الطابع الغربي؛ لا القيم المرتبطة بها. ويقول التقرير الذي أعده “تحالف من أجل العمل العادل” وهو مجموعة توعية مكونة من طلاب جامعيين يدرسون في جامعة نيويورك، أن الجامعة ربما انتهكت القانون الإماراتي من خلال الاعتماد على العمل القسري في بناء حرمها الجامعي في أبو ظبي. كما ينتقد التقرير جامعة نيويورك لرفضها تعويض عشرات آلاف العمال المهاجرين عن رسوم التوظيف التي تكبدوها من أجل الحصول على وظائف البناء (من ضمن تكاليف أخرى)، وذلك على رغم- كما يقولون- وعد أولي من قِبل الجامعة للقيام بسداد هذه الرسوم، كما يُقال إنها فشلت أيضاً في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية العمال الذين يُوظّفون حالياً للعمل هناك.

وقالت كاتبة التقرير، صهيبة جيل، وهي طالبة في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، إن إحدى أبرز نقاط الجذب الرئيسية للجامعة عند تأسيس فرعها في أبو ظبي عام 2009، تجسدت في أنها قدمت للطلاب تعليماً يمكّنهم من معرفة كيف يصبحون قادة عالميين أخلاقيين. يضطر معظم العمال المهاجرين إلى دفع رسوم توظيف مرهقة لأجل العمل في دولة الإمارات، وقد صرحت جامعة نيويورك بأنّها ستقوم بتعويضهم عن أيّ رسوم تكبدوها خلال العمل في بناء حرمها الجامعي. وقالت جيل: “على رغم ذلك فشلت جامعة نيويورك في الوفاء بمعاييرها الخاصة”، وأردفت: “عندما أصبحت جامعة نيويورك خارج دائرة الضوء الأجنبية، ولا تحظى باهتمام إعلامي مستمر، فإنها ارتكبت خطأً خلال السنوات الثلاث الأخيرة في عدم محاولتها تصحيح الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان، وهذا يثير تساؤلاً عما إذا كانت جامعة نيويورك تفي حقاً بمهمتها التي أخذتها على عاتقها بأن تكون جامعة عالمية وذات قيم أخلاقية، وهي القيم ذاتها التي تسعى إلى أن تصبح عليها”. شككت جامعة نيويورك في نتائج التقرير، وقالت كيت تشاندلر، المتحدثة باسم جامعة نيويورك في أبو ظبي في بيان لها: “نعتقد أن تقييم التحالف من أجل العمل العادل، ليس صحيحاً ولا نزيهاً، نحن لا نتفق مع نتائج التقرير، التي لا تستند إلى أدلة أولية”.

ظهرت قضية العمل القسري في الحرم الجامعي لجامعة نيويورك في أبو ظبي بعد مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2014، يبين بالتفصيل كيفية إيواء العمال المهاجرين في المشروع في ظروف سيئة، ودفع رواتب أقل مما وعدوا، وتعرضهم لوحشية الشرطة عقب قيامهم بالإضراب. كما تعين على الغالبية العظمى من العمال دفع ما يصل إلى مرتبات عام كامل في رسوم التوظيف للحصول على الوظيفة في المقام الأول، وقاموا بتسليم جوازات سفرهم إلى صاحب العمل، ما جعلهم محاصرين ولا خيار أمامهم سوى مواصلة العمل. لم تسدد جامعة نيويورك معظم رسوم التوظيف الخاصة بعمال البناء، معللة ذلك بأنها ملزمة فقط سداد الرسوم لمن دفعوا رسوماً خصيصاً للعمل في مشروع الحرم الجامعي. بعد تقرير صحيفة “نيويورك تايمز”، أصدرت الجامعة مجموعة جديدة من القواعد التي تهدف إلى حماية العمال، وإنشاء آليات أقوى وأكثر شفافية لمراقبة تنفيذ معايير العمل الخاصة بها.

ومع ذلك، يرى تحالف جامعة نيويورك أن الإجراءات التي اتخذتها الجامعة ليست كافية. ويقيّم تقريرها التغييرات التي تم تنفيذها بعد مقالة “نيويورك تايمز”، كما يقدر أيضاً المخاطر التي لا تزال تواجه العمال في حرم جامعة أبو ظبي. وتعيَّب على جامعة نيويورك استمرارها في رفض تعويض العمال المشاركين في بناء حرمها عن رسوم التوظيف التي دفعوها للحصول على الوظيفة، ويشككون في عودة الجامعة إلى التزامها بمزيد من الشفافية. عندما يتعلق الأمر بالعاملين في الجامعة اليوم، فإن المؤسسة تضمن السداد فقط لأولئك الذين قاموا بدفع رسوم التوظيف خلال سنة واحدة من بدء العمل في حرم جامعة أبو ظبي، مستثنياً بذلك العمال الذين كانوا في دولة الإمارات العربية المتحدة لفترة أطول- ودفعوا الرسوم في الماضي- من دون آمال بالتعويض من جامعة نيويورك. وفي الوقت ذاته، هناك تقرير آخر صادر عن مراقب مستقل، لم يكتمل حتى هذا الشهر، عن مدى امتثال الجامعة بتعهداتها الخاصة بمعايير العمل، والتي وعدت بالعمل بها بحلول عام 2016.

أحال مسؤولو جامعة نيويورك أبو ظبي تقييم الجامعة الجديد، الذي أجراه مراقبهم المستقل، والذي وجد أن هناك “مستوى جيداً من الالتزام بين المقاولين وارتفاع مستوى الرضا بين العمال”، عندما يتعلق الأمر بمعايير العمل. وذكر التقرير أنه في الوقت الذي وجد مراجعو الحسابات 87 مخالفة في معايير العمل الخاصة بجامعة نيويورك- وهي عبارة عن مجموعة من المبادئ الإرشادية التي تم تحديثها على مدار العمل في المشروع، وتتبع قوانين العمل الإماراتية- فإنّ 77 مخالفة من هذه المخالفات حُلت خلال متابعة عمليات المراجعة الحسابية. ورصد التقرير الامتثال بالمعايير فقط في الفترة التي تلت تشغيل الحرم الجامعي، لذلك لم يتضمن معلومات عن انتهاكات العمل المزعومة خلال عملية البناء.

وقالت تشاندلر إن جامعة نيويورك قد أجلت إصدار تقرير الامتثال بالمعايير العامة، لأنه بعد تعزيز مبادئها الإرشادية لحماية العمال، عام 2016، احتاجت إلى وقت لكي يقوم المراقب المستقل بإجراء تقييم صحيح عن تأثير القواعد الجديدة. وفي ما يتعلق بسياستها الخاصة بسداد رسوم التوظيف فقط للعمال الذين دفعوا الرسوم خلال سنة من بدء العمل في الحرم الجامعي، قالت تشاندلر إن الجامعة كانت تحاول تحديد ما إذا كان أي عامل قد سافر بالفعل إلى أبو ظبي من أجل العمل في جامعة نيويورك فقط. أما بالنسبة إلى العمال الذين عملوا في الإمارات لسنوات قبل العمل في بناء الحرم الجامعي، فقالت: “إننا نعتبر المطالبة بالتعويض أمراً واهياً جداً، وليس من المفترض أن يتم توجيهه لنا”.

رفضت مؤسسة “تمكين”، وهي هيئة تنمية إماراتية تعمل كشريك محلي لجامعة نيويورك، الرد على طلب لأجل التعليق على الأمر.

لم تقتصر معاناة جامعة نيويورك- التي فشلت في بعض الأحيان- من أجل استيراد مبادئها إلى دولة الإمارات على حقوق العمال فقط. فعندما افتتحت الجامعة لأول مرة هناك، بتمويل من “هبة” بقيمة 50 مليون دولار من إمارة أبو ظبي، والوعد بأكثر من ذلك بكثير، أعلنت أنها ستُدار على أساس أنها “منطقة ثقافية حرة”، منطقة تُحترم فيها معايير الحرية الأكاديمية الخاصة بالجامعة. لكن لم ينجح الأمر بهذه الطريقة، كتب محمد بزي، أستاذ الصحافة في جامعة نيويورك، في العام الماضي، أن الحكومة الإماراتية حرمته من الحصول على تأشيرة للعمل في جامعة أبو ظبي، ويعتقد أن سبب ذلك هو كونه شيعياً لبنانياً، وهي طائفة يشكّ المسؤولون الإماراتيون في تعاطفها مع إيران. كما منعت الحكومة الإماراتية أيضاً عام 2015، أندرو روس، أحد أساتذة جامعة نيويورك، والمختص في قضايا العمل، من السفر إلى الإمارات لإجراء الأبحاث. في الوقت نفسه، قام شخص ما أو مؤسسة غير معروفة بتوظيف محقق خاص لجمع معلومات عن روس، والصحافي في جريدة “نيويورك تايمز”، الذي نشر مقالة عام 2014 كشفت عن ظروف العمل في حرم جامعة نيويورك في أبو ظبي. وقال كاتب المقالة إن المسؤولين الأمنيين الإماراتيين تقربوا منه مع وعد بدفع مبالغ كبيرة ومنحه الحصانة من الملاحقة القضائية إذا كتب دعاية مؤيدة لدولة الإمارات.

وقالت تشاندلر إن أعضاء هيئة التدريس والطلاب في الحرم الجامعي لجامعة نيويورك في أبو ظبي يتمتعون بالحرية الأكاديمية الكاملة، وإن الجامعة تعتبره أمراً “ساذجاً” أنّ يتم الخلط بين الحرية الأكاديمية وقرارات الهجرة الخاصة بدولة الإمارات. وقالت، إنه لا يمكن أي جامعة أن تلغي قرار دولة ذات سيادة بشأن من يمكنه دخول أراضيها.

يمكن أن تكون المخالفات التي أحاطت بإنشاء حرم جامعة نيويورك أبو ظبي، بمثابة تحذير للانتهاكات الأخرى المستمرة التي تقوم بها جامعة نيويورك بالتفاهم مع دولة الإمارات، لكن الباحثين في مجال حقوق الإنسان قالوا إن الجامعة تجاهلت ذلك. قال نيكولاس ماكغيهان، الذي كتب أحدث تقرير لـ “هيومن رايتس ووتش”، عن حقوق العمال في الإمارات عام 2015، “دائماً ما وجدت أن هناك حقاً بعض السذاجة لدى المسؤولين في جامعة نيويورك، فقد كانت لدى الجامعة ثقة كبيرة في الإماراتيين، وتحدثوا باستمرار عن حقيقة أن شركائهم في الحكومة كانوا مخلصين جداً بشأن إصلاح قانون العمل. وكان لدى الجامعة إحساس عام بالغضب- تجاه المنتقدين- عندما أشاروا إلى أن هذا لم يكن صحيحاً”.

يوضح التقرير الجديد كيف عملت الشركات الكبرى الأخرى متعددة الجنسيات للقضاء على مخاطر توظيف العمالة القسرية. وتشير شركة “آبل”، إلى أنها سددت 30 مليون دولار من تكاليف التوظيف للعاملين فيها، بعد أن وجدت نفسها في وضع مماثل. لم تتخذ جامعة نيويورك مثل هذه الخطوة بعد؛ وتعتقد جيل أن الجامعة لم تتأقلم بعد مع المخاطر الأخلاقية والقانونية التي تواجهها في أبو ظبي، وأضافت: “على جامعة نيويورك أن تدرك المخاطر التي تواجهها، ويجب أن تكون أيضاً مؤسسة تحترم القانون، وهذا أمر ضروري بالنسبة إلى إدارتها، ما تشير إليه هذه الحالة، هو أن جامعة نيويورك لم تفكر ملياً في الآثار المترتبة على العمل في نطاق سلطة قضائية أجنبية، بخاصة في القضايا الحساسة سياسياً من هذا القبيل”.

إقرأ أيضاً